تاريخ العرب

أبو الجغرافيا العربية المعاصرة: جمال حمدان.. الزاهد في المناصب وصاحب الإرث الفكري المدهش

من يكون جمال حمدان؟ وكيف عاش؟ وماذا ترك خلفه من إرث أدبي وعلمي زاخر؟ وما قصة رحيله الغامض محترقاً في شقته بمنطقة "الدقي"؟

عادل العوفي – العربي القديم

في مثل هذه الأيام قبل 23 عاما فجعت مصر والعالم العربي بخبر رحيل “أبو الجغرافيا العربية المعاصرة” الدكتور جمال حمدان في ظروف غامضة؛ ومن المؤكد – في وجهة نظر بعضهم – أن الحادث يندرج ضمن الخانة إياها التي تستهدف العقول والعلماء العرب وتسجل في الغالب “ضد مجهول”!

 مرور هذه السنوات لن يثنينا عن المضي في النبش بمسار هذا النابغة الذي اعتزل الدنيا متفرغا للعلم والتأليف، ليثري المكتبة العلمية العربية بكنوز ونفائس لا تقدر بثمن، نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إعادة إحيائها وطرحها أمام الاجيال الجديدة لإنصاف هذا الرجل الفذ الوفي لمبادئه، الصامد أمام كل المغريات، واضعا نصب عينيه هدفا نبيلا يتوق لبلوغه، ومعه انتشال الأمة بأسرها من وحل الجهل، والعجز عن قراءة تاريخها بالشكل الأمثل والصائب؛ فمن يكون جمال حمدان؟ وكيف عاش؟ وماذا ترك خلفه من إرث أدبي وعلمي زاخر؟ وما قصة رحيله الغامض محترقاً في شقته بمنطقة “الدقي”؟

النشأة وبوادر النبوغ

أبصر جمال محمود صالح حمدان النور في  قرية تدعى “تاي”  بمحافظة القليوبية سنة  1928 ؛ أشرف  والده وهو مدرس للغة العربية بشكل شخصي على تدريسه مع أشقائه السبعة، وحرص على تحفيظهم القرآن الكريم وتجويده منذ نعومة أظافره. أظهر جمال اهتماماً وحباً غير طبيعي بالكتب، ليتنافس رفقة شقيقه محمد على شرائها وقراءتها؛ وقد انعكس ذلك على نتائجه الدراسية المبهرة أيضا منذ مدرسة “شبرا الابتدائية ” ليصنف السادس في الترتيب بكل تراب الجمهورية.

واصل دراسته الثانوية بالمدرسة التوفيقية سنة 1943 والملفت أنه أظهر حينها قدرات مميزة في مجال كرة القدم، وكان المراقبون يتوقعون له مستقبلا لامعا اذا واصل واحترف اللعب؛ لكن نداء العلم كان أقوى على ما يبدو حيث التحق بكلية الآداب قسم الجغرافيا بجامعة فؤاد الاول بالعاصمة القاهرة وتخرج منها سنة 1947 ؛ لاحظ المشرفون على الجامعة جده واجتهاده وتفوقه الواضح ليتم ارساله في بعثة إلى جامعة ريدنج البريطانية بعد سنتين من تخرجه اي سنة 1949 ؛ ليحصل منها على درجة الدكتوراه في فلسفة الجغرافيا سنة 1953 عن رسالة حملت عنوان ” سكان وسط الدلتا قديما وحديثا ” ؛ كل هذا ولم يتجاوز جمال حمدان الخامسة والعشرين من عمره بعد .

الصدام الاول

بعد هذا المسار الاكاديمي التعليمي المميز كان من المنطقي ان تفتح المؤسسات ومناصبها ابوابها مشرعة للنهل من مؤهلاته الملفتة ليعين بالفعل بعد عودته لأرض المحروسة مدرسا في جامعة القاهرة وتحديدا بقسم الجغرافيا؛ وبعدها أصبح أستاذا مساعدا؛ لكن هذا التدرج الجامعي لم يعمر طويلا اذ سرعان ما أحس بالظلم بسبب سياسة المحاباة والمجاملات التي كان يقف ضدها حازما جازما؛ ورغم إصرار إدارة الجامعة على رفض استقالته التي ظلت معلقة لسنتين الا انه كان ملحا ومتمسكا برأيه وقرراه وذلك ما افصح عنه لاحقا في احد اهم كتبه ونقصد بها “شخصية مصر ..دراسة في عبقرية المكان ” حين أشار واضعا الاصبع على الجرح  “واحد من أخطر عيوب مصر هي أنها تسمح للرجل العادي المتوسط، بل للرجل الصغير بأكثر مما ينبغي، وتفسح له مكاناً أكبر مما يستحق.. فشرط النجاح والبقاء في مصر أن تكون اتّباعيّاً لا ابتداعيّاً، تابعاً لا رائداً، محافظاً لا ثوريّاً، تقليديّاً لا مخالفاً، وموالياً لا معارضاً.. وهكذا بينما تتكاثر الأقزام على رأسها ويقفزون على كتفها، تتعثر أقدامها في العمالقة وقد تطؤهم وطئاً “.

