حين تصبح السلطة الحاكمة قوة احتلال داخلي
يمكن استخدام مفهوم الاحتلال الداخلي لوصف حالة تستولي فيها جماعة، بوصفها أقلية، على سلطة الدولة بالقوة، ثم تمارس تجاه المجتمع سلوكاً يقترب من سلوك المحتل الخارجي، من حيث اتساع القهر والعنف.

أحمد برقاوي – العربي القديم
لا شك في أن سلطة الدولة هي عقلها وأداة تنظيم العلاقات الاجتماعية على مختلف مستوياتها، من السلطة التشريعية إلى التنفيذية والقضائية، وسائر المؤسسات التابعة لها. وتتمثل مهمتها في تنظيم حياة الناس، وتلبية حاجاتهم، ورعاية حاضرهم ومستقبلهم وسبل عيشهم.
فالسلطة، بوصفها سلطة دولة، لا تقوم خارج المجتمع ولا تكون غريبة عنه؛ بل هي، في الأصل، تعبير عن ضرورة انتظام حياته. لذلك ترتبط شرعية وجودها بأدائها الوظائف التي أُنشئت من أجلها. ولكن كيف يمكن أن تنتقل السلطة من أداء هذه الوظائف إلى ممارسة تشبه وظيفة الاحتلال؟
يمكن تعريف الاحتلال، في التحليل السياسي، بأنه استيلاء قهري يتم باستخدام القوة والعنف بمختلف أشكالهما. وعدم تحديد موضوع الاستيلاء يعني أن للاحتلال صوراً متعددة.
فعندما نقول إن دولة تحتل دولة أخرى، نعني أن دولة خارجية استولت بالقوة على أراضي دولة أخرى. وإذا أدى الاحتلال إلى بقاء السكان الأصليين، فإنه يشمل سلب الأرض، وممارسة العنف ضد السكان، والسيطرة على ثرواتهم، والحد من حقوقهم المادية والمعنوية أو انتهاكها.
وقد جرى العرف على النظر إلى الاحتلال بوصفه احتلالاً خارجياً، تمارسه دولة ضد دولة أو جماعة ضد جماعة. غير أن النتيجة العامة في مختلف صوره تتمثل في إخضاع السكان وسلب جانب من حقوقهم المادية والمعنوية.
فيمكن، في هذا الإطار، النظر إلى أشكال الاستعمار الغربي لمناطق مختلفة من العالم بوصفها احتلالاً. كما يمكن وصف احتلال الحركة الصهيونية بأنه احتلال إجلائي، ووصف احتلال إيران للأحواز والجزر الإماراتية بأنه احتلال أيضاً.
وعليه، فإن سلطة الاحتلال، في صورتها التاريخية المألوفة، هي سلطة خارجية استولت بالقهر على أرض وشعب لا تنتمي إليهما.
لكن ماذا يحدث حين تصدر أفعال الاحتلال نفسها عن سلطة حاكمة في الداخل؟
يمكن استخدام مفهوم الاحتلال الداخلي لوصف حالة تستولي فيها جماعة، بوصفها أقلية، على سلطة الدولة بالقوة، ثم تمارس تجاه المجتمع سلوكاً يقترب من سلوك المحتل الخارجي، من حيث اتساع القهر والعنف. فالمسألة، وفق هذا التعريف التحليلي، لا تتعلق بمكان وجود السلطة، داخل البلاد أو خارجها، بل بطبيعة علاقتها بالمجتمع وسلوكها تجاه الوطن وأهله.
فالسلطة لا تصبح وطنية لمجرد أنها تعمل داخل حدود الوطن، كما أن وجود الحاكم في عاصمة بلاده لا يمنحه، بذاته، صفة الانتماء إليها. إنما يمكن قياس انتماء السلطة بعلاقتها بالناس والأرض والثروة والحقوق والقيم الوطنية. ومن ثم، قد تشترك سلطة الاحتلال الخارجي وسلطة الاحتلال الداخلي في سمات أساسية، مع احتفاظ كل منهما بخصوصيته.
السلطة لا تصبح وطنية لمجرد أنها تعمل داخل حدود الوطن، كما أن وجود الحاكم في عاصمة بلاده لا يمنحه، بذاته، صفة الانتماء إليها.
في هذا السياق، يمكن القول إن سلطة الاحتلال الداخلي تتعامل مع الوطن، لا بوصفه مجالاً مشتركاً للمواطنة، بل بوصفه مجالاً لممارسة السلطة. كما قد تتعامل مع السكان بوصفهم رعايا مطلوباً منهم الطاعة والخضوع، لا مواطنين أصحاب حقوق. وحين تنفصل السلطة عن معنى الانتماء، قد يصبح بقاؤها مقدماً، في ممارستها السياسية، على حماية الوطن ومصالحه.
قد يراعي الاحتلال الخارجي، أحياناً، احتمال مقاومة السكان الأصليين، أما الاحتلال الداخلي فقد يتجه إلى ممارسة القمع ضد أنماط الحياة ذاتها، وضد أشكال التمرد الصادرة عن أبناء الوطن. لذلك قد يمتد القمع من الجسد إلى القول، ومن القول إلى الرأي، ومن الرأي إلى أسلوب العيش، حتى يغدو المجتمع خاضعاً، بدرجات متفاوتة، لرقابة السلطة وعنفها.
وقد تعتمد سلطة الاحتلال الداخلي على الفساد والاعتداء على حق الملكية. فالثروة، في هذه الحالة، لا تُعامل بوصفها مورداً عاماً للمجتمع والوطن، بل بوصفها مورداً تستأثر به السلطة أو شبكاتها. وحين تتحول الدولة إلى مجال للغنيمة، لا يعود الفساد مجرد سلوك فردي، بل يغدو جزءاً من طريقة عمل السلطة.
وكما يحتاج الاحتلال الخارجي إلى من يزوده بالمعلومات عن السكان الأصليين، قد تحتاج سلطة الاحتلال الداخلي إلى المخبرين والعسس لمراقبة أبناء الوطن واتقاء تمردهم. وبهذا يمكن أن تتآكل الثقة بين الناس، وأن يتحول المجتمع من شبكة علاقات إنسانية إلى شبكة من الخوف والشك والارتياب.
ولا تستطيع سلطة الاحتلال الداخلي، في الغالب، أن تستمر بسهولة في مجتمع يحتفظ بقيم الكرامة والحرية والانتماء. لذلك قد لا تكتفي بإخضاع الأجساد، بل تعمل أيضاً على إخضاع النفوس، وإنتاج أخلاق الطاعة والخوف والصمت. فالإنسان الذي يشعر بكرامته وانتمائه إلى وطنه يمكن أن يمثل تحدياً لسلطة لا ترى في الوطن إلا مجالاً لبقائها.
حين تكون الدولة دولة مجتمع، تكون مؤسساتها في خدمته. أما حين تتحول السلطة إلى قوة احتلال داخلي، فإنها قد تستولي على مؤسسات الدولة وتحولها من أدوات لتنظيم حياة الناس إلى أدوات لضبطهم والسيطرة عليهم. وهكذا تتراجع الوظيفة العامة للمؤسسة، وتصبح مهمتها الأساسية حماية السلطة وضمان استمرارها.
وإذا شعرت سلطة الاحتلال الداخلي بخطر لا تستطيع مواجهته، فقد تلجأ إلى الاستعانة بأشكال مختلفة من الاحتلال الخارجي. وعندئذ يمكن أن تقع البلاد تحت شكلين متداخلين من السيطرة: داخلي وخارجي. وقد ظهرت مثل هذه الحالات في تجارب تاريخية وسياسية مختلفة، ومن أمثلتها سوريا في ظل حكم آل الأسد، والعراق في ظل أنظمة اتخذت من الانقسام الطائفي أداة للحكم.
هنا تظهر مفارقة سياسية واضحة: فقد تعلن السلطة حماية السيادة، ثم تستدعي قوة خارجية دفاعاً عن بقائها، بما يؤدي عملياً إلى المساس بسيادة الوطن. وبذلك يتضح الفرق بين الدفاع عن الوطن والدفاع عن السلطة؛ فقد يرى بعض الفاعلين أن بقاء الوطن يتطلب تغيير السلطة، بينما تتعامل السلطة مع بقائها بوصفه شرطاً لبقاء الوطن.
قد تعلن السلطة حماية السيادة، ثم تستدعي قوة خارجية دفاعاً عن بقائها، بما يؤدي عملياً إلى المساس بسيادة الوطن. وبذلك يتضح الفرق بين الدفاع عن الوطن والدفاع عن السلطة
ومن السمات الاستثنائية أن يمارس الاحتلال الداخلي سلوك الاحتلال الخارجي بطرد السكان وإحلال غرباء محلهم. فإذا رأت سلطة الاحتلال الداخلي في سكان منطقة ما خطراً على سلطتها، فقد تلجأ إلى إجلائهم أو طردهم. ويعكس ذلك انتقالها من التعامل معهم بوصفهم أبناء وطن إلى التعامل معهم بوصفهم تهديداً سياسياً وأمنياً.
وهكذا يمكن تمييز الفرق الجوهري بين سلطة الدولة وسلطة الاحتلال الداخلي: سلطة الدولة ترى في المجتمع غاية وجودها، بينما قد تتعامل سلطة الاحتلال الداخلي مع المجتمع بوصفه مصدراً محتملاً للخطر على وجودها. تحمي سلطة الدولة الوطن لأنها تستمد مشروعيتها من خدمته، أما سلطة الاحتلال الداخلي فتحمي استمرارها، ولو أدى ذلك إلى إضعاف الوطن أو الإضرار به.
فالاحتلال الداخلي ليس وصفاً مكانياً، ولا يعني أن المحتل جاء من خارج الحدود، بل هو مفهوم يصف علاقة السلطة بالوطن والمجتمع. فقد تكون السلطة من أبناء البلد، وتحكم من عاصمته، وتتحدث لغته، وترفع علمه، وتردد أناشيده، ومع ذلك تمارس تجاه أهله سلوكاً يمكن مقارنته بسلوك المحتل.
فالاحتلال، في جوهره، ليس ظاهرة جغرافية فحسب، بل علاقة قهر واستيلاء وسلب للحقوق. لذلك يمكن أن يمثل مفهوم الاحتلال الداخلي منهجاً لتحليل السلطة وسلوكها، وأداة للحكم السياسي عليها: فبقدر ما تكون السلطة تعبيراً عن مصالح المجتمع وحريته وحقوقه وانتمائه، تكون أقرب إلى سلطة الدولة؛ وبقدر ما تنفصل عنه، وتقهره، وتستأثر بثرواته، وتضعف قيمه وانتماءه الوطني، وتحوله إلى موضوع للخوف والطاعة، تبتعد عن معنى سلطة الدولة وتقترب من معنى سلطة الاحتلال الداخلي.

