السعودية وتركيا وباكستان: تحالف استراتيجي أم محور للردع السياسي؟
هل نحن أمام ولادة تحالف استراتيجي جديد، أم أمام محور ردع سياسي هدفه رفع كلفة استهداف أي من أعضائه؟

د. زياد الغزالي – العربي القديم
بدأت العلاقات بين السعودية وتركيا وباكستان تأخذ شكل تقارب استراتيجي في لحظة إقليمية تتغير فيها موازين القوة، وتتراجع فيها قدرة الترتيبات الأمنية التقليدية على ضمان الاستقرار. فالدول الثلاث تمتلك عناصر قوة يصعب تجاهلها. الثقل الاقتصادي والسياسي السعودي، والقدرة العسكرية والموقع الجغرافي التركي، والقدرات العسكرية والاستراتيجية الباكستانية. لكن امتلاك عناصر القوة لا يعني بالضرورة امتلاك تحالف عسكري متكامل. فالفارق كبير بين التنسيق الاستراتيجي، والشراكة الدفاعية، والتحالف العسكري الملزم. قد تتفق الدول الثلاث على حماية مصالحها، وتطوير التعاون الأمني، وتبادل الخبرات، من دون أن يعني ذلك أنها مستعدة لخوض الحرب نفسها دفاعاً عن إحداها. وهنا يكمن السؤال الأساسي: هل نحن أمام ولادة تحالف استراتيجي جديد، أم أمام محور ردع سياسي هدفه رفع كلفة استهداف أي من أعضائه؟
ثلاث دول… وثلاثة حسابات مختلفة
رغم التقارب السياسي، فإن لكل دولة حساباتها الخاصة. تركيا تنظر إلى أمنها من خلال موقعها الجغرافي بين أوروبا والبحر الأسود والشرق الأوسط، وتسعى إلى تعزيز استقلال قرارها الاستراتيجي وعدم الارتهان الكامل لأي قوة دولية. أما باكستان، فتتحرك ضمن بيئة أمنية معقدة، يبقى التنافس مع الهند عنصرا” أساسيا” فيها، ولذلك فإن أي انخراط عسكري خارجي واسع يخضع لحسابات أمنها القومي المباشر. أما السعودية، فقد انتقلت خلال السنوات الأخيرة إلى سياسة أكثر مرونة واستقلالية، تقوم على تنويع الشراكات، وتعزيز القدرات الذاتية، والحفاظ على الاستقرار الذي تحتاجه مشاريعها الاقتصادية والتنموية. لذلك فإن ما يجمع الدول الثلاث ليس تطابقاً كاملاً في الرؤية، بل تقاطع مصالح استراتيجية وهذا فرق جوهري.
هل التحالف موجه ضد إيران؟
من الطبيعي أن يطرح المراقبون سؤالاً حول ما إذا كان التقارب السعودي– التركي– الباكستاني يستهدف إيران بالدرجة الأولى. فإيران تمثل أحد أهم المتغيرات الأمنية في المنطقة، سواء بسبب نفوذها الإقليمي، أو برنامجها الصاروخي والنووي، أو شبكة علاقاتها مع القوى والجماعات الحليفة لها. لكن اختزال هذا التقارب باعتباره تحالفاً ضد إيران قد يكون قراءة ناقصة. فالسعودية ترى في إيران منافساً إقليمياً ومصدر قلق أمني، خصوصا” في منطقة الخليج. أما تركيا، فعلى الرغم من وجود خلافات عميقة مع طهران في ملفات عديدة، فإنها تحافظ في الوقت نفسه على علاقات اقتصادية وسياسية معها، وتتعامل معها باعتبارها منافساً إقليمياً أكثر من كونها خصماً دائماً. أما باكستان، فترتبط بإيران بعامل الجغرافيا والحدود، ولا ترغب في تحويل علاقتها معها إلى صراع مفتوح. ولهذا فإن الأرجح أن الهدف ليس تشكيل جبهة عسكرية ضد إيران، بل بناء توازن إقليمي يمنح الدول الثلاث قدرة أكبر على المناورة في مواجهة مختلف التحديات. ففي الشرق الأوسط لا يوجد تهديد واحد، بل شبكة متداخلة من التحديات تشمل إيران، وإسرائيل، والتنافس الدولي، والتحولات في النظام العالمي.
الحلف العسكري يبدأ بالالتزامات
الدول التي تدخل في تحالف دفاعي ملزم تحدد مسبقاً طبيعة ردها إذا تعرض أحد أعضائها لهجوم. هل يكون الرد سياسياً أم اقتصادياً أم استخباراتياً أم عسكرياً؟ ومن يتخذ القرار؟ وما هي آليات القيادة والتنسيق؟ هذه الأسئلة ليست تفاصيل تقنية، بل هي جوهر أي تحالف عسكري. ومن دون إجابات مؤسسية واضحة، يبقى الحديث عن حلف أقرب إلى الوصف السياسي منه إلى الواقع العسكري.
الاختبار الأصعب: ماذا لو هاجمت إسرائيل تركيا؟
ماذا ستفعل السعودية وباكستان إذا تعرضت تركيا لهجوم إسرائيلي واسع؟ هنا تنتقل المسألة من مستوى الخطاب السياسي إلى مستوى القرار الاستراتيجي. قد تقدم الرياض وإسلام آباد دعماً سياسياً ودبلوماسياً، وربما تعاوناً استخباراتياً أو لوجستياً. لكن الانتقال إلى حرب مباشرة يحتاج إلى قرار مستقل في كل عاصمة. وهذا لا يعني غياب التضامن، بل يعكس طبيعة العلاقات الدولية، حيث يحتفظ كل حليف بحساباته الوطنية.
من يدير هذا التحالف من خلف الستار؟
في السياسة الدولية، نادرا” ما تتحرك التحالفات الإقليمية بعيدا” عن تأثير القوى الكبرى. وهنا يظهر الدور الأمريكي. فالولايات المتحدة ترتبط بعلاقات أمنية عميقة مع السعودية، وتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، ولها تاريخ طويل من التعاون الأمني مع باكستان. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن واشنطن تدير التحالف بصورة مباشرة أو تتحكم بكل قراراته. الأدق أن الولايات المتحدة تشكل جزءاً من البيئة الاستراتيجية التي تتحرك داخلها هذه الدول. فواشنطن قد ترى في تقارب هذه الدول عامل توازن في مواجهة خصومها الإقليميين، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب بالضرورة في نشوء ترتيبات أمنية مستقلة قد تقلل من نفوذها. وهنا تصبح العلاقة أكثر تعقيداً. تعاون وتنافس في الوقت نفسه.
الردع أهم من الحرب
تكمن القيمة الأساسية لأي تحالف في قدرته على منع الحرب قبل وقوعها. فإذا أدرك الخصم أن استهداف دولة واحدة قد يؤدي إلى رد جماعي أو خسائر سياسية واستراتيجية كبيرة، فإن تكلفة المغامرة ترتفع. لكن الردع يحتاج إلى مصداقية. والمصداقية تحتاج إلى مؤسسات. والمؤسسات تحتاج إلى التزامات واضحة. وهنا ما زال التقارب السعودي– التركي– الباكستاني في مرحلة اختبار. إذا أرادت الدول الثلاث تحويل هذا التقارب إلى تحالف استراتيجي حقيقي، فعليها الانتقال من البيانات إلى بناء مؤسسات مشتركة. ويشمل ذلك تدريبات منتظمة، وتنسيقاً دفاعياً، وتبادلاً استخباراتياً، وآليات اتصال عسكرية، وخططاً واضحة للتعامل مع الأزمات. أما بقاء العلاقة في إطار اللقاءات والتصريحات، فسيجعلها أقرب إلى محور سياسي للردع وإدارة النفوذ منها إلى حلف دفاعي متكامل.
في النهاية، التقارب السعودي– التركي– الباكستاني يعكس تحولاً مهماً في التفكير الأمني الإقليمي، لكنه لا يزال بعيداٍ عن نموذج الحلف العسكري التقليدي. الأقرب أنه محاولة لبناء هامش استقلال استراتيجي أكبر في منطقة تتنافس فيها قوى اقليمية ودولية متعددة.

