فنون وآداب

 فرحان بلبل ومفهوم المسرح العمالي

ظهرت بدايات فرحان بلبل لتدلّ على وجود فنانٍ قبل وجود الأيديولوجي، وهذا ما كان يتطلب التركيز على كيفية مخاطبة الفنان لجمهور المسرح الذي يشكل العمال طرفا منه وليس كله

محمد علاء الدين عبد المولى – العربي القديم

لا يُذكر الكاتب والناقد السوري فرحان بلبل (1937ـ 2025) إلا ويُذكر بالتّوازي مع اسمه اسم (المسرح العمالي). وهو اسم الفرقة المسرحية التي أسسها وأشرف عليها إعدادا وتدريبا ومنجزا مسرحيا في حمص وسائر المدن السورية. ويثير تعبير (المسرح العمالي) تساؤلات لدى من تستهويه التساؤلات الخارجة عن سياق المسلّمات. ومن هذه التساؤلات ما هو المسرح العمالي؟ ما هي المسرحيات الخاصة به؟ من هو جمهوره؟ هل جمهوره من العمال؟ أم أن ممثليه هم من الطبقة العاملة؟ وهل كان لدينا طبقة عاملة تمتلك المؤهلات الثقافية والفنية للتعامل مع فنّ المسرح وهو يعرض على الخشبة؟ أم أن المسرح العمالي هو عبارة عن كرح فنيّ لمشكلات وواقع العمال في حياتهم اليومية والإنتاجية؟

لا شكّ أن المسرح يختلف عن سواه من التجارب الفنية والأدبية، لارتباطه المباشر بالمشاهدين، أي بالجمهور، وفرحان لا يعتبر المسرحية جديرة بهذا الاسم ما لم تكن صالحة للعرض على الخشبة. وهو محقّ في جانب من المسألة تلك، فالمسرحية نصّ مرئيّ، منجز بصريّ تشترك فيه عدة فنون ومهارات كلها تتجه نحو (جمهور) ما في الوقت نفسه.

لكن هل كان حضور مسرحيات هذه الفرقة هو بالتحديد من الطبقة العاملة؟ أم أنه جمهور خليط من العمال والموظفين والأكاديميين والنقاد والأدباء وأهل الكار المسرحي؟ وهل كانت مسرحية الممثلون يتراشقون الحجارة مثلا، أو الملك هو الملك (التي أعدها وأخرجها) هي مسرحيات يمكن للطبقة العاملة التواصل معها والوقوف على فحواها الأدبية والفنية بمعزل عن الرسالة السياسية الفكرية المباشرة؟

فرحان بلبل مع عناصر من فرقة المسرح العمالي في سبعينيات القرن العشرين

لكن فرحان بلبل كان ومنذ بدايات مشاريعه المسرحية مدركا لحرج المسألة حين يتعلق الأمر بماهية (العماليّ) في التجربة الفنية. وهو في الأساس أديب مبدع لديه رسائل فنية وجمالية وفكرية ينبغي العمل على تأسيسها وخلق أدوات تواصل جديرة ولائقة بها، وليس بالضرورة أن يكتب ويخرج عملا فنيا يراعي فيه ظروف الطبقة العاملة من حيث فقرها المعرفي في التعاطي مع المسرح. صحيح أنه كان يريد تقديم جرعة فنية للجمهور، جرعة مفهومة ومؤثرة، لكنه كان يقدم تلك الجرعة في أطر فنية بحتة لا تفرط بمقتضيات الفنّ وشروطه في سبيل إرضاء رغبات ونزوعات (الطبقة العاملة). فإذا استطاع الحضور العمالي استيعاب التجربة الفنية فذلك شيء جيد وعلامة إيجابية، ولكن إذا لم يحقق ذلك فلا مشكلة ولا خوف على فرضية المسرحية أو إخراجها أو إعدادها.

إن المسرح له سحر خاص، يتلقاه الحضور سواء أكان عماليا أم أكاديميا! نخبويا أم عموميا. وحين يلوي الكاتب عنق الفنّ لإشباع حاجة جمهور عماليّ في مجتمع فقير آخر همه الفنّ المسرحيّ وجمالياته، فسوف يخسر القضية الفنية ولم يعد مهمّا أن يكسب الجمهور.

إن قضية الطبقة العاملة في المجتمع العربي ليست قضية أدبية مسرحية بل هي أعقد من ذلك، إنها قضية مركّبة يشترك فيها المجتمع والسياسة والثقافة والتعليم والتقاليد والحريات والأمن الاجتماعي والاقتصادي… وما يلاحظه المفكرون وعلماء الاجتماع أن التجربة الاشتراكية في بلادنا فشلت لأنها لا تتفق مع غياب شيء اسمه طبقة عاملة! حتى لو كان لدينا عمال ومصانع وآلات إنتاج ومنشآت صناعية، لكنها كلها تبدو وكأنها تعوم على السطح ولا تدخل في بنية المجتمع ومساراته الطبيعية. فليس هناك حياة عمالية كاملة تتمتع بالحرية والرفاهية والاستقرار لتكون قادرة على القيام بمهمات التحويل والثورة وتبنّي الثقافة والمعرفة. وفي ذلك السياق كانت تجارب المسرح العمالي جزءا من المشكلة أو رديفا لها.

لقد ظهرت بدايات فرحان بلبل لتدلّ على وجود فنانٍ قبل وجود الأيديولوجي، وهذا ما كان يتطلب التركيز على كيفية مخاطبة الفنان لجمهور المسرح الذي يشكل العمال طرفا منه وليس كله. كان لا بدّ للفنان أن يقيم توازنا بين أصول الفنّ المسرحي وحاجات الجمهور والعمال. فلا يقع في الإسفاف من جهة ولا يتعالى عن المتلقّي العموميّ من جهة ثانية.

عاصرت فرقة المسرح العمالي أجيالا عدة، واستوعبت مواهب شابة ومخضرمة من أكثر من جيل

ومن يقرأ في الحوارات الأولى التي كانت تجري مع فرحان بلبل منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي، فسوف يلاحظ ذلك الهاجس الجمالي الفنيّ المرافق لأعماله ولنقده للمسرحيات السورية في تلك المرحلة. ومع كل توهجه وشغفه بالمسرح العمالي، واحترامه للطبقة العاملة والاهتمام بمشاكلها وأحلامها، فقد كان يضمر قبل كل ذلك احتراما للجانب الجمالي والفنيّ من المسألة. لذلك كان حريصا وبشدّة على ألا يحول المسرح العمالي إلى مسرح تجاريّ ترفيهيّ مبتذل، بل كان يصدم جمهوره بكل شرائحه، بقضايا معقدة وإشكالات سياسية واجتماعية وثقافية هي من صلب واقع هذه الطبقة العاملة، كما هي من صلب واقع الجمهور بصورة عامة.

لكن خيار فرحان بلبل بالتوجه إلى جمهور المسرح العمالي هو خيار أخلاقيّ يريد من خلاله التأكيد على قدرة المبدع أن يعيد صياغة مشكلات كبرى بلغة تقترب من طرائق استقبال الناس من غير المثقفين أو النخب الفكرية والنقدية، فالمسرح هو في أهمّ بند من بنوده عمل يتمّ على الخشبة وأمام جمهور، وطالما أن الكاتب اختار ذلك فمن المجدي عنده أن يتقن خطاب هذا الجمهور، إنّه جمهور غير شعريّ، وغير فلسفيّ، أي لا يسمع قصيدة أو محاضرة فلسفية، فهذا سوف يعقّد الأمر قليلاً أو كثيرا عليه، مع أن المسرحية كنصّ إبداعي تتضمن إمكانية توظيف الفكر والمعرفة بشرط أن يبقى محافظا على طبيعة النصّ المسرحيّ، وحين نستقرئ الخلفيات الفكرية للمسرحيّ فرحان بلبل سوف نجد أنه أطلق تجربته المسرحية في سياقٍ ماركسيّ معرفيّا، أو لنقل (يساريّ) التزامًا. وهذا فرض عليه نوعا من ترتيبٍ فنيّ خاصّ تلتقي فيه الناحية الفكرية مع المتعة الجمالية التي يحققها المسرحيّ على الخشبة. وقد اعتمد فرحان في ذلك على فريق من ممثلين استطاعوا بحقّ إبهار المشاهد بقدراتهم الفنية التي كانت لمسات بلبل الفنية ككاتب للنصّ أو مخرجٍ أو معدٍّ له، لمسات واضحة بجلاء لمن يبحث عنها. وكان هذا مما يجعل متلقي مسرحه يقبل مرة ثانية وثالثة وعاشرة على حضور مسرحياته دون تردد. لقد كانت عروضه المسرحية بحقّ ظاهرة لا تنسى في مدينة حمص، وحديث الناس والصحافة والنقاد لفترات طويلة. لكن كل ذلك يعيد السؤال مجددا: هل كانت مسرحيات بلبل (عمالية) من حيث الموضوع؟ الجواب بعد أن يتفحص الناقد مواضيع مسرحياته هو: لا! بل هي مسرحياتٌ مبنيّة على أفكارٍ ومشاكل توجد في المجتمع والعائلة والسلطة والحزب والمؤسسة… الخ وقد يكون العامل جزءا منها وقد لا يكون. ففرحان كاتبٌ مسرحيّ صرفٌ بالدرجة الأولى، له أن يختار من مواضيع الحياة وأفكارها ما يساعده على بناء نصّه إبداعيا قبل أن يفكر بمردوده الجماهيريّ العماليّ. من هنا نفهم خيارات بلبل في اختيار أعمال لسعد الله ونوس وبرتولد بريخت وناظم حكمت، ليقدمها للجمهور المتعطش لرؤية مشكلات ربما كان بعضها مسكوتا عنه أو محرّمات، معروضة على الخشبة أمامه ليعيد التفكير فيها بجرأة وحرية حتى لو كانت حرية مضغوطةً ومحاصرة كما هو شأن كلّ شيء داخل سوريا في تلك الم

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى