الرأي العام

تركيا في المشرق العربي: هندسة نفوذ أم حجز مقعد؟

قد لا يكون السؤال الأساسي هو ما إذا كانت تركيا توسع نفوذها في سوريا ولبنان بل ما إذا كانت تنجح في التكيف مع مرحلة إقليمية تتغير بسرعة

 خالد المطلق* العربي القديم

نادراً ما تبقى موازين القوى في الشرق الأوسط على حالها لفترة طويلة فالمنطقة تعيش منذ سنوات سلسلة متواصلة من التحولات السياسية والأمنية بعضها نتج عن الحروب والصراعات الداخلية وبعضها الآخر جاء نتيجة تغير أولويات القوى الإقليمية والدولية، وفي خضم هذه التحولا، تبدو تركيا واحدة من الدول التي تحاول إعادة تعريف موقعها ودورها في الإقليم ولا سيما في المشرق العربي، من المعروف انه خلال السنوات الأولى من الأزمة السورية كانت أولويات أنقرة واضحة إلى حد كبير حيث انصبّ الاهتمام التركي على حماية الحدود الجنوبية ومنع تشكل واقع أمني تعتبره تهديداً لمصالحها خصوصاً في ما يتعلق بالملف الكردي، إلا أن المشهد اليوم يبدو أكثر تعقيداً مما كان عليه قبل عقد من الزمن، فسوريا لم تعد مجرد أزمة حدودية بالنسبة لتركيا بل تحولت إلى ساحة ترتبط بمستقبل التوازنات الإقليمية ككل، ومن هنا يمكن فهم السعي التركي للحفاظ على حضور سياسي وأمني واقتصادي داخل المشهد السوري ليس فقط انطلاقاً من حسابات الأمن القومي المباشرة وإنما أيضاً من إدراك أن أي تسوية مستقبلية في سوريا ستنعكس على شكل النظام الإقليمي في المشرق بأسره، وهذا التحول لا يعني بالضرورة أن أنقرة تتبنى مشروعاً توسعياً بالمعنى التقليدي للكلمة كما يذهب بعض خصومها لكنه يعكس رغبة واضحة في تجنب التهميش خلال مرحلة تشهد إعادة توزيع للأدوار والنفوذ، فالدول الإقليمية الكبرى غالباً ما تسعى إلى تثبيت مواقعها قبل استقرار التوازنات الجديدة وتركيا ليست استثناءً من هذه القاعدة.

ولعل ما يميز السياسة التركية في السنوات الأخيرة هو اعتمادها على مزيج من الأدوات المختلفة، فإلى جانب الحضور العسكري المعروف توسعت أنقرة في استخدام أدوات اقتصادية وتنموية وثقافية كما عملت على بناء علاقات مع فاعلين محليين في أكثر من ساحة ويعكس ذلك قناعة متزايدة لدى صناع القرار الأتراك بأن النفوذ المستدام لا يُبنى بالقوة العسكرية وحدها بل أيضاً عبر شبكات المصالح والعلاقات طويلة الأمد، ويمتد هذا النهج إلى لبنان حيث تحافظ تركيا على اهتمام ملحوظ بالشمال اللبناني وخاصة مدينة طرابلس، ويعود ذلك إلى اعتبارات تاريخية وثقافية معروفة لكنه يرتبط كذلك برغبة أنقرة في الإبقاء على قنوات تواصل وتأثير داخل بيئة إقليمية شديدة التقلب، ومع ذلك فإن حجم هذا التأثير يبقى محدوداً بعوامل داخلية لبنانية وبحضور قوى إقليمية أخرى تمتلك نفوذاً راسخاً في الساحة اللبنانية.

لكن الحديث عن الطموحات التركية لا يكتمل من دون التوقف عند القيود التي تواجهها، فالمشرق العربي اليوم ساحة مزدحمة بالمصالح المتشابكة، فالولايات المتحدة الامريكية ما زالت حاضرة وروسيا تحتفظ بأوراق مهمة رغم انشغالاتها الدولية وإيران لم تغادر المشهد فيما تتابع إسرائيل بدقة أي تحولات قد تمس بيئتها الأمنية، لهذا السبب تجد أنقرة نفسها مضطرة إلى العمل ضمن هامش حركة محسوب يجمع بين السعي إلى توسيع النفوذ وتجنب الصدام المباشر مع قوى أخرى، كما أن التحديات الاقتصادية الداخلية تفرض بدورها حدوداً واقعية على أي مشروع إقليمي واسع النطاق مهما كانت طموحاته السياسية، وعلى ما يبدو أن صناع القرار في تركيا لا يغفلون عن هذه الحقائق فالمقاربة التركية الحالية توحي بأن الهدف ليس فرض معادلات جديدة بالقوة بقدر ما هو ضمان موقع مؤثر في المعادلات التي تتشكل بالفعل، وهذا فارق مهم بين السعي إلى الهيمنة والسعي إلى الحفاظ على الحضور.

في النهاية قد لا يكون السؤال الأساسي هو ما إذا كانت تركيا توسع نفوذها في سوريا ولبنان بل ما إذا كانت تنجح في التكيف مع مرحلة إقليمية تتغير بسرعة، فالشرق الأوسط يقف أمام تحولات عميقة لم تتضح نتائجها النهائية بعد وكل القوى الإقليمية تحاول حجز مكان لها في المشهد القادم، ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى التحركات التركية الحالية باعتبارها محاولة لإدارة مرحلة انتقالية أكثر منها سعياً إلى إعادة إنتاج نماذج النفوذ التقليدية، أما مدى نجاح هذه المحاولة فسيظل مرتبطاً بمسار التحولات الإقليمية نفسها وبقدرة أنقرة على الموازنة بين طموحاتها الخارجية وإمكاناتها الفعلية في الداخل.

……………………………………………….

*عقيد ركن سابق كاتب وباحث مختص في الشؤون العسكرية والامنية والارهاب

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى