سير ذاتية ومذكرات

نصوص من الذاكرة: مَيِّة المَوْلِد

مهرجان احتفالي يحضره الكبير والصغير، أمهاتنا وعماتنا وحباباتنا وقريباتنا اللواتي بالكاد يلحظ أياً منهن في الأوضة إلا ما ندر يحضرن ليَْلة المَوْلد

صالح الحاج صالح – العربي القديم

مِنْ زمان وعلى حدود الذّاكرة، كانت التواريخ والأيام لا تعني لنا شيئ مالم تكن مرتبطة ًبحدثٍ ينطبع بالذاكرة، يحفر بها عميقاً ولا يُمحى مهما مرّت الأيام والسنين.. عرسٌ لقريب أو جار ويوم عيد الأضحى والفطر، أمّا إحياء ليلة المَوْلد النّبوي فلها أميز مكانٍ بالذاكرة. هي المناسبة الوحيدة التي نتحسّر عليها، ونحزن على انصرافها فور انتهائها.. نَنْتظرهُا من سنةٍ لأُخرى.  نَحْسِب الأَشهروالأسابيع والأيام متى يهلَّ هِلالَ شهرربيع الأول.

وعندما يَهِلّ الهلال، ونرى قوسه الفضيَّ في حُمرة الغَسق جهة الغرب نبدأ بِطي أصابعنا إصبعاً إصبع عند كل مساء، وننقصها عدّا بدايةً من الرقم اثنتا عشر.

صديقنا أحمد له قدرة على تحريك أُذنيه، وطيّهما بمجرد أنْ يضغط قليلاً بطرف اصبعه على الغضروف الخارجي لأُذنه. براعته هذه مَثارَ حَسدِنا، ومهما حاولنا تقليده لاننجح. أصابع صديقنا وأذنيه حاسوبنا المفضّل في عد الأيام التي تفصلنا عن يوم المَولِد، ومهمتنا تقتصر على تذكّرأيَّ إصبعٍ طواه في اليوم السابق..في كل يوم نختلف، نُعيد العدَّ، ثم نتفق بأن الباقي تسعة أيام.. ثمانية..باقي ستة أيام خمسة أيام. اليوم الوحيد الذي لانختلف عليه هواليوم الذي يسبق يوم المَولد بإثباتٍ لايرقى إلى الشَّكِ من التحضيرات التي تجري في الأوضَة.

  • خلاص بكرا المَولد، بكرا المَولد.. نُبَشِّر بعضنا.

في اليوم الموعود نَقضي يومنا بمراقبة جِهة الشرق لرصد القادمين من أتباعِ الطريقة القادريّة الكيلانيّة لإحياء المَوْلِد، وعندما يلوحُ العلم الأخضر مُعْتَلياً الضَّهرة الشرقيّة يبلغ حماسنا مداه.

حماسٌ وحبورٌ وفرحٌ لانعطيه لأحد كما يقال. فرحٌ لحضورحشدٌ غير قليل من القرى المحيطة بقريتنا، خاصة أقاربنا المقرّبين من القرية المجاورة مع أولادهم ونِسائهم، حماسٌ وحبور لِنِتفَةِ اللّحم التي قد نحصل عليها عندما نَتَخاطف القليل مِنها الموضوع فوقَ صينية البُرغل، وحماسٌ  لتجوالنا بمحيط الأوضة دون أن ينهرنا أحد، وسعادتنا للمكافأة الثمينة التي ننالها في نهاية المَولِد، لذاك المَذاق الرهيب، والإحساس المرافق للنكهة اللّذيذة لمَيّة المَولد التي نتلمظ ونستلذِّ بمذاقها بمجرد أنْ تخطرَ في البال، ولا تزال.

أمّا مشاركةِ أحدنا في خدمة ما، كتدفئة الدُّفوف التي تضرب بايقاعٍ متزن أثناء سردِ السيرة النّبوية على نارٍ توقد خارج الأوضة؛ فهذه ميزةً للتباهي بها لحَولٍ قادم.

ليلة المَولِد مهرجان احتفالي يحضره الكبير والصغير، أمهاتنا وعماتنا وحباباتنا وقريباتنا اللواتي بالكاد يلحظ أياً منهن في الأوضة إلا ماندر يحضرن ليَْلة المَوْلد، يشغلنَ القسم الخارجي من الأوضة ” دار النفيلة” أي دارالموقد التي تطبخ بها القهوة المرّة، يتزاحمن عند قراءة السيرة عند الشبابيك ونزاحمهن. حضورهن مرحّبٌ به في هذا اليوم مثل حضورهن الذي لابدّ منه في الأعراس. نحن الصِّغار نلوب المكان بحماسٍ أهوج، لانهدأ ولا نستقرفي مكان. نَخُزَّ الصّف الأخير لحلقة الذكرنتنقل بين غرفتي الأوضة، نزاحم النِّساء بالمروق بينهن من الشبابيك.

يبدأ الحفل بعد صلاة العشاء بطواف المِبْخرةِ على الحاضرين باستخدام مِحْماس القهوة الثقيل ذي الذراع الطويلة، يمرّحامل المِبْخَرة أمام الجالسين حيث تتحرك أكفهم لتَهفَّ دخان البخور نحوهم مرفقةً بشهيق عميق وتمتمة بالصلاة على النبيّ العدنان، امتلاء المكان بالبخوريضفي حالة روحانية عَطِرة قبل البَدءِ بسرد قصة النّبي. ويحل صمتٌ مطبق عند أول نقرة على الدّف وانطلاق حناجرالمنشدين بالبِشارة التي زُفَّت للسيّدة أمنة بنت وهب بحملها لمحمّد.

يا آمنة بُشراكِ، سبحانُ من أعطاكِ

لحملك بمحمّد، ربِّ السَّما هَنّاكِ

بالمصطفى سَعْدِك غَلَبْ، لمّا حمَلت في رجب.

ولم تري منه تَعب، هذا نبيٌّ زاكِ

يتوالى بعد ذلك تعظيم أشهر حَمل السيّدة آمنة على لسان المنشدين مترافقةً مع ضرب الدُّفوف بإيقاع خافتٍ ونقراتٍ خفيفةٍ برؤوس الأَصابع المُنزلقة بِخفةٍ ورشاقه بين طَارِالدّفِّ والجلد القريب منه.

شعبان شهرٌ ثاني، والنّور منه باني

بذي النبيّ العدناني، فالسَّعدُ قد والاكِ.

 النَّقرَعلى الدفوف يرتفع أحياناً بسرعة عند الإنتقال من شهرِ لشهر، ثم يَخِفّ ويَخْفتَ ويتباطئ ويصبح مجرد حفيفٌ ناتج عن احتكاك اليد بالجلد المشدود أثناء وَصف الحدث المرافق لحمل السيدة آمنة. وصوت المنشدون منضبط بايقاع الدفوف ومنسجم معها في العِلوْ والهدوء

 وفي صَفر شاعَ الخَبَر، بذي النبيّ المُفتَخر.

لأجله انشقّ القمر، ضاءَت لك دنياك

ومع بلوغ المنشدين شهرربيع الأول، يكون الدّق على الدّفوف قد وصل في تصاعده إلى أعلى مدى، ايقاعٌٍ حماسي ناتج عن استبدال النقر بأصابع اليد قرب طارِ الدّف إلى الخبط المتسارع المُتلاحق بكامل الكّفِ على وسط الجلد المشدود، وبتوقيتٍ متوافقٍ يعتدل  ضاربي الدفوف من الجلوس المريح إلى نصف نهوض قائمين على ركبهم ليضع كل منهم كامل قوته وعزمه في يده التي تخبط جلد الدّف، وبمهارة متوافقة أيضاً تُرمى الدّفوف إلى أعلى ويعاد التقاطها لتتلقى ضرباً أقوى، ضربٌ تشترك فيه الصّاجات النحاسية الكبيرة ليخلقا معاً جواً من حماسة روحانية مع صوت المنشدون

في ربيع الأوّل، وُلد الحبيب المرسَل

يا آمنة تأمَّلي فضل الله أعطاكِ

وُلد الحبيب مختوناً، مُكحلاً ومدهونا

وحاجباه مقرونا ونوره كساكِ.

في لحظة التبشير بالولادة، تَصْمت الدّفوف والصاجات وصوت المنشدون فجأة، وتنطلق الزغاريد “الهلاهل” من النّساء الموجودات، ويتزامن ذلك مع غَمِّ ضوءِ اللُّوكس؛ فنور محمّد في هذه اللحظة يعمّ الكون، ولا حاجة لنورٍ آخر، عندها أيضاً يَهِبّ الجميع وقوفاً على شكل دوائر. دائرةً منتظمة في الوسط يحيط بها ما يشبه الدائرة؛ فخليط غير منتظم من الدوائر، ثالثة ورابعة حسب عدد الموجودين. والكل ينود ويردد بصوت واحد الله الله الله الله الله.. ويُستكمل المشهد باندفاع حماسي من بعض المريدين إلى وسط الدائرة الأولى، حيث تنتابهم حالة نشوة ووجدٍ صوفيّة. تَتَشنج أطرافهم وتتخشّب أجسامهم، تائهين عمَّا حولهم مُغمى عليهم، ويبقون بحالة فناءٍ جسدي حتى نهاية المَولد عندما يقوم الشيخ الأقدم، صاحب الحَضْرة بالتكبير بأُذن المريد وفَركَ يديه وقلبه ويعيده من غيابه المؤقت، ومن لم يستجبْ يَكشف عن بطنه ويضربه بالسيف ليعيده إلى وعيه.

