تاريخ العرب

سيرة “الحاجة فرحانة” ابنة سيناء التي أتعبت المخابرات الاسرائيلية

"أم المجاهدات" كما تلقب هي جدة لستة عشر حفيداَ من أبنائها الثلاثة السالف ذكرهم، رحلت مخلّفة سيرة عطرة وتاريخا حافلا جديرا بأن يروى

عادل العوفي – العربي القديم

في الخامس عشر من شباط/ فبراير هذا العام، نقلت بعض وسائل الإعلام المصرية والعربية خبراً، يبدو في ظاهره عادياً، عن رحيل سيدة تبلغ من العمر 106 عاما والمعروفة باسم “الحاجة فرحانة” وتحمل تاريخا نضاليا جديرا بالثناء والاحترام؛ لكن من الضروري التعمق أكثر حول هذه الشخصية الاستثنائية الجديرة بتبوء صدارة الاخبار والاحداث لأنها حكاية ملهمة تستحق ان تروى للأجيال وتتناقل سيرتها على كل لسان وتتجاوز ذكرى لاسم معلق على يافطة في شارع أو مؤسسة معينة.

هذه المرأة السيناوية سطرت ملامح وبطولات خالدة ضد الكيان الصهيوني وكسرت حاجز كونها “أمية” لا تحسن القراءة ولا الكتابة لكنها عوضت هذا الفراغ بإرادة صلبة حديدية لا تلين وحس وطني وغيرة تدرس من اجل كرامتها وانعتاق بلدها من براثين الاحتلال وجبروته .

من هي الحاجة فرحانة؟

ولدت السيدة فرحانة حسين سالم  في  مدينة الشيخ زويد بسيناء عام 1920، وتزوجت من إبراهيم حسين أبو رياش، وأنجبت منه ثلاثة  أولاد وهم داود وعبد الرسول وعبد المنعم؛ ولهذا تعرف أيضا بلقب “أم داود “؛ وعاشت حياة عادية حتى نكسة 67 حين هجرت قسرا مع عائلتها اسوة بباقي العائلات الاخرى لتتوجه مع ست اسر اخرى الى منطقة “سمالوط ” بالمنيا في البداية ثم إلى مديرية التحرير بمحافظة البحيرة.

من هنا تغيرت نظرة “ام داود ” للحياة برمتها ولم تقبل الخنوع والاستكانة؛ بل قررت رفع شعار المقاومة ضد الكيان الغاصب لذلك توجهت صوب احد مشايخ سيناء واسمه الشيخ  “حسين أبو عرادة ” كي يقوم بالتوسط لها للانخراط و العمل مع المخابرات المصرية مستثمرة بذكاء متقد عملها في تجارة الاقمشة والالبسة وايضا تطريز وصناعة الاثواب اليدوية  حيث تتنقل  احيانا بين سيناء والعاصمة القاهرة.

تحت عدسة أم داود

استغلت ام داود قدرتها على الدخول  والخروج من سيناء باعتبارها من سكانها الاصليين؛ ونجحت في رصد تحركات العدو وتمركز قواته واعداد الدبابات والحشود البشرية؛ ورغم عدم اتقانها للقراءة والكتابة لكنها تحفظ الرموز المطبوعة على سيارات الاحتلال وتتمكن من رسمها على الرمال ببراعة فائقة حتى تظل محفورة بذاكرتها ؛ امتد نشاطها لنقل المعلومات والخرائط السرية من سيناء عن طريق المجاهدين  وتحديدا المجاهد “اشتيوي الحبانين”  وكانت تقطع مسافات طويلة برجليها وتجتاز مناطق وعرة وصعبة  تمتد الى 40 كلم وتستدل الطريق من خلال اضواء النجوم وتصل لمناطق معينة مثل الدهيشة والقصب والهبش.

كما وتم تكليفها بتسليم خرائط سرية تنجح في اخفاءها عبر ثوبها والخياطة عليها من باب التمويه وتصلها من العريش الى وسط سيناء للمجاهدين المتواجدين هناك وصولا للقاهرة كذلك  .

ومن اشهر العمليات التي قامت بها “ام داود ” ايصال خريطة مطار الجورة في الشيخ زويد واخفاءها بالطريقة ذاتها حتى إيصالها نحو العاصمة القاهرة؛ وكررت الخطوة مرات كثيرة ونقلت اسلحة وصورا فوتوغرافية لمستعمرات اسرائيلية داخل الشيخ زويد مجتازة الحواجز بنجاح منقطع النظير.

دون إغفال تسللها لمستعمرة “ياميت” برفقة احد المجاهدين حيث نجحوا في التقاط صور للمعسكر وأخفت الشريط داخل “صوفية” وهو حزام من المعروف أن النساء البدويات يرتدينه في المنطقة؛ ومن النقاط الملفتة في مسيرة الحاجة فرحانة النضالية هي طريقة ابلاغ  المجاهدين بنجاح مهماتها السرية، عن طريق رسائل اذاعية مفادها “أنا أم داود أهدي سلامي إلى إخواني وأخواتي في الأرض المحتلة” وبمجرد سماع هذا الإهداء كان يتم توزيع الحلوى مهللين بنجاح العملية.

الفخ الإسرائيلي

تفطن الاحتلال الإسرائيلي لكثرة تنقلات “أم داود” وقامت المخابرات بإيقافها مشترطين عليها التعاون معهم، وتجنيد شخصيات معينة في القاهرة للعمل معهم. نجحت في الايقاع بهم عبر مصيدة محكمة من خلال إيهامهم بالموافقة على طلبهم؛ لكنها في الوقت ذاته ابلغت الجانب المصري بالتفاصيل والخطوة الجديدة لتستمر في مهمتها الوطنية حتى تحرير سيناء والعودة اليها معززة مكرمة بعد تاريخ نضالي طويل ومغامرات بطولية ادت عبرها واجبها على أكمل وجه وقدمت دروسا في التضحية والإباء من أجل الأرض والعرض. ومن المعلوم ان الرئيس المصري الراحل انور السادات منحها “وسام الشجاعة من الدرجة الأولى” و”نوط الجمهورية” وتم إطلاق اسمها على أحد أحياء شمال سيناء وأيضا أحد ميادين مدينة العريش وكذلك إحدى شوارع حي المعادي وأطلق اسمها على إحدى قاعات جامعة العريش.

الوداع الأخير

بتاريخ 15 فبراير من العام الحالي وعن سن 106 عام رحلت الحاجة فرحانة أو “أم المجاهدات” كما تلقب وهي جدة لستة عشر حفيدا من أبنائها الثلاثة السالف ذكرهم، رحلت مخلّفة سيرة عطرة وتاريخا حافلا جديرا بأن يروى ويوثق بمداد الفخر والذهب؛ وهنا نتساءل في خضم الهبة الدرامية التي نشهدها خلال الفترة الحالية على سبيل المثال من اجل تجسيد سير من يصنفون بالأبطال وإعادة تقديمهم للمشاهد: ألا تستحق “ام داود ” ببطولاتها الفذة ان تنتج عنها مسلسلات أو أفلام تخلد مسيرتها الفريدة من نوعها وهي الثرية بشتى انواع الاثارة والتشويق التي يشترطها في العادة صناع الدراما ؟ ولماذا لا تصحح عبر توثيق حياتها تلك الصورة النمطية التي تعودنا رؤيتها تلفزيونيا منذ سنوات عن المنتمين لمنطقة سيناء على سبيل المثال؟

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى