إدوارد سعيد واتفاقيات أوسلو: نقدٌ بنيوي لمسار التسوية ومآلاته السياسية
يمثّل نقد إدوارد سعيد لاتفاقيات أوسلو أحد أهم القراءات الفكرية والسياسية في التاريخ الفلسطيني المعاصر

غسان قواص كالِه – العربي القديم
يقدّم هذا المقال قراءة موسّعة وشاملة لموقف إدوارد سعيد من اتفاقيات أوسلو، بالاعتماد على كتابيه أوسلو 2: سلام بلا أرض ونهاية عملية السلام: أوسلو وما بعدها. يجمع المقال بين الاتهامات الصريحة التي وجّهها سعيد لياسر عرفات والقيادة الفلسطينية، وبين تحليله البنيوي لطبيعة الاتفاق، وللتحوّلات السياسية التي رافقت مرحلة ما بعد أوسلو. ويبيّن أن نقد سعيد لم يكن موقفاً سياسياً ظرفياً، بل رؤية متكاملة لطبيعة الصراع، ولحدود القوة، وللخلل البنيوي في بنية التمثيل الفلسطيني، وللنتائج الكارثية التي ترتّبت على قبول اتفاق لا يحقق الحدّ الأدنى من شروط العدالة. ويخلص المقال إلى أن أوسلو لم تكن نهاية الصراع، بل بداية مرحلة جديدة من إعادة إنتاج السيطرة الاستعمارية بأدوات سياسية وقانونية جديدة، وأن مشروع التحرر الوطني يحتاج إلى إعادة بناء شاملة تستند إلى الديمقراطية، والعدالة، ومقاومة الوقائع الاستعمارية.
مقدمة
منذ اللحظة الأولى لإعلان اتفاقيات أوسلو عام 1993، كان إدوارد سعيد من أبرز الأصوات التي رفضت الاتفاق واعتبرته «خطيئة سياسية» ستدفع القضية الفلسطينية ثمنها لعقود. لم يكن سعيد جزءاً من الوفد المفاوض، لكنه كان جزءاً من المؤسسة السياسية الفلسطينية حتى عام 1993، حين استقال من المجلس الوطني الفلسطيني احتجاجاً على ما اعتبره «تفريطاً تاريخياً» بالحقوق الوطنية. ومنذ ذلك الحين، تحوّل سعيد إلى أحد أهم المفكرين الذين قارَبوا أوسلو من منظور نقدي شامل، يجمع بين التحليل السياسي، والقراءة التاريخية، والتفكيك البنيوي لطبيعة السلطة والتمثيل.
في كتابه أوسلو 2: سلام بلا أرض، يقدّم سعيد نقداً مباشراً للاتفاق وللقيادة الفلسطينية التي وقّعته، بينما يقدّم في نهاية عملية السلام تحليلاً أعمق لمسار ما بعد أوسلو، وللتحوّلات التي طرأت على بنية الصراع، وعلى طبيعة العلاقة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، وعلى الخطاب السياسي الفلسطيني. يجمع هذا المقال بين هذين المستويين من النقد، ليقدّم سرداً موحّداً لرؤية سعيد حول أوسلو، وللأسباب التي جعلته يعتبر الاتفاق «انحرافاً تاريخياً» في مسار التحرر الوطني.
القسم الأول: الخلفية التاريخية والسياسية لاتفاقيات أوسلو
1. السياق الدولي والإقليمي
يرى سعيد أن أوسلو جاءت في لحظة ضعف فلسطيني غير مسبوقة، نتيجة انهيار الاتحاد السوفييتي، وتراجع الدعم العربي بعد حرب الخليج، وعزلة منظمة التحرير في تونس، وصعود الولايات المتحدة كقوة أحادية تقود عملية السلام. في هذا السياق، دخلت القيادة الفلسطينية المفاوضات وهي «منهكة سياسياً ومالياً»، بينما كانت إسرائيل في ذروة قوتها العسكرية والسياسية.
2. غياب التكافؤ بين الطرفين
يشدد سعيد على أن المفاوضات لم تكن بين طرفين متساويين، بل بين قوة استعمارية وشعب واقع تحت الاحتلال. ويقول: «لم يكن هناك أي تكافؤ بين طرف يملك الأرض والقوة، وطرف يبحث عن اعتراف بوجوده».
هذا الاختلال البنيوي في ميزان القوة هو، في رأي سعيد، السبب الجوهري لفشل أوسلو.
3. غياب الرؤية الاستراتيجية لدى القيادة الفلسطينية
يعتبر سعيد أن القيادة الفلسطينية دخلت المفاوضات دون رؤية واضحة، ودون أوراق قوة، ودون استعداد للتعامل مع تعقيدات المرحلة الانتقالية. ويكتب: «لم يكن لدى القيادة الفلسطينية أي استراتيجية تفاوضية، بل رغبة في الوصول إلى اتفاق بأي ثمن».
القسم الثاني: الاتهامات الصريحة التي يوجّهها سعيد لياسر عرفات
1. الاستبداد وتركيز السلطة
يرى سعيد أن عرفات حوّل منظمة التحرير إلى جهاز شخصي، وأنه تعامل مع أوسلو باعتبارها وسيلة لتعزيز سلطته لا لبناء مؤسسات وطنية. ويقول: «لقد استُبدلت الحركة الوطنية الفلسطينية بنظام شخصي لا يخضع للمساءلة».
وفي نهاية عملية السلام، يضيف أن عرفات «أدار السلطة كما لو كانت شركة خاصة»، وأنه «أقصى كل الأصوات المعارضة».
2. التفريط بالحقوق الأساسية
يعتبر سعيد أن عرفات قدّم تنازلات غير مبرّرة، أهمها إسقاط حق العودة من جدول المفاوضات، والاعتراف بإسرائيل دون اعتراف مماثل بالدولة الفلسطينية، والقبول بتجزئة الأرض، والقبول بمرحلة انتقالية بلا ضمانات، وتأجيل القضايا الجوهرية مثل القدس والحدود واللاجئين.
ويكتب سعيد: «لم يكن ما قُدّم في أوسلو سوى تنازل مجاني، بلا مقابل سياسي أو قانوني».
3. تجاهل الوقائع الاستعمارية
يؤكد سعيد أن عرفات تجاهل أخطر عنصر في الصراع: الاستيطان. ففي الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تفاوض، كانت تبني آلاف الوحدات الاستيطانية. ويكتب سعيد: «لم يفهم عرفات أن إسرائيل تفاوض وهي تبني الوقائع على الأرض».
4. غياب الكفاءة التفاوضية
يصف سعيد فريق عرفات بأنه «غير مؤهل»، وأنه «دخل المفاوضات بلا أوراق قوة». ويقول: «لم يكن لدى القيادة الفلسطينية أي استراتيجية تفاوضية، بل رغبة في الوصول إلى اتفاق بأي ثمن».
5. تهميش الشعب الفلسطيني
يرى سعيد أن عرفات فصل الشعب عن القرار السياسي، وأنه حوّل أوسلو إلى مشروع فوقي لا يعبّر عن الإرادة الوطنية. ويكتب: «لقد جرى توقيع الاتفاق باسم شعب لم يُستشر، ولم يُسمح له بأن يكون جزءاً من العملية».
القسم الثالث: تحليل بنيوي لاتفاقيات أوسلو
1. أوسلو كإدارة للاحتلال
يؤكد سعيد أن أوسلو لم تكن اتفاق سلام، بل «آلية لإدارة الاحتلال»، لأن إسرائيل احتفظت بالسيطرة الأمنية، وتضاعف الاستيطان بعد الاتفاق، وبقيت الأرض مجزأة، ولم تُمنح السيادة للفلسطينيين، وبقي الاقتصاد الفلسطيني تابعاً لإسرائيل. ويقول سعيد: «لقد أعطت أوسلو لإسرائيل ما لم تحلم به: احتلال بلا تكلفة».
2. اختلال القوة في بنية الاتفاق
يرى سعيد أن أوسلو قامت على «اختلال القوة»، وأنها تجاهلت القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ومبدأ المساواة بين الطرفين. ويعتبر أن عرفات «قبل باتفاق لا يملك أي عنصر من عناصر العدالة».
3. تحوّل منظمة التحرير إلى سلطة إدارية
يرى سعيد أن أوسلو حوّلت المنظمة من حركة تحرر إلى سلطة محدودة الصلاحيات، وأن هذا التحوّل كان «انهياراً في المشروع الوطني».
4. فشل القيادة في قراءة اللحظة التاريخية
يؤكد سعيد أن عرفات لم يدرك أن إسرائيل كانت تسعى إلى «سلام يضمن استمرار السيطرة»، وأنه لم يفهم طبيعة التحوّل في السياسة الأميركية بعد الحرب الباردة.
القسم الرابع: سعيد ومرحلة ما بعد أوسلو — نقدٌ للمسار السياسي الفلسطيني
1. انهيار الخطاب الوطني
يرى سعيد أن أوسلو شوّه الخطاب السياسي الفلسطيني، وأنه حوّله من خطاب حقوقي إلى خطاب إداري تقني، يركّز على «بناء المؤسسات» أكثر من تركيزه على التحرر الوطني.
2. تآكل الشرعية السياسية
يعتبر سعيد أن القيادة الفلسطينية فقدت شرعيتها لأنها لم تستشر الشعب، ولم تحافظ على الثوابت، ولم تحقق أي إنجاز ملموس، وأصبحت مرتبطة ببنية الاحتلال.
3. صعود السلطة مقابل تراجع المنظمة
يشير سعيد إلى أن السلطة الفلسطينية أصبحت «كياناً وظيفياً» مرتبطاً بالاحتلال، بينما تراجعت منظمة التحرير التي كانت تمثّل الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج.
4. تحوّل المقاومة إلى إدارة
يرى سعيد أن أوسلو حوّلت المقاومة من مشروع تحرر إلى مشروع إدارة، وأن السلطة أصبحت «تدير حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال» بدلاً من أن تقود مشروع التحرر.
القسم الخامس: نحو مشروع وطني بديل
1. إعادة بناء التمثيل السياسي
يدعو سعيد إلى إعادة بناء منظمة التحرير على أسس ديمقراطية، وإلى إنهاء «القيادة الفردية»، وإلى إشراك الشعب في القرار السياسي.
2. مقاومة الوقائع الاستعمارية
يشدد على ضرورة مواجهة الاستيطان، لأنه «جوهر المشروع الصهيوني»، ويرى أن أي مشروع وطني لا يواجه الاستيطان هو مشروع ناقص.
3. استعادة الخطاب الوطني
يرى سعيد أن المطلوب هو العودة إلى خطاب الحقوق والعدالة والقانون الدولي ووحدة الشعب.
4. إعادة تعريف السلام
يعتبر سعيد أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على إدارة الاحتلال، بل على إنهائه، وأن أي اتفاق لا يعالج جذور الصراع هو اتفاق هشّ محكوم بالفشل.
الخاتمة
يمثّل نقد إدوارد سعيد لاتفاقيات أوسلو أحد أهم القراءات الفكرية والسياسية في التاريخ الفلسطيني المعاصر. فهو يكشف عن خلل بنيوي في بنية التمثيل السياسي، وعن نتائج كارثية ترتّبت على قبول اتفاق لا يحقق الحدّ الأدنى من شروط العدالة. ومن خلال كتابيه، يتضح أن أوسلو لم تكن نهاية الصراع، بل بداية مرحلة جديدة من إعادة إنتاج السيطرة الاستعمارية بأدوات سياسية وقانونية جديدة.
إن قراءة سعيد لأوسلو ليست قراءة تاريخية فحسب، بل هي دعوة إلى إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني على أسس ديمقراطية، قانونية، ومقاوِمة للوقائع الاستعمارية المتحوّلة. وهي أيضاً دعوة إلى إعادة الاعتبار للخطاب الوطني، وللحقوق الأساسية، وللعدالة بوصفها الأساس الوحيد لأي سلام ممكن.