الانزواء بعيداً عن الأعين

لم يتأخر جمال حمدان في رسم معالم طريقه الجديدة، إذ سرعان ما قرر الانزواء بعيدا عن الاعين في شقته المتواضعة المكونة من غرفة واحدة وصالة بالدور الأرضي بالعقار 25 الكائن بشارع امين الرافعي المتفرع من شارع هارون بمنطقة الدقي في القاهرة؛ ليتفرغ للتأليف والبحث العلمي حيث أصدر وطرح 79  بحثاً ومقالة و ألف 29 مؤلفاً نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: “دراسات في العالم العربي” القاهرة، 1958 و”أنماط من البيئات” القاهرة، 1958 ودراسة  “في جغرافيا المدن”  القاهرة، 1958 و”المدينة العربية”  القاهرة، 1964  “بترول العرب” القاهرة، 1964 و”الاستعمار والتحرير في العالم العربي”  القاهرة، 1964  “واليهود أنثروبولوجياً “كتاب الهلال، 1967 و”استراتيجية الاستعمار والتحرير” القاهرة، 1968 ومقدمة كتاب القاهرة لــ ديزموند ستيوارت، ترجمة يحيى حقي، 1969 و”العالم الإسلامي المعاصر” القاهرة 1971 و”بين أوروبا وآسيا ”  دراسة في النظائر الجغرافية، القاهرة، 1972 و”الجمهورية العربية الليبي ” دراسة “في الجغرافيا السياسية” القاهرة، 1973  “و6 أكتوبر  في الاستراتيجية العالمية”  القاهرة، 1974 و “قناة السويس” القاهرة،  1975 و”إفريقيا الجديدة “القاهرة،  1975 و “موسوعة شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان 4 أجزاء”  القاهرة، 1975 – 1984 التي تبقى هي الاكثر انتشارًا واوسع شعبية حيث طرح تفسيرا مختلفا وجديدا للتاريخ المصري مستعينا بالتحليل الجغرافي ؛ حيث عكف على العمل عليها لأكثر من عشر سنوات لذلك جاءت غنية ومكتنزة بالعبر والوقائع المغيبة في بطون التاريخ وقد بلغ عدد صفحاتها 4000 صفحة وتطلبت منه مجهودا خرافيا ورقما مهولا من المصادر ؛ والدليل انه اعتمد في المجلد الرابع منها فقط على 245 مرجعا باللغة العربية و 791 اخر باللغة الانجليزية دون احتساب العشرات من المقالات التي استند اليها ايضا .

ومن المعروف أنه اصدر الكتاب في نسخته الاولى سنة 1967، قبل أن يطرحه في أربع مجلدات لاحقاً؛ دون إغفال الأثر المدوي الذي أحدثه كتابه الآخر “اليهود أنثروبولوجيا” وأثبت عبره ان يهود اسرائيل ليسوا احفاد يهود فلسطين وكنعان  بل هم في معظمهم ينتمون الى الامبراطورية “الخزر التترية” التي قامت بين “بحر قزوين” و”البحر الأسود” والذين اعتنقوا اليهودية في القرن الثامن الميلادي؛ وهو نفس التوجه الذي سار عليه وتبناه لاحقا “آرثر بونيسلر” صاحب كتاب ” القبيلة الثالثة عشر” الذي صدر عام 1976 .

جمال حمدان الزاهد

رفض جمال حمدان عروضا مغرية لتبوّء مناصب رفيعة المستوى على غرار تمثيل مصر في إحدى اللجان الهامة بالأمم المتحدة، ورئاسة جامعة الكويت، وإنشاء وتولي إدارة وزارة التعليم العالي بليبيا، وعضوية هيئة اليونسكو، وعضوية مجمع اللغة العربية؛ واعتذر عنها جميعا مفضلا الاعتكاف في شقته بالدقي حيث من المعروف عنه أنه  لا يلتقي إلا بالبواب المشرف على طلبات المنزل وأمور المعيشة، وبناشر كتبه الذي يحضر بين الفينة والأخرى؛ زاهدا في امتلاك السيارة وجهاز التلفزيون و لا حتى  ثلاجة في المنزل؛  حيث يقضي وقته في البحث والدراسة.

 ومن القصص الأخرى التي تكشف الجانب الاخر في شخصية هذا المفكر الكبير هي الواقعة التي جمعته بصديقه الكاتب والصحفي المعروف أحمد بهاء الدين الذي استغرب كيف لعبقري من هذا الطراز ان يحيا حياة بسيطة ومتواضعة جدا كهذه لذلك بادر بحسن نية لوضع طلب لدى الدولة لتخصيص معاش استثنائي له يساعد على تدبير امور الحياة ؛ وذلك ما اجج غضب جمال حمدان حين سمع بالخطوة واحدثت تلك الخطوة قطيعة تامة بين الطرفين لغاية رحيله.

حيث يدرك المقربون منه انه شخص يملك عزة نفس وكبرياء عالي؛ وسبق ورفض كذلك عرضا  مغريا من الصحفي محمد حسنين هيكل للكتابة في صحيفة “الأهرام “، كما  وحصد جوائز مرموقة على غرار جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية سنة 1959،  وجائزة  الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية عام 1986 لكنه رفض تسلمها، كما نال وسام الجمهورية من الطبقة الأولى عن كتابه “شخصية مصر” عام 1988، أما جائزة التقدم العلمي من الكويت عام 1992 وكانت قيمتها 12500 دينار كويتي، فقد وزعها على معارفه.

وعلى الرغم من مشاغله البحثية والعلمية كان جمال حمدان يخصص بعض الوقت لهواياته الاخرى مثل الخط والرسم وكتابة الشعر ايضا ؛ كما وكان متذوقا للموسيقى والغناء.

رؤى بعيدة النظر

تميزت أعمال حمدان برؤية استشرافية فريدة من نوعها وتعد مرجعا جديرا بالقراءة والاستفادة مهما مرت السنوات، حيث كان اول من توقع انهيار الاتحاد السوفيتي من خلال كتابه “استراتيجية الاستعمار والتحرير” الصادر سنة 1968. بالتمعن في كتاباته سنجدها اليوم أبلغ وصف لما نعيشه في الظرف الراهن، على غرار مقولته المعبرة عن بلده مصر حي وصفها “بأول أمة في التاريخ إلى أول دولة، إلى أول إمبراطورية، الى أطول مُستَعْمَرة في التاريخ” رافضا تنازلها عن مكانتها ودورها الريادي؛ وعن الزراعة مثلا عبر عن خوفه الشديد من تراجع مساحتها التي تعني شريان الحياة للبلد مؤكدا انها ستصبح “مقبرة بحجم الدولة، ولا تصلح بطبيعتها للرأسمالية المسعورة الجامحة الجانحة. الرأسمالية الهوجاء مقتل مصر الطبيعية”.

ونقرأ في فصل اخر كلاما يسلط الضوء على الحاضر كأنه كتب في الظرف الراهن ” مصر تهرب من المستقبل الأسود، بل من الحاضر البشع الى الماضي التليد، لأول مرة في التاريخ يتغير مكان مصر في العالم ومكانتها الى الأسفل فتجد نفسها لأول مرة في وضع من العالم لم يسبق من قبل وهو أنها كيان منكمش في عالم متمدد، أنها كيان متقلص في عالم متوسّع  ” .

الرحيل المأساوي

في يوم السابع عشر من ابريل /نيسان سنة 1993 استيقظ أهل المحروسة ومعهم عموم العرب على خبر رحيل الدكتور جمال حمدان عن سن يناهز 65 عاما اثر اندلاع حريق نتج عن تسرب الغاز من اسطوانة الموقد في شقته بالدقي، وقيل إنه تم العثور على جثته وقد احترق نصفها السفلي، لكن أغلب المنابر الاعلامية المصرية رجحت بعد التحقيقات عن وجود “أياد خفية” وراء الحادث على غرار العنوان العريض الذي نشرته صحيفة (الوفد) الذي جاء كما يلي: “جمال حمدان الطائر الاسطوري الذي قتله الموساد” وحتى الأطباء المتخصصين أجمعوا على أن الفقيد لم يمت مختنقا والحروق ليست سببا في وفاته، ولم تصل لتلك الدرجة أساساً، مع العلم ان هذه الفرضيات لم تأتِ من فراغ، حيث أبلغ عن اختفاء مسودات بعض الكتب التي كان بصدد الانتهاء منها على رأسها كتاب بعنوان “اليهودية والصهيونية” قيل أنها كانت تصل الى 1000 ورقة لم يتم العثور عليها بين مكتبته وأوراقه الاخرى التي ظلت كما هي ولم تتضرر البتة.

جدير بالذكر أن شقيقه اللواء عبد العظيم حمدان ومعه ناشر الكتب الذي اعتاد الدكتور جمال التعامل معه أكدوا صحة هذه المعلومة، وأن المخطوطات الجديدة السالفة الذكر اختفت كليا بين اغراضه ومعها كتابين آخرين أيضا.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى