الرأي العام

الدائرة الرقمية المغلقة في سوريا: كيف تضخّم المنصات خطاب الكراهية في مرحلة انتقالية هشّة

الكراهية ليست قدراً، بل نتيجة تفاعل بين بنية اجتماعية مجروحة، ومنصات رقمية مصممة لتعظيم التفاعل، وفاعلين يستثمرون في الانقسام

مرعي الرمضان – العربي القديم

لم يكن سقوط النظام السوري في 8 ديسمبر 2024 مجرد نهاية لمرحلة سياسية، بل شكّل لحظة انكشاف عميق لبنية اجتماعية وإعلامية ظلّت لعقود محكومة بمركزية الرواية الرسمية. ومع هذا الانهيار، وجد السوريون أنفسهم أمام فراغ مزدوج: فراغ في السلطة، وفراغ في إنتاج الحقيقة.

في هذه البيئة، لم تعد المشكلة في نقص المعلومات، بل في فائضها غير المنضبط. ومع غياب مؤسسات إعلامية مهنية قادرة على التحقق والتدقيق، تحوّلت المنصات الرقمية إلى المصدر الأول للأخبار، وإلى الفضاء الذي تتشكل فيه التصورات، وتُعاد فيه صياغة الهويات، وتُبنى فيه الانقسامات.

سرديات بلا مرجعية

خلال عامي 2025 و2026، وثّقت تقارير صادرة عن مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وهيومن رايتس ووتش تصاعداً ملحوظاً في خطاب الكراهية، لا سيما في فترات التوتر الميداني. كما تُظهر البيانات تلازماً زمنياً متكرراً بين موجات التحريض الرقمي واندلاع أحداث عنف، كما في أحداث الساحل في مارس 2025 وأحداث السويداء في يوليو من العام نفسه.

غير أن هذا التلازم — كما تؤكد الأدبيات المقارنة — لا يُفسَّر كعلاقة سببية مباشرة، بل يُعدّ مؤشراً على دخول سوريا مرحلة جديدة تتشابك فيها العوامل التقنية مع البنية الاجتماعية والنفسية.

وفي ضوء هذا التشابك، يمكن فهم ما نطلق عليه هنا «الدائرة المغلقة الرقمية» بوصفه نموذجاً تفسيرياً يشرح كيف تتفاعل الخوارزميات مع هشاشة البنية الاجتماعية في سوريا ما بعد الصراع، بحيث لا تكتفي بنقل خطاب الكراهية، بل تعمل على تضخيمه، وإعادة تدويره، وتسريع انتقاله من مستوى التعبير الفردي إلى مستوى التعبئة الجماعية.

تصاعد خطاب الكراهية — بين التوثيق والتحليل

تُظهر تقارير أممية وحقوقية أن أنماط خطاب الكراهية في سوريا بعد 2024 اتخذت أشكالاً واضحة:

  • نزع الأنسنة
  • الوصم الطائفي
  • الشيطنة الجماعية
  • التحريض على العنف
  • التعميمات العرقية
  • خطاب الانتقام

وتبرز هذه الأنماط بوضوح في المحتوى المتداول على تلغرام وفيسبوك، حيث تنتشر مصطلحات مهينة بحق السُّنّة والعلويين والدروز والأكراد، إضافة إلى استهداف النساء الناشطات.

ويشير تقرير هيومن رايتس ووتش لعام 2025 إلى أن المحتوى العاطفي السلبي ينتشر في سوريا بمعدل أعلى من المحتوى التوافقي، خصوصاً في فترات التوتر السياسي أو الأمني، ويُرجع التقرير ذلك إلى “غياب مؤسسات تحقق مستقلة، واعتماد الجمهور على مصادر غير موثوقة”.

كيف تعمل الخوارزميات؟ — تفكيك بلا مبالغة

الخوارزميات لا “تدفع” المستخدم نحو التطرف، لكنها تكافئ المحتوى الذي يحقق أعلى تفاعل. وقد أظهرت دراسة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (Vosoughi et al., 2018) أن المحتوى العاطفي والاستقطابي ينتشر أسرع من المحتوى العقلاني.

يظهر ذلك بوضوح عبر اختلاف بنية كل منصة:

  1. فيسبوك — غرفة صدى اجتماعية: يعزز المحتوى الذي يثير التعليقات داخل مجموعات محلية مغلقة. هذا ما يُعرف بغرف الصدى، وهي دوائر مغلقة يرى فيها المستخدم فقط ما يؤكد قناعاته.
  2. إكس “تويتر سابقا”— ساحة صراع سرديات: تتنافس فيه روايات سياسية وطائفية، وتدخل حسابات خارجية على الخط لتضخيم اتجاهات معينة.
  3. تيك توك — مضخّم الصدمة: يضخّم الفيديوهات القصيرة والصادمة، ما يجعل المحتوى العنيف ينتشر خلال دقائق.
  4. تلغرام — المنصة الأكثر خطورة: قنوات ضخمة، غياب شبه كامل للرقابة، وإعادة تدوير مستمر لمحتوى مفبرك أو منزوع من سياقه، وهو ما يخلق فقاعة تصفية يصعب الخروج منها.

لا تعمل الخوارزميات كمنتِج أولي للكراهية، بل كآلية تسريع وإعادة تدوير لها داخل فضاءات رقمية مغلقة.

لماذا تنجح الخوارزميات في سوريا تحديداً؟

هناك خمسة عوامل تجعل البيئة السورية عرضة للتضخيم الخوارزمي:

  • الفراغ الإعلامي: انهيار الإعلام الرسمي لم يترافق مع ظهور إعلام مستقل قادر على ملء الفراغ.
  • التروما الجماعية (الصدمة النفسية الجمعية): سنوات الحرب خلقت حساسية طائفية وذاكرة جريحة.
  • التنافس على الشرعية: القوى المحلية — السياسية والعسكرية والدينية — تتنافس على تعريف “الحقيقة”.
  • التدخل الخارجي: حسابات من دول مختلفة تضخّم الانقسامات لأسباب سياسية.
  • غياب آليات التحقق: لا توجد مؤسسات تحقق محلية، ولا أدوات مهنية لمواجهة الشائعات.

دراسة حالة موثقة — كيف اشتعلت أحداث الساحل 2025؟

وفق تقرير هيومن رايتس ووتش (2025)، بدأت الشرارة قبل ثلاثة أيام من الأحداث، حين انتشر على تلغرام مقطع مصوّر بتاريخ 12 مارس 2025 يظهر اعتداءً على مدنيين. وقد تحققت المنظمة من أن المقطع يعود في الأصل إلى عام 2017، لكنه أُعيد نشره على أنه “حدث اليوم”.

خلال ساعات، أُعيد نشر الفيديو على فيسبوك، ثم انتقل إلى إكس، حيث دخلت حسابات خارجية على الخط، مضخّمة الرواية ومقدمة تفسيرات طائفية جاهزة. في اليوم التالي، ظهرت منشورات تتضمن نزعاً للأنسنة بحق مجموعات محددة، وتحوّلت مجموعات محلية على فيسبوك إلى غرف صدى مغلقة يتفاعل فيها المستخدمون مع المحتوى الأكثر غضباً.

بعد أقل من 48 ساعة، ظهرت دعوات مباشرة للانتقام، وتزامن ذلك مع وقوع اعتداءات ميدانية وثّقتها منظمات حقوقية. هذا المثال — الموثق زمنياً ومصدرياً — يوضح كيف تنتقل الكراهية من محتوى رقمي إلى توتر ميداني.

تشغيل النموذج — كيف نقيس الدائرة المغلقة؟

لتحويل النموذج من إطار تفسيري إلى أداة تحليل، يمكن رصد كل مرحلة عبر مؤشرات رقمية:

المرحلةالمؤشرات الرقمية المقترحة
المدخلاتعدد الفيديوهات منزوعة السياق، عدد المنشورات التي تتضمن نزع أنسنة، تكرار ظهور كلمات مفتاحية تحريضية.
التضخيممعدل إعادة النشر، سرعة الانتشار، عدد القنوات أو الصفحات التي أعادت نشر المحتوى.
الاستقطابتكرار التفاعل داخل مجموعات مغلقة، انخفاض التفاعل مع المحتوى التوافقي، ارتفاع نسبة إعادة نشر المحتوى من مصادر أحادية الاتجاه.
التعبئةدعوات مباشرة للفعل، ربط المحتوى الرقمي بأحداث ميدانية، ظهور تهديدات أو تحريض صريح.

بهذه الطريقة يصبح النموذج قابلاً للقياس، وليس مجرد إطار نظري.

نقاط التدخل الممكنة ضمن الدائرة المغلقة

استناداً إلى هذا النموذج، لا يمكن التعامل مع خطاب الكراهية كظاهرة واحدة، بل كسلسلة مترابطة تتطلب تدخلات متعددة المستويات:

1-عند مستوى المدخلات: تقليل المواد المضللة عبر دعم وحدات تحقق مستقلة ورصد مبكر للمحتوى عالي الخطورة.

المفاضلة: خطر الانزلاق نحو الرقابة.

2-في مرحلة التضخيم: إبطاء الانتشار عبر تقليل الترويج الخوارزمي للمحتوى الاستقطابي.

المفاضلة: التأثير على حرية التعبير.

3-ضمن مرحلة الاستقطاب: كسر غرف الصدى عبر تعزيز التعرض لمحتوى متنوع.

المفاضلة: اتهامات بالتلاعب بالسرديات.

4-في نقطة التعبئة: رصد التحريض المباشر ومنع انتقاله إلى الفعل.

المفاضلة: صعوبة التمييز بين التعبير والتحريض.

5-عبر كل المراحل — تعزيز المرونة المجتمعية: دعم القيادات المحلية، الحوار، التربية الإعلامية.

الميزة: تدخل منخفض الكلفة سياسياً وأكثر استدامة.

من ينشر الكراهية؟ — تحليل الفاعلين

الفاعلون في المشهد الرقمي السوري شبكة معقدة تشمل:

  • فاعلين محليين: صفحات محلية، قنوات تلغرام، مجموعات واتساب، مؤثرين يبحثون عن نفوذ.
  • فاعلين خارجيين: حسابات خليجية وتركية وغربية، بعضها يعمل ضمن حملات منظمة.
  • فاعلين غير مرئيين: حسابات وهمية، روبوتات، شبكات تضليل.

تدفق المعلومات بين هؤلاء الفاعلين لا يحدث بشكل عشوائي، بل ضمن مسار شبه منتظم:

تلغرام (إطلاق) ← فيسبوك (تجميع) ← إكس (تضخيم) ← تيك توك (انتشار صادم)

الاقتصاد السياسي للمنصات — لماذا لا تتغير الخوارزميات؟

تعتمد المنصات الرقمية على اقتصاد الانتباه، حيث يتحول التفاعل — وخاصة الغضب — إلى مورد اقتصادي. فكلما زاد التفاعل، زادت مدة بقاء المستخدم، وبالتالي زادت الإيرادات الإعلانية.

غير أن فهم هذا النموذج لا يكتمل دون إدراك أن الخوارزميات لا تعمل في فراغ تقني محايد، بل ضمن بيئة سياسية وتنظيمية تسمح لها بالعمل بهذه الكفاءة وبهذا الأثر. فاستمرار تضخيم المحتوى المثير للانقسام لا يرتبط فقط بتصميم الخوارزمية، بل أيضاً بغياب إرادة سياسية دولية قادرة على فرض قيود تنظيمية حقيقية على سلوك الشركات التقنية في سياقات النزاع.

في هذا الإطار، لا يمكن التعويل على تغيير طوعي من قبل المنصات، إذ إن أي تعديل جوهري يقلل من التفاعل يعني بالضرورة تقليصاً في الأرباح. لذلك، فإن أي تحول فعلي في سلوك الخوارزميات يظل مشروطاً بوجود أدوات ضغط خارجية تشمل:

  • أطر تنظيمية دولية تُلزم المنصات بمعايير شفافية ومساءلة.
  • تشريعات عابرة للحدود تستهدف المحتوى التحريضي في مناطق النزاع.
  • آليات مساءلة قانونية تربط بين الإهمال الرقمي والآثار الميدانية.
  • ضغط سياسي وإعلامي يرفع كلفة تجاهل هذه القضايا.

وبغياب هذه الأدوات، تبقى الدعوات إلى “إبطاء الانتشار” أو “تقليل التضخيم” مطالب تقنية تصطدم مباشرة بالبنية الربحية للمنصات. ومن هذا المنظور، لا ينفصل تنظيم عمل المنصات عن مسارات العدالة الانتقالية، إذ إن تحويل الأثر الرقمي إلى مسؤولية قانونية قابلة للمساءلة يشكّل حلقة الربط الحاسمة بين الضغط السياسي وآليات الإنصاف القضائي.

المساءلة والجرائم الرقمية — الحلقة الغائبة في كسر الدائرة

إلى جانب هذه التدخلات، يبقى عامل حاسم غالباً ما يتم تجاهله: المساءلة على الجرائم الرقمية وتأخر مسارات العدالة الانتقالية. في سوريا، لا تتجلى المشكلة فقط في انتشار خطاب الكراهية، بل في غياب منظومة واضحة تجرّم:

  • التحريض الرقمي المرتبط بالعنف.
  • حملات التضليل المنظمة.
  • نشر المحتوى المفبرك بقصد التعبئة.

هذا الفراغ القانوني يخلق بيئة منخفضة الكلفة، حيث يمكن للفاعلين إنتاج خطاب الكراهية أو المشاركة في حملات رقمية تؤدي إلى نتائج ميدانية دون تحمّل تبعات واضحة.

البعد القانوني الدولي: من المحتوى إلى الدليل

في السياقات الانتقالية، يمكن أن تتحول البيانات الرقمية إلى أدلة قانونية قابلة للاستخدام في التحقيقات الدولية ضمن إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان. تشمل هذه الأدلة:

  • الفيديوهات الموثقة زمنياً.
  • بيانات النشر وسجلات التفاعل.
  • أنماط التنسيق بين الحسابات.

التحدي السوري:

رغم ذلك، تواجه المساءلة الرقمية في سوريا تحديات معقدة: ضعف المؤسسات القضائية، غياب تشريعات واضحة، وصعوبة الربط القانوني بين المحتوى الرقمي والفعل الميداني.

المفارقة البنيوية: كلما تأخرت العدالة الانتقالية، بقي الفضاء الرقمي بلا محاسبة، وكلما غابت المحاسبة، ازدادت فعالية الخوارزميات في تضخيم الكراهية.

أين تقاوم المجتمعات الكراهية؟ — بُعد المرونة المجتمعية

ليس كل المجتمع السوري يستجيب بالطريقة نفسها. تُظهر الملاحظات الميدانية أن درجة التأثر بموجات التحريض الرقمي تختلف تبعاً لطبيعة التكوين الاجتماعي المحلي، حيث تميل بعض البيئات إلى امتصاص هذا التحريض أكثر من غيرها.

ولا يُقصد هنا “مناطق” بالمعنى الجغرافي فقط، بل أنماطاً اجتماعية يمكن رصدها في أكثر من سياق، من أبرزها:

  • مجتمعات ذات قيادة محلية وسيطة
    حيث تلعب شخصيات مجتمعية أو دينية أو مدنية دوراً في تهدئة التوتر ومنع تصاعد الخطاب التحريضي.
  • مجتمعات ذات ترابط اجتماعي كثيف
    تعتمد على شبكات قرابة أو علاقات يومية متداخلة تقلّل من قابلية الانقسام الحاد.
  • مجتمعات تمتلك خبرة سابقة في إدارة النزاعات المحلية
    سواء عبر صلح عشائري أو مبادرات مجتمعية، ما يمنحها أدوات غير رسمية لاحتواء التصعيد.
  • مجتمعات نشطة مدنياً
    حيث توجد مبادرات محلية أو منظمات مجتمع مدني تعمل على نشر خطاب بديل أو التحقق من المعلومات.
  • مجتمعات ذات ذاكرة جماعية رافضة للعنف الداخلي
    نتيجة تجارب سابقة جعلت تكلفة الاقتتال الداخلي واضحة ومرفوضة اجتماعياً.

وفي المقابل، تكون المجتمعات الأكثر هشاشة هي تلك التي:

  • تعاني من تفكك اجتماعي
  • أو غياب وسطاء محليين
  • أو اعتماد كامل على مصادر معلومات رقمية غير موثوقة

هذا التمايز يفسر لماذا لا تتحول كل موجة تحريض رقمي إلى عنف فعلي، بل يعتمد ذلك على قدرة المجتمع المحلي على “امتصاص الصدمة الرقمية” وإعادة تفسيرها ضمن سياقه الاجتماعي.

نحو فهم جديد لدور الخوارزميات في سوريا

ما يتشكّل على الشاشات ليس انعكاساً محايداً للواقع، بل نتيجة لآليات ترتيب خوارزمية تبرز ما يثير التفاعل وتُهمّش ما يدعو إلى التهدئة. وفي سوريا ما بعد 2024، حيث هشاشة المؤسسات وعمق الجراح، يصبح فهم هذه الدائرة شرطاً ضرورياً لحماية السلم الأهلي.

الكراهية ليست قدراً، بل نتيجة تفاعل بين بنية اجتماعية مجروحة، ومنصات رقمية مصممة لتعظيم التفاعل، وفاعلين يستثمرون في الانقسام. وكسر هذه الدائرة يبدأ بالوعي، وبإعادة بناء الثقة، وبخلق مساحات رقمية لا تُدار بالغضب وحده.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى