دريد لحام – محمد الماغوط: جدلية الفن والسلطة في الذاكرة السورية
من صنع جماهيرية الآخر؟ هل الماغوط هو من صنع دريد لحام، أم أن دريد لحام هو من عرّف الجمهور السوري والعربي بالكاتب محمد الماغوط في وقت كان فيه الأخير معزولاً في نخبويته وصحافته الضيقة؟

نوار الماغوط – العربي القديم
تحفل الذاكرة الفنية السورية بثنائيات صنعت وجدان أجيال، لكن لا توجد شراكة أثارت من الجدل والاشتباك الفكري والسياسي ما أثارته ثنائية دريد لحام ومحمد الماغوط. إنها العلاقة الكاشفة التي تجاوزت حدود المسرح والسينما لتتحول إلى مرآة تعكس صراع “المثقف والسلطة”، وتطرح السؤال الأزلي: هل كان الفن النقدي في سوريا أداة لرفع الوعي، أم مجرد صمام أمان صممته السلطة بدقة لامتصاص الاحتقان الشعبي عبر ما عُرف بظاهرة “التنفيس”؟
لعل المشهد الذي يختزل هذه الجدلية العميقة يتجسد في تلك الحادثة العفوية المليئة بالدلالات والرموز السياسية، حين و جّهت سؤال مباشر في إحدى اللقاءات الجماهيرية إلى الفنان دريد لحام قلت فيه: “أرى أن مسؤولي الصف الأول في الدولة هم أول من يستمتع بمسرحياتك”. جاء رد لحام سريعاً وذكياً كعادته في التقاط المفارقات، وبدبلوماسية مسرحية قال متهكماً: “وهل يوجد مسرح في العالم يتسع صفه الأول لكل الجماهير؟”. هذا الجواب أضحك الحاضرين، لكنه في الوقت ذاته جعل وجه، عمي محمد، يمتقع غيظاً وكأنه تلقى طعنة في كبريائه، لأنه أدرك تماماً المغزى وراء السؤال؛ وهو أن النقد الذي يكتبه يقع في النهاية تحت أقدام وتصفيق مسؤولي السلطة وأصحاب القرار!
إن الهجوم المعاصر على دريد لحام في كون الماغوط صنعه أو “صنيعة للنظام السياسي” يعاني من خطأ تاريخي. فالتاريخ الفني يسجل أن مسرح دريد لحام النقدي وتأسيس خطه الكوميدي اللاذع وجدا على الخشبة قبل أن يتكرس نظام الأسد بصورته الشمولية. البداية الحقيقية للحراك الفني المستقل بدأت مع انطلاقة فرقة “مسرح الشوك” الذي أسسه الفنان الراحل عمر حجو. كان مسرح الشوك يمثل منصة نقد سياسي واقتصادي حاد وذكي لواقع البلاد، ومن هذا المختبر الفني رُسمت معالم الطريق الفني لدريد لحام، وتحددت الملامح الأساسية للخط الكوميدي الذي اتبعه وسار عليه برفقة رفيق دربه الراحل نهاد قلعي خلال الستينيات. هذه الأعمال السابقة كلياً للقاء الماغوط تبرهن أن الكوميديا السياسية في سوريا كانت حركة فنية حتمية ونتاجاً طبيعياً لحراك فكري مستقل، تشبه الكوميديا السوداء والمسرح التعبيري العالمي، وهدفها الأساسي هو صدم الجمهور فكرياً بثوب فكاهي.
بناءً على هذا، لا يمكن إنكار موهبة وحضور دريد لحام المتميز كممثل الذي جعل الجمهور الـ عربي يعيش مع شخصيات غوار الطوشة، وأبو صياح، وياسين بقوش، وحسني البورظان. علاوة على ذلك، كان دريد لحام قدم العديد من القامات الفنية السورية الكبرى وأسهم في تصدير نجوميتها للجمهور العربي، مثل الفنان ياسر العظمة في مشاركاته المسرحية قبل (مرايا) وصباح وسامية الجزائري اللافتتين في مسرحية “غربة”
هنا تحديداً، يبرز السؤال الجدلي والمعاكس الذي يحب الكثير من النقاد طرحه: من صنع جماهيرية الآخر؟ هل الماغوط هو من صنع دريد لحام، أم أن دريد لحام هو من عرّف الجمهور السوري والعربي بالكاتب محمد الماغوط في وقت كان فيه الأخير معزولاً في نخبويته وصحافته الضيقة؟ الحقيقة والإنصاف التاريخي يشيران إلى عملية منفعة متبادلة؛ فالماغوط مَنَح لحام عمقاً فكرياً وأدبياً نثرياً غير مسبوق، ولكن دريد لحام بذكائه الإخراجي وحضوره الطاغي على المسرح هو من انتشل نصوص الماغوط الرمزية والمليئة بالسخط من الكتب، ونقلها إلى وعي الشارع البسيط. إن دريد لحام ممثل ومخرج مسرحي جيد.
كان تعديل النصوص والرقابة الشرارةَ الأولى للخلاف بينهما، حيث قام دريد لحام كمخرج بحذف وتعديل أجزاء من نصوص محمد الماغوط في مسرحيتي “كأسك يا وطن “و”شقائق النعمان ” لتتماشى مع الخطوط الحمراء للسلطة بموافقة الماغوط نفسه لتمرير العرض، مما أثار غضب الماغوط لاحقاً. هذا التباين الفني أظهره الجمهور كصراع مكتوم على النجومية والمكاسب، إذ شعر جمهور الماغوط بإجحاف شديد لكونه يكتب في الظل ويعاني التهميش والفقر، بينما يحصد دريد لحام الشهرة والأموال والتصفيق في الواجهة. وطبعاً هذا غير صحيح، ولكن الماغوط سكت عن هذا الاستنتاج واستغله
والحقيقة أن دريد لحام كان سخياً وكريماً جداً مع الماغوط من الناحية المادية، وكان يضمن له عوائد مالية مجزية وضخمة من أرباح المسرحيات والإنتاجات السينمائية المشتركة. هذا السخاء المادي المفرط ربما جاء بناءً على توجيهات عليا من القصر الجمهوري واحتواء أجهزته الأمنية؛ وهي الأجهزة الذكية التي أدركت خطورة ثنائية (لحام – الماغوط) على الوعي الجمعي للشعب، ورغبت في تفكيك هذه الحالة بذكاء من خلال تقريب الماغوط ومكافأته معنوياً ومادياً ، مقابل تحجيم دريد ومحاصرته إعلامياً، بيد أن تحميل السلطة أو دريد لحام مسؤولية انهيار هذه الشراكة التاريخية وحدهما يعد قراءة ناقصة؛ إذ لعبت طبيعة الماغوط النفسية والتاريخية كشخصية تصادمية، سوداوية، وجافة ترفض الامتنان بطبيعتها، دوراً رئيسياً ومحورياً في هذا الانفصال الفني. فالماغوط عُرف تاريخياً بقلة وفائه الإنساني لكل من مدّ له يد العون أو قدم له الخدمات في حياته؛ فقد انقلب وطعن بالشاعر أدونيس الذي قدمه إلى “مجلة شعر” وإلى أوساط المثقفين في بيروت، كما انقلب بالإساءة والجفاء على شقيقه (عيسى الماغوط) الذي رعاه واهتم به في مراحل صعبة ومختلفة من حياته المتقلبة، وحتى زوجته الشاعرة الراحلة سنية صالح، التي منحتْه كل الحب، والدفء، والأمان، وكانت ملجأه النفسي، لم تسلم من قسوته، ومزاجيته الحادة، وإقصائه لها، وعاشت ضحية لطباعه الصعبة قبل أن يعترف هو شخصياً بعد وفاتها بتقصيره التاريخي بحقها.
في النهاية، لولا قلم الماغوط لما كان لمسرحيات لحام هذا العمق، ولولا أداء لحام لبقيت نصوص الماغوط حبيسة الرفوف