الرأي العام

هنيئاً للرئيس أحمد الشرع بمعارضيه

جزء كبير من النخبة المعارضة، انتقل تدريجياً من وظيفة النقد العقلاني إلى حالة التعبئة العاطفية. لم يعد الهدف تفكيك السياسات أو مساءلة السلطة وفق أدوات معرفية، بل إنتاج حالة دائمة من الشك والغضب والاتهام

د. زياد الغزالي – العربي القديم

في التجارب السياسية الهشة، لا تخشى السلطة دائماً المعارضة القوية، بقدر ما تستفيد أحياناً من المعارضة الضعيفة. فالمعارضة القائمة على المعرفة والوقائع والمنهج، تفرض على السلطة تطوير خطابها وأدائها، بينما تتحول المعارضة الانفعالية، المهووسة بالضجيج والاستقطاب، إلى خدمة سياسية مجانية للنظام القائم، حتى وهي تعتقد أنها تناصبه العداء.

استبدال التحليل بالشعارات والوقائع بالتخمينات

في المشهد السوري الراهن، تبدو هذه المفارقة أكثر وضوحاً. فجزء كبير من النخبة المعارضة، انتقل تدريجياً من وظيفة النقد العقلاني إلى وظيفة التعبئة العاطفية. لم يعد الهدف تفكيك السياسات أو مساءلة السلطة وفق أدوات معرفية، بل إنتاج حالة دائمة من الشك والغضب والاتهام، حتى في غياب الأدلة أو القراءة المتماسكة. وهنا تكمن المفارقة الخطيرة، حين يصبح المثقف مروّجا” للشائعات، أو أسيرا” ليقين سياسي مسبق، أو باحثا” عن الترند أكثر من الحقيقة، فإنه لا يضعف السلطة بقدر ما يمنحها فرصة الظهور بمظهر الطرف الأكثر اتزاناً وعقلانية.

 المشكلة الأساسية لا تتعلق بوجود المعارضة، بل بطبيعة هذه المعارضة وأدواتها. فالنقد السياسي في أي مجتمع حديث يفترض وجود حد أدنى من المنهجية، معلومات موثقة، قراءة واقعية، قدرة على التمييز بين الرغبة والتحليل، وبين الأمنيات والوقائع. لكن ما يحدث في كثير من الأحيان هو العكس تماماً. تتحول السياسة إلى سجال أخلاقي صرف، ويصبح الموقف الانفعالي بديلاً عن التفكير، فيما يجري استبدال التحليل بالشعارات، والوقائع بالتخمينات، والبحث المعرفي بالمواقف المسبقة. والأخطر أن هذا الخطاب يصدر أحيانا” عن شخصيات تحمل ألقابا” أكاديمية أو حضورا” إعلاميا”، ما يمنحه شرعية شكلية توحي بوجود عمق فكري، بينما هو عملياً يفرغ المجال العام من أي نقاش جاد. وهكذا يتشكل ما يمكن أن نسميه بـ الوهم النقدي، أي خطاب يبدو معارضا في الظاهر، لكنه يفتقر إلى الأدوات الحقيقية للنقد، فيتحول إلى مجرد ضجيج سياسي سريع الاستهلاك.

لماذا تستفيد السلطة من المعارضة الرديئة؟

 تُعد جودة المعارضة أحد مؤشرات صحة المجال العام. فكلما كانت المعارضة عقلانية ومنظمة ومبنية على المعرفة، زادت قدرة المجتمع على إنتاج توازن سياسي حقيقي. أما حين تصبح المعارضة انفعالية ومتناقضة ومهووسة بالمبالغة، فإنها تمنح السلطة ثلاث هدايا مجانية:

١-  إضعاف ثقة الجمهور بالنخب.

المجتمعات الخارجة من الحروب والأزمات تصبح أكثر حساسية تجاه الخطاب غير الواقعي. وعندما يكتشف الجمهور التناقضات المتكررة أو التهويل المستمر، فإنه لا يفقد الثقة بالمعارض وحده، بل يفقد ثقته بفكرة المعارضة نفسها.

٢-  تعزيز صورة السلطة كخيار أكثر عقلانية. حين يبدو خطاب المعارضين مرتبكاً أو شعبوياً أو قائماً على الشائعات، تظهر السلطة تلقائيا” بمظهر الطرف الأكثر هدوءاً وتنظيماً، حتى لو كانت تعاني من إخفاقات حقيقية. وفي كثير من الأحيان، لا تكسب السلطة شرعيتها من نجاحاتها، بل من ضعف خصومها.

٣-  تحويل السياسة إلى معركة ضجيج مستمر يستهلك الجمهور ويُفرغ النقاش العام من مضمونه. وبدلا” من مساءلة السياسات الاقتصادية أو الإدارية أو القانونية، ينشغل الفضاء العام بسجالات شخصية ومواقف انفعالية وموجات استقطاب مؤقتة. وهذا تحديداً ما تحتاجه أي سلطة تسعى إلى تقليل الضغط المعرفي الحقيقي عليها.

إن أزمة النخبة السورية أعمق من مجرد خلاف سياسي، إنها أزمة وظيفة النخبة نفسها. فالمثقف، ليس مجرد معارض دائم، بل منتج للمعرفة، ومفسر للواقع، وصاحب قدرة على الفصل بين العاطفة والتحليل. لكن جزءا” كبيراً من النخبة السورية وقع في ثلاث مشكلات متداخلة:

– الانجرار إلى الاستقطاب الحاد.

– استبدال التحليل بالموقف الأخلاقي.

– الخضوع لمنطق المنصات الرقمية القائم على الإثارة والانتشار السريع.

وبذلك، لم يعد بعض المثقفين يساهمون في بناء وعي عام نقدي، بل في إعادة إنتاج الانقسام والانفعال وفقدان الثقة.

الواقع كما هو

سوريا بحاجة إلى معارضة قادرة على قراءة الواقع كما هو، وليس كما تشتهيه. والمرحلة القادمة ستحسم بمن يملك القدرة على إنتاج معرفة سياسية واقتصادية واجتماعية. المشكلة أن المعارضة حين تفقد هذه القدرة، فإنها لا تسقط وحدها فقط، بل تسحب معها فكرة النقد نفسها، وتمنح السلطة ما هو أخطر من الشرعية السياسية، شرعية المقارنة مع بديل أقل نضجاً وأقل عقلانية.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى