الرأي العام

المهمة التي عجزت عنها إسرائيل.. لماذا يطلبها ترامب من أحمد الشرع الآن؟

المهمة المطلوبة اليوم ليست "حفظ استقرار" بل هي "مهمة انتحارية عسكرية" قوامها اجتثاث ونزع سلاح حزب الله، وهي المهمة ذاتها التي عجزت عنها الآلة العسكرية الإسرائيلية على مدار عقود.

نوار الماغوط – العربي القديم

‎تُعيد دعوة ترامب الحالية لدمشق بالتدخل في الشأن اللبناني إنتاج مشهد شبيه بـ “الوصاية السورية” في القرن الماضي، لكنه يحمل في جوهره نقيضها التام . في تسعينيات القرن العشرين، دخل وقتها حافظ الأسد إلى لبنان مستنداً إلى “شرعية عربية مطلقة” صاغها [اتفاق الطائف] عام 1989 ، وبمباركة أمريكية صامتة قُدمت كـ “مكافأة سياسية” على انضمام دمشق للتحالف الدولي في حرب الخليج الثانية. كان التفويض العربي والدولي حينها يهدف إلى “حفظ الاستقرار” وإنهاء الحرب الأهلية اللبنانية، وهو ما استغله الأسد الأب لبناء منظومة نفوذ أمني وسياسي دامت خمسة عشر عاماً . والأهم من ذلك، أن النظام السوري وقتها استثنى “حزب الله” من قرار نزع سلاح الميليشيات، وحوّله إلى ورقة مساومة إقليمية ذهبية في جيبه ضد إسرائيل.

‎اليوم، تنقلب الآية بالكامل؛ فالطلب المعاصر لـ [أحمد الشرع] ليس عربياً، بل هو اقتراح أمريكي صِرف نابع من عقلية ترامب البراغماتية التي تسعى لعزل لبنان عن النفوذ الإيراني عبر الاستعانة بدمشق. والأخطر من ذلك، أن المهمة المطلوبة اليوم ليست “حفظ استقرار” بل هي “مهمة انتحارية عسكرية” قوامها اجتثاث ونزع سلاح حزب الله، وهي المهمة ذاتها التي عجزت عنها الآلة العسكرية الإسرائيلية على مدار عقود.

‎هناك فارق جوهري آخر يكمن في ميزان القوى؛ فسوريا حافظ الأسد دخلت لبنان وهي في ذروة قوتها الأمنية والمركزية، بينما سوريا أحمد الشرع ترث دولة منهكة خرجت للتو من أتون حرب داخلية مدمرة، وتصب كل ثقلها حالياً على الداخل لإعادة الإعمار والترتيب السياسي. ومن هنا، يتحول العرض الأمريكي، إلى “فخ ” يراد منه استنزاف العهد السوري الجديد في مستنقع خارجي دموي .

الموقف السوري.. بين الرفض و الامتثال

‎أمام هذا الضغط الأمريكي، يجد الرئيس الشرع نفسه أمام خيارين أحلاهما مر، وإن كانت المؤشرات الرسمية الحالية تؤكد ميله الواضح نحو النأي بالنفس والتركيز على الشأن الداخلي. وتتوزع المسارات المحتملة على النحو التالي

‎التمسك بالرفض (الخيار الواقعي):

‎في هذا المسار، تصر دمشق على موقفها المعلن برفض الدخول العسكري إلى لبنان لتنفيذ الأجندات الأمريكية والإسرائيلية .

‎لتحمي سوريا نفسها من الانزلاق في حرب عصابات وشوارع شرسة ضد مقاتلي حزب الله المتمرسين ، وتمنع نقل الصراع الطائفي والسياسي إلى داخل المدن السورية، مما يتيح للحكومة مواصلة خطط الإعمار وتثبيت دعائم الاقتصاد والاندماج الدولي .

‎قد يواجه هذا الرفض بـ “فتور دبلوماسي” من قِبل إدارة ترامب، التي تعتمد مبدأ المقايضة، مما قد يؤدي إلى فقد دعم ترامب للرئيس الشرع .

‎2. الامتثال والتدخل العسكري (مغامرة المجهول):

‎إذا ما خضعت دمشق لإغراءات  واشنطن

‎ستجد سوريا نفسها في مواجهة مباشرة ليس فقط مع حزب الله، بل مع البيئة اللبنانية الرافضة تاريخياً لعودة “الوصاية السورية”. كما سيعتبر هذا التحرك بمثابة إعلان حرب على إيران، مما يفتح الباب أمام ردود فعل أمنية انتقامية قاسية من خلايا موالية لطهران داخل العمق السوري، مهددة بتقويض الأمن القومي السوري من أساسه .

طبول الحرب الإسرائيلية

‎في التوقيت نفسه الذي يحاول فيه ترامب دفع سوريا نحو الساحة اللبنانية، يخرج وزير الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي ليعلن أن إسرائيل ستخوض حرباً مع سوريا “عاجلاً أم آجلاً”، معتبراً أن سوريا بحلفائها الجدد (تركيا، قطر، السعودية ) تمثل تهديداً يفوق الخطر الإيراني السابق. هذا التصريح يكشف عن حجم الارتباك السائد داخل اليمين الإسرائيلي نتيجة [مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية]… ولكن

‎نظراً لأن النفوذ التركي يمثل ركيزة أساسية في الترتيبات السورية الحالية فإن أي عدوان إسرائيلي واسع يهدد بإسقاط النظام في دمشق سيعتبر خطراً أحمر لأنقرة. قد يترجم ذلك بتزويد سوريا بمنظومات دفاع جوي متطورة وطائرات مسيرة كاسرة للتفوق الإسرائيلي، ما يحول المواجهة إلى حرب إقليمية واسعة النطاق في شرق المتوسط .

‎ومع ذلك، تظل هناك “كوابح ذاتية” تحرم إسرائيل من رفاهية خوض هذه الحرب فوراً، أبرزها حالة الإنهاك البشري والعسكري التي يعاني منها الجيش الإسرائيلي بعد أكثر من عامين ونصف من القتال المتواصل على جبهات متعددة ،  فضلاً عن غياب الغطاء الدولي لضرب دولة تمر بمرحلة انتقالية ويسعى المجتمع الدولي لدمجها .

عهد الواقعية السورية

‎تثبت قراءة تفاصيل المشهد أن دمشق ليست تلك العاصمة الإقليمية القادرة على تحمل كلفة مغامرات عسكرية خارجية لخدمة أطراف أخرى، كما أن قيادتها الجديدة لا تبدو بوارد تقديم هدايا مجانية لواشنطن أو الانجرار لشرك تنصبه تل أبيب .

‎إن وعي الرئيس أحمد الشرع بالتحديات الداخلية الجسيمة يفرض عليه التمسك بـ “الواقعية السياسية الحذرة”؛ فالرفض الذكي لمطالب ترامب، مع إبقاء قنوات التنسيق الأمني مفتوحة لضمان عدم التصعيد، هو السبيل الوحيد لضمان عبور سوريا نحو ضفة الأمان . أما إسرائيل، فستظل تصريحات وزرائها تندرج في إطار “البروباغندا السياسية” والهروب إلى الأمام، ما لم تحصل على ضوء أخضر أمريكي يبدو مستحيلاً في ظل الإدارة الحالية التي تبحث عن صفقات كبرى لإنهاء الحروب، لا عن إشعال جبهات جديدة .

‎بين أطماع القوى الكبرى وحسابات الجوار المعقدة، تجتاز سوريا اليوم أصعب اختبار لسيادتها واستقلال قرارها الوطني في مرحلة ما بعد سقوط نظام البعث وهروب بشار الأسد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى