الطريق الحجري من إدلب إلى روما
هل ما أسير عليه هو من بقايا الطريق الروماني الذي كان يصل بلاد الشام مع آسيا الصغرى مع روما عاصمة الإمبراطورية الرومانية؟

عبد الرزاق دحنون –العربي القديم
كنتُ في “بازار أشرف باشا” في مدينة إزمير على شاطئ بحر إيجة، أسير بين بسطات الخضار والفواكه المتنوعة، فجأة، انتبهت بأنني أسير على طريق مرصوف بأحجار سوداء ضخمة حفر الزمن أخاديد عميقة على وجهها.
شعرتُ بشيء غير متوقع، انتابني أحساس بأني سرت ذات يوم على ما يشبه هذا الطريق في ريف إدلب، فتساءلتُ: هل ما أسير عليه هو من بقايا الطريق الروماني الذي كان يصل بلاد الشام مع آسيا الصغرى مع روما عاصمة الإمبراطورية الرومانية؟
يحمل أول طريق روماني كبير اسم “فايا سالاريا”، أو طريق الملح، وبُني لجلب الملح البحري إلى روما، وكذلك إلى المناطق الداخلية لشبه الجزيرة الإيطالية. ومع توسع روما المطرد، اقتضى الأمر نقل الملح إلى مسافات أطول، مما زاد في تكلفة شق الطرق.
ولم يسع الرومان إلى توفير الملح للعامة فقط، بل أرادوا توفيره أيضاً للجيش، وذلك هدف زاد من أهميته مع تحول روما إلى عاصمة إمبراطورية. احتاجه الجيش لجنوده وأحصنته ومواشيه. وأحياناً، دُفعت رواتب الجند ملحاً. ويرجع أصل كلمة راتب بالإنجليزية (سالري) إلى الملح “سولت” والحال أن الكلمة اللاتينية “سال” تحولت في الفرنسية إلى “صولد” وتعني الدفع، وهي أصل كلمة جندي soldier
الطرق من بين كل الأشياء العظيمة التي تركتها لنا الحضارة الرومانية. فهناك احتمال كبير أنك مشيت أو قدت السيارة على طريق كان في السابق طريقاً قديماً. العديد من شبكات الطرق التي نستخدمها في الحياة الحديثة مبنية ببساطة فوق طرق تم رسمها وبناؤها في البداية من قبل الرومان. حتى أن المثل القديم “كلُّ الطرق تؤدي إلى روما” ما يزال صحيحاً كما كان دائماً.
اليوم قد يكون من الصعب في بعض الأحيان تحديد طريق قديم على أنه روماني. لأن تقنيات البناء الخاصة بهم كانت ناجحة للغاية، تم تبنيها مرة أخرى في القرن الثامن عشر. في العصر الروماني، غالبا ما كان الجنود والمزارعون والتجار يرتدون أحذية تسمى “كاليجاي”، والتي تحتوي على مسامير في الأسفل لحماية نعالهم الجلدية، وغالبا ما تسقط هذه المسامير وتعلق في الطريق، تاركة وراءها دليلاً قيّماً لعلماء الآثار في المستقبل للمساعدة في إثبات الأصول الرومانية للطريق.
عند التخطيط لبناء طريق، درس المهندسون التضاريس المحلية وجمعوا المعلومات من السكان. ثم رسموا المسار الأكثر منطقية، مع إعطاء الأولوية للاستقامة والمنحدرات المعتدلة. عند عبور الأرض المسطحة، كان الطريق مستقيما قدر الإمكان: يتضمن طريق أبيان القديم، بين “روما” و”تيراتشينا”، خطاً مستقيماً غير منقطع بطول 56 ميلاً رومانياً.
في التضاريس الجبلية، بُذلت محاولات لتسوية الارتفاع من خلال العقل والجسور، قام المهندسون بعمل منحنيات واسعة، والتكيف مع الأرض للحفاظ على منحدرات موحدة. في الجبال العالية استخدموا المنعطفات الضيقة وحتى الأنفاق. كلما كان ذلك ممكناً، تم وضع الطريق على المنحدرات الشرقية والجنوبية للاستفادة من كمية أكبر من ضوء الشمس لمنع تساقط الثلوج في فصل الشتاء من إعاقة السفر.
لمساعدة المسافرين على البقاء منتعشين، يمكنهم التوقف عند قصر أو خان، وهي مؤسسة خدمة رسمية نشأت على طول الطرق الرومانية. تقع بيوت الشباب ومحطات الترحيل على مسافة تعادل قيمة السفر ليوم واحد، وعادة ما تكون حوالي 20 إلى 25 ميلاً رومانياً، الميل الروماني ألف خطوة، تحتوي هذه المرافق المجمعة حول فناء مركزي، على إسطبلات وأحواض للخيول، ومكان لتناول الطعام، وأماكن للنوم. قدم البعض حمامات عامة حتى يتمكن المسافرون من الاغتسال والاستراحة من تعب السفر.
مع توسع رقعة الإمبراطورية الرومانية إلى آسيا الوسطى وبلاد الشام والعراق، توسعت أيضا شبكة طرقها. وقد أدرك الإمبراطور أغسطس الأهمية الحيوية لهذه الشرايين، ليس فقط لتحريك الجيوش والتجارة على طول مساراتها المعبدة، ولكن أيضا شبكة، تم إنشاؤها من المعرفة التقنية المبهرة، وحّدت الإمبراطورية المتنامية الأطراف، وجلبت لرعاياها الفوائد المرجوة.
تم بناء طرق جديدة في الأراضي التي تم فتحها حديثاً في بلاد الشام ومنها محافظة إدلب -جبل سمعان- والذي لا يزال قسماً من الطريق موجوداً حتى اليوم قرب قرية تل “عقبرين”، أو “الكرامة”، ويبلغ طول القطعة المتبقية في حدود ألف ومئة متر. وسبحان الله، هي تُطابق في شكلها ومضمونها وطرق رصفها قطعة الطريق التي مشيت عليها في مدينة إزمير.

