الرأي العام

قراءة في منهج التعيينات المالية والدبلوماسية الجديدة في سوريا

في العرف السياسي المعاصر غالباً ما تُستخدم التعيينات الدبلوماسية الخارجية كوسيلة ناعمة ومحترمة لإزاحة المسؤولين الكبار من مراكز القرار الداخلي الحساسة دون الدخول في صدام علني.

نوار الماغوط – العربي القديم

‎في ذروة مرحلة انتقالية سياسية واقتصادية بالغة الحساسية والتعقيد بعد حكم البعث، جاء المرسوم الرئاسي الأخير الذي أصدره رئيس الحكومة الانتقالية، أحمد الشرع، ليزيح عبد القادر حصرية من حاكمية مصرف سوريا المركزي ويُعيّن محمد صفوت عبد الحميد رسلان خلفاً له، بالتوازي مع نقل حصرية إلى السلك الدبلوماسي بصفة سفير سوري لدى كندا. هذه الخطوة لا يمكن اعتبارها إجراء إداري روتيني أو تدوير تقليدي للمناصب، لان لها، تداعياتها على الأسواق المحلية والثقة الاستثمارية.

الاستقرار المؤسسي للاقتصاد السوري

تتمحور المبررات الرسمية والموضوعية وراء اختيار محمد صفوت رسلان في قيادة السلطة النقدية حول خلفيته المهنية والأكاديمية الممتدة. فالرجل يحمل تجربة مصرفية عملية تزيد عن عشرين عاماً في مصارف أوروبية وغربية رائدة كـ Deutsche Bank وTARGOBANK، فضلاً عن حمله للجنسية الألمانية وإدارته السابقة لـ “صندوق التنمية السوري”. ومن المنظور الاستراتيجي، تبعث دمشق عبر هذا التعيين برسالة واضحة إلى الأسواق العالمية والمؤسسات المالية الدولية، مفادها أن سوريا تبحث عن “تكنوقراط” يتقنون لغة المال الحديثة والمعايير المصرفية الغربية. إن وجود شخصية على رأس المركزي تفهم آليات الامتثال، وحوكمة المخاطر الائتمانية، وهيكلة هيئات مكافحة غسل الأموال، يعد مطلباً أساسياً لتسهيل فك الحظر، وإعادة تنشيط أنظمة المراسلات والتحويلات المالية العابرة للحدود التي عُطّلت لسنوات. كما يهدف القرار إلى مواءمة السياسة النقدية مع متطلبات التنمية وإعادة الإعمار عبر ربط وثيق بين المصرف المركزي والمشاريع الحيوية للبنية التحتية.

‎رغم المنطق البراغماتي الذي يسوقه المدافعون عن القرار، فإن التوقيت الذي اتُّخذ فيه يطرح علامات استفهام كبرى حول الاستقرار المؤسسي للاقتصاد السوري. تأتي الإطاحة بعبد القادر حصرية في وقت يخوض فيه المصرف المركزي أحد أعقد وأخطر المشاريع النقدية في تاريخ البلاد، وهو مشروع استبدال العملة وإصدار الليرة السورية الجديدة والتخلص من الأصفار. إن تغيير قبطان السفينة النقدية في منتصف العاصفة وأثناء التحضير لإصدار ست فئات نقدية جديدة يُعطي إشارات سلبية ومقلقة للأسواق المحلية والتجار. في بيئة اقتصادية تعاني أساساً من التضخم المفرط وتآكل القوة الشرائية.

‎ تغيير الحاكم فجأة قد يُفسر على أنه اعتراف ضمني بالفشل أو بوجود خلافات عميقة في الرؤى الاقتصادية داخل أروقة الحكم، مما يدفع الفعاليات التجارية نحو التحوط المفرط، وربما يتسبب في قفزات جديدة للأسعار أو لجوء أكبر للعملات الأجنبية كالملاذات الآمنة.

‎يمتد هذا التوجس ليطال المستثمرين ورأس المال المغترب؛ إذ يبحث رأس المال دائماً عن بيئة تشريعية وتنفيذية يمكن التنبؤ بها. التغييرات السريعة والمفاجئة في قيادة المركزي تعطي انطباعاً بأن القرارات تصدر كردود أفعال متسارعة وليس بناءً على استراتيجيات بعيدة المدى. هذا التذبذب الإداري قد يفرمل اندفاعة الشركات ورجال الأعمال المغتربين الذين كانوا يترقبون استقرار القوانين والآليات المصرفية لبدء ضخ ودائعهم واستثماراتهم في الداخل السوري. لكن المفارقة الثانية التي أثارت الجدل  في الشارع السوري  تمثلت في المرسوم الموازي الذي قضى بتعيين الحاكم المغادر، عبد القادر حصرية، سفيراً للجمهورية العربية السورية لدى كندا .

التعيينات الخارجية كإزاحة من الداخل!

‎في العرف السياسي المعاصر، غالباً ما تُستخدم التعيينات الدبلوماسية الخارجية كوسيلة ناعمة ومحترمة لإزاحة المسؤولين الكبار من مراكز القرار الداخلي الحساسة دون الدخول في صدام علني أو إظهار شروخ في جسد السلطة. نقل حصرية إلى كندا يضمن خروجه الكامل من كواليس القرار المالي بدمشق، مع تغليف هذا الإبعاد بطابع المكافأة الدبلوماسية. كما يعيد هذا الإجراء تكريس الانطباع القديم بأن التعيينات في المناصب العليا لا تخضع دوماً لمعايير التخصص الصارمة؛ فنقل تكنوقراط مالي من رأس الهرم النقدي إلى قطاع دبلوماسي يعكس تقديم التوازنات الإدارية والأمنية خلف الكواليس على حساب الاستفادة الحقيقية من الخبرات المتوفرة في وقت تحتاج فيه البلاد لكل عقل اقتصادي قادر على الإنقاذ.

تركة ثقيلة وحقل ألغام

يواجه الحاكم الجديد، محمد صفوت رسلان، تركة ثقيلة وحقلاً من الألغام النقدية والمالية. إن نجاحه في تحقيق الأهداف النظرية التي عُيّن من أجلها لا يتوقف على سيرته الذاتية الغنية، بل يرتبط بقدرته على معالجة ملفات بالغة التعقيد، على رأسها تنظيم فترات التعايش بين الفئات النقدية القديمة والجديدة دون التسبب في هلع نقدي، وسحب الكتلة التالفة . يضاف إلى ذلك تحديات التحول الرقمي وحوكمة حركة الأموال وتطوير بنية الدفع الإلكتروني الضعيفة في البلاد لتسهيل المعاملات اليومية للمواطنين، فضلاً عن بناء جسور الشفافية لإقناع البنوك العالمية والمؤسسات الدولية بجدية خطط الامتثال المحلية لإعادة تفعيل الحوالات العابرة للحدود وجذب التمويل الخارجي.

‎إن المحك الحقيقي لرسلان يتمثل في مدى استقلالية قرار المصرف المركزي عن الضغوط السياسية والمالية المباشرة. فما لم تترافق خططه لتطوير القطاع المصرفي مع إصلاحات تشريعية وقانونية شاملة تحمي الملكية الخاصة وتضمن سيادة القانون، فإن خبراته الأوروبية ستبقى عاجزة عن إحداث التغيير البنيوي المطلوب، وستتحول وعود الإصلاح النقدي إلى مجرد مسكنات مؤقتة في مشهد اقتصادي منهك. يختزل التغيير الأخير المعضلة المستمرة التي تواجهها الإدارة السياسية في سوريا: الصراع الدائم بين الرغبة في الانفتاح التكنوقراطي على العالم لجلب الرساميل، وبين الآليات التقليدية القائمة على التوازنات وإبعاد الشخوص المؤثرة عند حدوث أي خلل. لقد قدمت الحكومة وجهاً مالياً جديداً يمتلك أدوات العصر، لكنها في الوقت ذاته خاطرت بزعزعة ثقة السوق في توقيت نقدي حرج، وكرست مفارقات إدارية هزلية عبر تعييناتها الدبلوماسية. يبقى الشارع السوري والمستثمرون في حالة ترقب، منتظرين ما ستؤول إليه خطوات “الليرة الجديدة”، وهل سينجح التكنوقراط القادم من الغرب في ترميم ما هدمته سنوات الأزمة، أم أن الهياكل المتصدعة أكبر من أن تُصلحها تغييرات الوجوه؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى