الدولة -2 | الأمن: مخاوف… أم هواجس؟
القوى الأمنية والعسكرية هي الكيان الوحيد الذي كان قادراً على الإفلات من الدساتير والقوانين وتطويعها بما يتناسب مع مصالحها

مصعب الجندي – العربي القديم
أحلام السوريين وشطحاتهم مُشبعة بعشق للمدينة الفاضلة، لكنها سوريا والسوريون الذين أُصدم بهم مع كل قراءة لواقعهم، بكل ما يحمل من مصائب في تشكيلاته وتفاصيله التي لا ألقيها على النظام السابق فقط، وإن كان هو من تسيّد صناعتها، هو واقع يمثل تاريخاً من التراكمات تصاعدية الإجرام، الذي جعلني أكره كلمة (منذ) لأنها تحمل في طياتها الضياع.
اقـــــــــــرأ أيــــــــضاً:
مؤامرت الداخل والخارج!
أقسى التَخيّلات والخيالات وأكثرها إرهاقاً وأرقاً، لأنها الفخ أو (جبَّ السقوط) لكلّ ما نأمل أن يكون عليه مستقبلنا هو هاجس الأمن، وما استتبع ذلك من اختلال الثقة بين السوريين، والمتوارث جيلاً بعد جيل، واختصّت به حتى الأمس القريب بنية السلطات المتعاقبة للحفاظ على موقعها وليس أمن البلد، حيث عملت على استخدامه فزاعة للناس الذين عاشوا يومهم بالمؤامرات المحيطة من الخارج والداخل وقد أجاد حافظ الأسد استخدام هذه الفزاعة بإضافات وتقنين (إن لم نكن نحن فالخراب والجوع). بعد سقوط النظام سقطت المحرمات ومنها التفكير أو أداء كيفية الحفاظ على الأمن (السيادة)، وإعادة الثقة بين السوريين كهاجس يشمل المجتمع بجميع أطيافه وفئاته. وقد أخطأت خطأً مقصوداً حين لم أبدأ ملاحظاتي حول (الدولة)، بهاجسي الأمن وبناء الثقة، لأنهما محور السيادة. والآن (مع الإصرار على كلمة الآن)، تحديداً، تُمثلان نقطة التوازن فيما نسميه (اليوم التالي). تعمدت ذلك لصعوبة الخوض فيه، ولما قد يترتب على ذلك من سوء تفسير من بعض القراء، لأنني أعتبره جزءاً من البناء التنظيمي للدولة الذي يجب أن يبقى مركزياً بما يشمل جميع التشكيلات العسكرية والأمنية السابقة والمُدمجة في التشكيل اللاحق (أنا من دعاة اللامركزية) في المدى المنظور على الأقل، ويحقق وحدة القيادة والسيطرة مع انسيابية مرنة باتخاذ القرار… السؤال هو: كيف؟
جذر المخاوف!
بلد يعيش فيه على الأقل ثمانية عشر مليوناً بعد حذف عدد النازحين ومن يعملون خارجه، ويمتلكون على الأقل ثلاثة ملايين بندقية وسلاح ناري يُصنف حربياً (الرقم هنا تخمين بالاستناد إلى سنين الصراع)، أي ربع السكان، بمعنى حوالي ثلث البالغين مسلحون ومن جميع الأجناس والأطياف. وإن كنّا متفائلين جداً، قد يكون نصف هذا الثلث قابلاً للخضوع لأنظمة وقوانين بعيداً عن الحاجة إلى القمع والقسر، وشتّان الحديث عن النصف الآخر. المجموع (الناري) السابق خارج إطار الشرعية المؤسساتية (جيش وأمن) ومع قليل من الصدق والشجاعة، جزءٌ مما هو تحت يافطة (الدولة) يظل في الواقع خاضعاً للتراتب العسكري بشكل رخو وهش بصيغة أو أخرى.
هذا الواقعٌ هو جذر المخاوف، ومن المستحيل نفيه أو تجاوزه، وهنا قمة النفاق تكمن في إعلاء فرضيات الأخلاق والإنسانية، لأن التاريخ السوري المعاش يشهد على سقوط وانهيار فترات متفرقة بسبب فرضيات الأخلاق هذه، كاد السوريون خلالها أن يتخلصوا من مآزقهم بالنوايا الطيبة ليكتشفوا أنهم خُدعوا وخَدعوا أنفسهم… وكم تكرر الأمر حين كانت الثقة تنام مطمئنة لنستيقظ في يوم ما (انقلاب ما) على كابوس موحش وقد جحدنا بأهلها ومكانها. خديعة كنّا نغذيها بأيدينا ونوايانا (ظاهرها وباطنها)، كأننا غرباء عن بعضنا وعن أرضنا، رغم ادّعائنا الانتماء العميق إليها.
واقع التجارب السابقة هو أن القوى الأمنية والعسكرية هي الكيان الوحيد الذي كان قادراً على الإفلات من الدساتير والقوانين وتطويعها بما يتناسب مع مصالحها، ولم تعد النيات الطيبة تصلح، ولا السيئة، ولا يفلح الحوار هنا لأن المتحاورين حتى اللحظة في حالة خلل التوازن مع سقوط دساتير الخوف. قد يكون الحلّ (رأي ليس أكثر والآراء مطلوبة هنا) هو الانتقال من الخبث إلى الدهاء….! بالاعتماد على البنية الاجتماعية السورية التي تحملت القسط الأكبر بلا منازع من جرائم الاستبداد، رغم أنها تعاني أيضاً من نفس الخلل في التوازن باستثناء خلّوه من الخوف الكياني والوجودي. وهي الفئة التي يقع على عاتقها ومسؤوليتها الاستعادة الكاملة لسوريا (الدولة/الوطن/الإنسان)، والشرط اللازم لتكون السلطة الحالية شريكاً أصيلاً في هذا المسار يتمحور في الدفع باتجاه (القوننة والدّسترة) بصيغ صارمة، بشكل يحيد جميع العقائد والإيديولوجيات، ويسيطر على الفعل والعقل والنيات: الدستور والقانون.
لا يخطئ أحد بافتراضي النية الطيبة لدى السلطة، لأن بنائها الرئيسي ما يزال عسكرياً، والتوجهات مع التصرفات البادية للعيان لدى أغلب قياداتها المدنية والعسكرية هي الاستئثار وليس الإيثار، خلاصة القول هنا: تحقيق المصالح، مصلحة السلطة ومؤيديها والمعارضين والكارهين حين يتخلص الجميع من إرث هاجس الأمن وفزّاعاته، باتجاه بلورة مسار عودة الثقة بين كل المكونات.
توضيح أخير:
إعادة الثقة قبل إعادة المؤسسات مقولة درجت بين العديد من المثقفين والسياسيين وتمظهرت بالدعوات المستفيضة للحوار والمكاشفة الشجاعة بين السوريين، لا شك هو أمرٌ ضروري وفي جميع مراحل إعادة البناء، على أن تتمحور البداية حول المؤسسات لأنها البنية المادية الملموسة التي تتركز فيها الثقة، ثقة الناس بالجهاز المؤتمن على حياتهم.
……………………….. وللحديث بقية.