تتالى المدائح النبوية بقراءة بعضٌ من خصائص النّبي من خلال أوصافه فهو: أَحلى الخلائِق، أَبيض اللّون مشرباً بالحمرة، أدْعَج العين، سَبِط الشَّعر، دقيقَ المَسْربه، كأنما عُنقه إبريق فِضّة.. صوته أجمل، دينه أكمل، ولسانه أفصح.. اسمه في السماء أحمد وفي الأرض محمّد، معتدل القامة مُدوّر العِمامة، من الطِيبِ أنفاسه ومن الصدق لسانه وأحسن من القمرطلعته، تكلم الذئب لهيبته وسعت الأشجار والأحجار لخدمته وسبح الحصا في كفّه ونبع الماء من بين أصابعه، وحن الجذع اليابس إليه والعنكبوت نسج عليه ..الخ  ) ثم يلي ذلك الوصف نشيد.

يا ذا المكيَّا يا ذا المكيَّا، مديح محمّد عزيز عليّا

حبيبَ القلب ملكتَ لبي، هويداً سِر بي إلى المكيّا

وبإيقاعٍ يَعلو مرة ويهمد أخرى، يقترب صوت المنشدين إلى غناءٍ ملحّن أكثر منه لنشيدٍ مضبوط خلال طوافهم على تعداد الأنبياء والرسل،عيسى وموسى وإبراهيم، واصفين السّعادة التي تملأ القلوب بذكرهم

فموسى أسعد وعيسى أمجد . وأنتَ أسعد من الكليا

 لينتهي النشيد بتوسلٍ وأملٍ في زيارة قبر الرسول..

 هنا ينسحب ايقاع الدفوف الحماسي والخافت من المشهد كليةً، ويبقى صوت المنشدون صافياً إلّا من الدقِ الخفيف على ظاهر يدٍ بيدٍ لضبط الإيقاع كتعويض عن انسحاب الدفوف من المشهد.   

قَصدي أزوره أشاهد نوروه، وقل ياهادي تَشفّع فيا

بحرمةِ الأصحاب والآل والأحبابِ

أقف بالأعتاب وصح لِيا  

أثناء قراءة فصول السيرة ووصف النبي وتعداد خصائله يطوف حامل المبخرة وناثر العطر على الموجودين، ليتعطروا بأنفاس المصطفى وهم يهفون بأيديهم البخور المُتصاعد نحوهم،  يفتحون أزرار ثيابهم لتتلقى صدورهم بعض قطرات من عطرٍ ثقيلَ الرائِحة.ويأتي الختام  بنشيد

طلعَ البدر علينا من ثَنيات الوداع

وجب الشّكر علينا ما دعى لله داع

 أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع

جئت شرفت المدينة مرحبا يا خير داغ.

 يرتفع وجيب القلوب مرة أخرى بمعاودة ضرب الدفوف وصَخَب الصاجات النحاسية مترافقة بالهلاهل. وكأنّ البدر المقصود بالنشيد قد حلّ بالمكان وشرّف الموجودين بالزيارة.

طيلة قراءة السيرة والمدائح المنشودة تكون قدورالشراب وصوانٍ مليئة بالملح مغطاة في وسط حلقة الذكر، لتنال البركة.

 شراب القدورهو مانترقبه وله الجزء الأكبر من حماسنا للمَوْلد، من أجله نعدّ الأشهر والأسابيع والأيام.. شرابٌ مُكون من الماء وملح الليمون والسّكر،أحيانا يضاف له ماء الورد- إن وجد –  شراب لا أطيب ولا ألذ منه رغم أنه مكون من مواد بسيطة ويمكن صناعته في أي وقت، لكنه لايرقى لمذاق شراب المَوْلد ذاك، مذاق الذاكرة الذي لا ينسى وبقيَ حياً في البال، وطعمه تحت اللسان..ولا يزال الأفضل عند مقارنته بكل أنواع العصائر التي عرفناها بقية عمرنا.

ترفع أغطية القدورليأتي دورنا، بغرف الشراب من القدوروحمل صُرَة ملح صغيرة ونقدمها للموجودين..لكن أغلبنا لايتحمل إيصال طاسة شراب المولد إلى من يطلبها قبل أن يَغُبّ منها رشفة بعيداً عن الأعين .

– تفضل عمو، صلي ع النبي.

  وما يبقى في القدورمن ماء المولد حصتنا. تمتلئ به بطوننا لحد الانتفاخ، نتحلق حولها ونشرب ونشرب وعندما ينتهي مابها نلحس بأصابعنا ماتبقي من بلورات السّكر وملح الليمون غير المذابة.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى