العربي الآن

السياسة في سوريا بين سندان إرث الماضي ومطرقة الاستقطابات الحادة!

منذ مطلع الستينيات، ووصولاً إلى سقوط النظام السابق أواخر عام 2024، جرى إلى حدٍّ كبير محو هذا الإرث السياسي الكبير لدمشق، وترسيخ ثقافة سياسية تُعدُّ الأسوأ عالمياً والأكثر تخلفاً

مصطفى عبد الوهاب العيسى – العربي القديم

نعم، إنَّ دمشق العريقة لها باع طويل وعمق تاريخي في السياسة، وقد كانت من رواد العمل السياسي قديماً في المنطقة والعالم، وقدمت دروساً في فنون السياسة وعلومها، وكانت – كما هو معلوم – قبلة لكبار السياسيين ومحطَّ اهتمامهم، ويمكن القول – برأيي – إن خمسينيات القرن الماضي شكلت آخر محطات الإرث السياسي العريق لدمشق.

منذ مطلع الستينيات، ووصولاً إلى سقوط النظام السابق أواخر عام 2024، جرى إلى حدٍّ كبير محو هذا الإرث السياسي الكبير لدمشق، وترسيخ ثقافة سياسية تُعدُّ الأسوأ عالمياً والأكثر تخلفاً وفشلاً، وليس المقصود بذلك سياسات حزب البعث وحده، بل الثقافة السياسية التي طغت على تفكير سواد الشعب، وعلى ممارسته للعمل السياسي، وشكلت لديه فكراً سياسياً متطرفاً ومنحرفاً.

خلال أربعة عشر عاماً لم تُعالج الثقافة السياسية السائدة في سوريا، ولا مناهج الفكر والتفكير السياسي فيها على الإطلاق، ولم تعمل على ذلك أيُّ جهة سياسية معارضة خلال هذه الفترة، بل بقيت الندوات والمحاضرات والمقابلات وما شابهها مجرد محاولات فردية لا يتجاوز تأثيرها حدود ما تقدمه بعض الكتب والمقالات لعدد من الصحفيين والسياسيين.

إنَّ سقوط النظام السابق بكلِّ ما حمله من إيجابيات لم يكن – مع الأسف – كافياً للتخلص من هذا الإرث السياسي الفاشل، والذي يتوجب على دمشق من خلال الدستور والمشاركة السياسية، أن تُخلِّصَنا وتُخلِّصَ نفسها منه، وعلى أمل خلق ثقافة سياسية حقيقية في سوريا تُسهم في عملية البناء والنهوض.

رمزية الأشخاص والأفراد، واشتراط الولاءات السياسية في الكفة الأولى، وما يقابلُ ذلك في الكفة الثانية من رومانسيات سياسية نظرية وسلوك سياسي مريض يُشكِّلان أرضية خصبة وسنداناً متيناً لشللٍ سياسيٍّ في المستقبل القريب، ومع طَرَقات الاستقطابات الحادة، لن تكون النتيجة إلَّا فوضى سياسية لا تُحمَدُ عُقباها.

منذ أواخر عام 2023 ، وفضلاً عن تبعات الحروب والصراعات الأخيرة، يشهد العالم – ولا سيما منطقتنا – تصاعداً ملحوظاً في مظاهر العنف السياسي، وكانت سوريا بطبيعة الحال من أكثر البلدان تأثراً بكل هذه التحولات العاصفة والتجاذبات الحادة.

ونتيجةً لهذه التفاعلات السياسية المتسارعة، لم يعد الاختلاف في الآراء السياسية قائماً بمعناه الدقيق، ولم يعد حالة صحية مرغوبة، بل تلاشت مساحات التباين الطبيعي لتحل محلها حالة من الانقسام العميق والخطير ، وخصومات مُرشحة – إن لم تُعالج – للتطور إلى صراعات وجودية حقيقية.

إننا أمام استقطابات حادة تكاد تكون صفرية، لا يعترف فيها طرف بشرعية وجود الآخر أو حقه في الاختلاف ، وقد تجلت خطورة هذا الاستقطاب حين ترك الفلاح أرضه ، والطبيب عيادته ، والمعلم مدرسته ، لينخرطوا جميعاً في اصطفافات سياسية خلف خطابات شعبوية تستقطب الأنصار في الحاضر ، لكنها تُسهم في هدم الوطن في المستقبل.

إن تسييس كل شيء بات ظاهرة مقلقة ، فاعتبار ارتفاع سعر الطماطم مؤامرة سياسية مصيبة، والانشغال بالمظاهر الشكلية للمسؤولين وتقديمها بوصفها دلائل على الحنكة السياسية مصيبة أكبر، لأنها تفرغ النقاش العام من مضمونه الحقيقي وتدفعه نحو السطحية والعبث.

إن نتائج هذا الاستقطاب الحاد مرعبة على المديين القريب والبعيد، ولا يسهل التعافي منها، ولا تقتصر آثارها على تعطيل العمل السياسي ، بل تمتد لتهدد أسس العيش المشترك والتعايش المجتمعي بمختلف مستوياته وعلى كافة الأصعدة، وتزرع الشك وتُعمِّق الانقسامات، وتُضعف الثقة – أو تهدمها – بين السلطة والشعب وبين المعارضة ومؤسسات الدولة.

تقف سوريا اليوم على صفيح ساخن، وبينما تسير دمشق بخطوات مدروسة ومتوازنة ومتسارعة في سياساتها الخارجية، لا تزال وتيرة الإصلاح في السياسات الداخلية بطيئة على نحو لم يعد مقبولاً، إذا ما أردنا الحفاظ على تماسك الدولة وضمان مستقبلها.

إن الحاجة باتت مُلحَّة لوجود صحافة مستقلة – ولو بالحد الأدنى – وإعلام متوازن يتبنى خطاباً عقلانياً رصيناً يُفسح المجال لحوار وطني حقيقي بين مختلف الأطراف، ويعيد بناء الثقة بمؤسسات الدولة، ويؤسس لثقافة سياسية سليمة وقائمة على التعددية والاحترام المتبادل.

بين سندان إرث مثقل بالإخفاقات، ومطرقة استقطابات حادة، يعيش السوريون آلامهم وتحدياتهم اليومية، ومع ذلك لا يزال الأمل قائماً في نفوسهم بإمكانية استعادة عافية العمل السياسي في سوريا، وبناء مستقبل أكثر استقراراً وعدالة، وتُصان فيه كرامة الإنسان، ويُحترم فيه الاختلاف بوصفه مصدر قوة لا سبباً للفرقة.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى