الرأي العام

حين يتحدث سائق التاكسي باسم المدينة

المهن التي تقوم على الاحتكاك المباشر بالمواطنين والزوار تصبح جزءاً من البيئة العامة التي تؤثر في الاستقرار والثقة والسلم الأهلي

د. زياد الغزالي- العربي القديم

سيارة الأجرة هي في كثير من الأحيان أول نافذة يطل منها الزائر على مدينة دمشق، وأول حديث يجريه مع أحد أبنائها. ومن هنا، فإن سائق التاكسي لا يمثل نفسه فقط، وإنما يسهم، بقصد أو بغير قصد، في رسم الانطباع الأول عن الدولة ومؤسساتها ومجتمعها.

وفي دولة خرجت للتو مما يراه بعضهم “حرباً أهلية”، وحقبة حكم استبدادي مجرم، تكتسب هذه المسألة بعداً إضافياً. فالمهن التي تقوم على الاحتكاك المباشر بالمواطنين والزوار تصبح جزءاً من البيئة العامة التي تؤثر في الاستقرار والثقة والسلم الأهلي. ولذلك فإن ترك المجال أمام أشخاص مرتبطين بالنظام السابق، ويمكن ان يكونوا متهمين بارتكاب جرائم حرب للعمل في مهن ذات تأثير مباشر على الرأي العام قد يخلق تحديات أمنية واجتماعية وإعلامية.

لا يتعلق الأمر بحرمان الناس من حقهم في العمل، بل بإيجاد توازن بين هذا الحق وبين حماية المصلحة العامة. فالعزل السياسي لمن عمل بالجيش والقوى الامنية في فترة النظام السابق، الذي يفترض أن يُقرّه القانون، لا ينبغي أن يُفهم باعتباره عقوبة جماعية أو أداة للانتقام، وإنما إجراءً انتقالياً، يهدف إلى منع استغلال بعض المواقع أو المهن الحساسة للتأثير على المجتمع أو تقويض الاستقرار.

ومن هذا المنطلق، يمكن أن تراجع الدولة شروط العمل في بعض المهن التي تمثل واجهتها المباشرة، ومنها قيادة سيارات الأجرة، بحيث تشمل متطلبات واضحة تتعلق بحسن السيرة، وخلو السجل من الجرائم الخطيرة، والالتزام بالأنظمة المهنية، مع توفير آليات قانونية للطعن والمراجعة بما يحفظ الحقوق ويضمن العدالة.

كما أن للمواطن دوراً مهماً في حماية المصلحة العامة، ليس من خلال توجيه الاتهامات، وإنما عبر الإبلاغ عن أي مخالفات أو جرائم أو تحريض على العنف أو تجاوزات قانونية يشاهدها أثناء استخدام وسائل النقل. ويجب أن يكون هذا الإبلاغ عبر القنوات الرسمية المختصة، وأن يخضع للتحقق، بما يحمي الأبرياء من البلاغات الكيدية ويعزز ثقة المجتمع بمؤسسات الدولة.

إن بناء دولة القانون لا يتحقق بالشعارات، بل بمنظومة متكاملة تجمع بين العدالة والمساءلة والرقابة المؤسسية. وعندما يدرك كل من يعمل في المرافق العامة أنه يمثل الدولة أمام مواطنيها وضيوفها، وأن الجميع يخضع لسيادة القانون دون استثناء، تتحول المهن الخدمية إلى ركيزة للاستقرار، لا إلى ساحة لتصفية الحسابات أو إعادة إنتاج أزمات الماضي.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى