العربي الآن

‎قراءة في مشهد انفجار العبوتين البدائيتين في جمهورية المستشارين!

المشهد هنا لا يشير إلى اختراق عسكري منظم، بل يقدم دليلاً قاطعاً على بقاء الفاعل مجهولاً ورمادياً؛ وهو الاحتمال الأكثر خطورة

نوار الماغوط – العربي القديم 

‎يحمل انفجار العبوتين الناسفتين في دمشق دلالات عميقة تتجاوز التقييم الأمني المباشر، ليتحول إلى مرآة تكشف طبيعة الإدارة والمؤسسات في سوريا اليوم. يظهر بيان وزارة الداخلية الرسمي، الذي أشار إلى “رصد العبوتين قبل انفجارهما أثناء محاولة التفكيك”، ملامح واضحة لآلية عمل مفاصل الدولة، حيث يتقدم التبرير الجاهز والاستعراض اللفظي على حساب القواعد العملياتية الأساسية الواجب تطبيقها على الأرض. ويضعنا تتبع التفاصيل الميدانية للحادثة أمام مفارقات هيكلية تعكس حجم الترهل في مؤسسات الدولة المختلفة.

‎يسقط مبرر وقوع هذا العدد من الإصابات عند الحديث عن “رصد مسبق” للخطورة. تفرض المعايير المهنية عزل مسرح الحدث فَوْراً، وإخلاء المارة، وإنشاء طوق أمني محكم لمنع وقوع ضحايا. إن إصابة مدنيين ومسؤولين وإعلاميين وعناصر مرور يثبت بقاء الساحة مفتوحة للتجمهر، ويوضح تحول الإدارة الميدانية إلى ردود أفعال عفوية تفتقر للخبرة في التعامل مع التكتيكات المعروفة كالتفجيرات المزدوجة.

‎تتسابَق الجهات الرسمية في الآونة الأخيرة لعرض خطط التطوير الرقمي وتعيين مستشاري التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في الوزارات كشكل من أشكال الحداثة الصورية. تتبخر هذه الهالة اللفظية أمام واقعة عجز الأجهزة الميدانية عن التعامل مع عبوة بدائية الصنع مزروعة في حاوية أو طريق عام. يتضح هنا الخلل البنيوي في تبني قشور المصطلحات الحديثة دون امتلاك حد أدنى من المعدات اللوجستية الأساسية، مثل تعطيل العبوات المتفجرة ا أو أجهزة كشفها، أو حتى الالتزام بخطوات السلامة البديهية لحماية الأرواح.

‎هذا التناقض الميداني يعكس أزمة أعمق في صلب النظام الإداري وسير العمل داخل الوزارات؛ حيث تزاحمت الرؤوس على استلام المناصب والقيادات، وتكالب الطامحون على الكراسي وفق معايير مشوهة لم تعد تحتكم للكفاءة والخبرة الحقيقية. وسط هذا التنافس على الامتيازات والمظاهر، غاب عن ذهن الحكومة حقيقة بنيوية بسيطة: أن من يدير الدولة ويحمي بقاءها في المحصلة ليس أصحاب المكاتب الوارفة، بل أبسط الموظفين والعمال والجنود الميدانيين.

‎تتقاطع هذه الأزمة مع قاعدة ذهبية صاغها الأستاذ معن حيدر من واقع خبرته الطويلة في إدارة كواليس العمل التلفزيوني المباشر؛ فالمخرج أو المسؤول الأعلى قد يملك الرؤية والنفوذ، لكن نجاح المنظومة بأكملها معلق حرفياً بمدى يقظة ورضا “العناصر الدنيا” في تراتبية العمل، كعامل الكابلات، وفني الصوت، وعامل النظافة أو الديكور، ومدير الاستوديو. الانتباه لهؤلاء والاهتمام بهم وحمايتهم هو الضمانة الحقيقية لأي إنجاز، لأن ردود أفعالهم الميدانية في تخريب ما أنجزته الإدارات العليا سريعة، حاسمة، ولا تخضع للمناقشة بمجرد وقوع الخطأ على الشاشة. وفي مسرح الدولة، فإن شرطي المرور والفني الميداني هم أولئك الذين يوصلون كابلات الأمان؛ وإن تركهم في الخطوط الأمامية لمواجهة الكوارث بلا أدوات حماية أو بروتوكولات صارمة، يحوّل تضحياتهم إلى ثمن مباشر لارتجال نخب معزولة خلف المكاتب.

‎يتطابق هذا المشهد مع آليات التعامل مع الملفات الخدمية والمعيشية والاقتصادية في البلاد. تتبع السلطة الأسلوب ذاته في “رصد” أزمات الوقود، والعملة، والخبز، والمنظومة الصحية، وتكتفي بإطلاق الوعود بقرب الحل والتفكيك، حتى تنفجر تلك الأزمات في وجه المواطن المتروك في المواجهة دون حماية أو تحذير مسبق. تظهر الإدارة هنا دور المراقب العاجز عن الاستباق، والماهر فقط في صياغة مبررات تلتهم المسؤولية بعد وقوع الكارثة.

‎تواجه المنظومة مأزقاً حقيقياً في تسويق نفسها ككيان مستقر يفرض النظام ويؤمن الزيارات الرسمية الرفيعة، إذ تأتي الوقائع الميدانية والبيانات المرافقة لها لتهز هذه الصورة. إن غياب التحذير السريع والإبقاء على العنصر البشري في محيط الخطر يعمّق أزمة الثقة العامة، ويكرس قناعة بأن ثقافة التغطية على الأخطاء لا تزال تتقدم على ثقافة المحاسبة ورفع الكفاءة وتطوير الكوادر.

‎وتتجاوز الرسائل الكامنة وراء هذا الحدث حدود التقصير الإداري المحض، لتصطدم بالأبعاد السياسية والجيوسياسية الحساسة التي تعيشها البلاد. فالتوقيت المتزامن مع الزيارة التاريخية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق ،كأول رئيس دولة غربية يكسر العزلة الدبلوماسية، يمثل محاولة واضحة لفرملة أي تقارب أوروبي مرتقب وتقويض مساعي التثبيت والاستقرار. تكتسب هذه الزيارة ثقلاً استراتيجياً حرجاً؛ حيث يمثل الحضور الفرنسي رغبة أوروبية أوسع في التموضع الاقتصادي والسياسي، واستعادة المبادرة في ملفات شرق المتوسط وإعادة الإعمار عبر شركات عملاقة. هذا التحرك الجيوسياسي يضع السلطة الجديدة أمام اختبار حقيقي لإثبات قدرتها السيادية على تأمين البيئة الحاضنة للاستثمارات الدولية والبعثات الدبلوماسية.

‎لكن طبيعة التفجير نفسه، ومحدودية قوته، والاعتماد الكامل على أدوات بدائية وعشوائية الصنع دون تكتيكات عسكرية معقدة أو عمليات اغتيال موجهة لشخصيات رفيعة، ينفي فرضية وقوف تنظيمات كبرى وراء الحادث. المشهد هنا لا يشير إلى اختراق عسكري منظم، بل يقدم دليلاً قاطعاً على بقاء الفاعل مجهولاً ورمادياً؛ وهو الاحتمال الأكثر خطورة الذي يعكس حالة الفوضى العارمة والسلاح المنفلت والمواد سهلة التصنيع المنتشرة في غياهب المجتمع المنهك.

‎إننا أمام مجموعات محلية مجهولة أو خلايا نائمة عشوائية لا تملك استراتيجية سياسية كبرى ولا غطاء لوجستياً خارجياً، بل مجرد أفراد وهواة يستغلون الثغرات وغياب بروتوكولات التفتيش لصناعة ذعر عام وتصفية حسابات ضيقة، مستفيدين من التوقيت الحساس لضمان صدى إعلامي مجاني

‎بالنتيجة، نجح هذا العمل البدائي في فضح هشاشة التنسيق الميداني وأساليب الإدارة الارتجالية، وفي إبراز الشروخ العميقة التي تنهش الجسد المجتمعي. وعلى الإدارات العليا أن تدرك أن الاستهتار بالقاعدة الدنيا، وبمن يمسكون كابلات الأمان في الميدان، هو الثغرة الأولى والمنطلق نحو تقوي الأمن والاستقرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى