الرأي العام

إيران وأمريكا: نملة تطاول القمر!

يصنعون صورة للندية مع الأمريكي، فإذا طرح شروطا، طرحوا شروطا مضادة، وإذا أعلن عن مفاوضات، أعلنوا تكذيبا للخبر، ثم في اليوم التالي يكونون في عمان للتفاوض، يستخدمون الإغراق في التفاصيل، والتأجيل، واللعب على المفردات، وإنكار ما وافقوا عليه، ومن ثم يتواصلون مع دول معينة كرست نفسها لعملية الوساطة

موسى رحوم عباس – العربي القديم

    من يتصدى للشأن الإيراني عليه أن يعيد كل ما قرأه في علم الاجتماع السياسي، وتاريخ الشرق والغرب، وعلم النفس الاجتماعي، …الخ لأنه أمام حالة فريدة، فنحن نعرف الدولة / المدينة، الدولة / الأمة، لكن الدولة / الميليشيا ! هذه لا نعرفها، فإيران ليست دولة بمعنى علم الاجتماع السياسي، بل هي ميليشيا شكلت دولة، وليس العكس، فالحرس الثوري ميليشيا دينية مسلحة عابرة للحدود، سلوكها عنيف ومتطرف، والدستور الذي يحكم هذه الدولة/ الميليشيا ثبت ” مشروعية التدخل في شؤون الدول الأخرى في مادته الرابعة، التي تنص على تصدير “الثورة” والثورة هنا تعني نظام ولاية الفقيه، وهو من أغرب الأنظمة في العالم.

إمبراطورية الجياع

 يضفي نظام ولاية الفقيه صفة القداسة على شخص مثلنا، ويحكم له بالعصمة من الخطأ، وهو شأن تجاوز الأنبياء، فعصمة النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – محصورة في الأمور الدينية، أما الحياة فلا عصمة له، وحادثة تأبير النخل، واختيار موقع المعركة، … ثابتة وهي دليل على بشريته. وآراؤه في الأمور غير الدينية، قابلة للفهم والحوار حولها “قل إنَّما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ أنَّما إلهكم إله واحد” 10 سورة الكهف. نظام الولاية هذا هو مصمم استعماريا، أي لايحق لشعوب العالم التي تقع تحت سيطرتهم الاعتراض على أحكامه، فهو ممثل الإله، ونائب المهدي المنتظر، الذي لا نعرف عنه شيئا سوى الأساطير التي روجوا لها في أوساط الشيعة “الولائية” رئيس الدولة في هذه التراتبية هو “مدير عام” السلطة التنفيذية، والقوات المسلحة الحقيقية هي فروع من ميليشيا الحرس الثوري، أما ما يسمى الجيش الإيراني؛ فهو غائب عن ساحة الفعل، ولا أهمية فعلية له، لسبب بسيط أنه يمكن أن يضم الأذري والكردي والعربي الأحوازي والبلوشي… وكل هؤلاء ليسوا موثوقين لدى الحرس الثوري الذي يمثل قلب الحكم وهم الفرس، المرشد هو ” إله” مصغر يتحكم بثروة البلاد وأسلحتها، واقتصادها، وعلاقاتها الخارجية.

إذا كنت ممن درسوا تاريخ الإمبراطوريات من الإمبراطورية الأكادية 2334 ق. م أول إمبراطورية حقيقية في التاريخ، وعاصمتها ” أكاد” في الهلال والخصيب، حتى الإمبراطورية البريطانية ، أعظم إمبراطورية في تاريخ البشرية من حيث المساحة والسكان ( 35,5 ) مليون. كم مربع، وحكمن 450 مليون إنسان أي ربع سكان العالم في ذلك الوقت وغيرها من الإمبراطوريات في تاريخ العالم، عليك أن تعيد النظر في البديهيات، فالمعروف لا تنهض الإمبرطوريات إلا حينما تكون فائضا من القوة، يجعلها تتطلع إلى التوسع، يضيق عليها ثوب الجغرافيا؛ فتبدأ في توسيعه على حساب الآخرين، والقوة هنا اقتصادية بالدرجة الأولى، وعسكرية بالدرجة الثانية، وتراكم المخترعات ، وخلق نظام سياسي متماسك ومتين، وقيادة خبيرة، تسيطر على قرارها، مع شبكة علاقات دولية تشكل مظلة حماية تحت أي ظرف، هذا كله عليك نسيانه! فأمامك إيران تريد تشكيل ” إمبراطورية” وهي لا تملك من كل الذي ذكرناه شيئا، لديها مجموعة من الأساطير، ولديها بترول تبيعه، وتقدمه رشى لميلشيات زرعتها في دولها، مستنسخة تجربة الدولة/ الميلشيا وهو ما اصطلح على تسميته ” الدويلة” وأظنه مصطلحا لبنانيا، وأقامت اقتصادا عسكريا صاروخيا ومسيرات بعد أن اقتنصت لحظة تفكك الاتحاد السوفيتي، واستقطبت الكثير من الخبراء الروس والكوريين الباحثين عن عمل، وبدأت بمشروعها النووي، بعد تغطيته بمجموعة من الأكاذيب، والفتاوى، لكنه كشف، ودمر في الوقت المناسب، ظنا منها أن السلاح النووي يخلق دولة قوية، وشعبا سعيدا، هذا الشعب الذي يحلم ببيت مريح، وضمان صحي، وتأمين اجتماعي، وفرص عمل برواتب مجزية، ولا يجد من هذا كله غير المخدرات والحشيش، تريد تكوين إمبراطورية في لبنان والعراق واليمن وتناست أن هؤلاء جائعون، ويحتاجون من ينفق عليهم، إنها تسعى لتكوين ” إمبراطورية الجياع”

الصُّورة والفعل: تحليل الخطاب الإعلامي

تتميز الأنظمة الشمولية عموما بتركيزها على الصورة التي تخلقها لأفعالها في أذهان الناس، بغض النظر عن أهمية الفعل نفسه، فهي تهندس الصورة، ولا يهمها الفعل، وهل هو ناجح أم فاشل، لا يهم، علينا أن نظهر دائما أننا في أحسن حال، وخططنا تؤتي أكلها دائما، تابعت الإعلام الإيراني أو التابع للماكنة الإعلامية الإيرانية، فهو نموذجي من هذه الناحية، ولغة الخطاب لها دلالات كثيرة. تصر التقارير الإخبارية الإيرانية على صيغة واحدة، عندما يقصف الأمريكي أو الإسرائيلي مدينة، أو ميناء، أو قاعدة عسكرية، الصيغة هي التالية” سمع في شرق طهران أصوات انفجارات …..”  ” سمع على أطراف ميناء عبادان أصوات ثلاثة انفجارت ….” هذه صيغة غريبة، حقا، لم أعتد سماعها خلال الحروب التي عشناها، فالدول تقول: ” إنه في تمام الساعة ….. هاجم العدو الصهيوني مدينة ……، مما أدى لإصابات، أو اقتصرت الأضرار على الماديات….. ” أما سُمِع! فهذه لها عدة دلالات، إما أن تكون الدولة الإيرانية فاقدة للتواصل بين الأقسام المختلفة، ولا توجد منظومة اتصالات متكاملة وفعالة، أو أنها تحاول التقليل من أهمية هذا الهجوم، أو أنها لا تعرف ما الذي حصل حقا، وهذه كارثة، لكن النظام الشمولي، يخفي كل خسائره، ويجعل شعبه لا يرى سوى صور الصواريخ وهي تنطلق مع كتل اللهب في ظلام الصحراء، حقا منظر مهيب، هذه هي الصورة، أما أين ذهبت، ما نتائج القصف، ما مدى تحقق الأهداف، هذا كله مغيب تماما، بل يعدونه غير مهم؛ لأنه يدخل في الفعل وليس في الصورة، وقد طبق وكلاء إيران في لبنان والعراق واليمن هذه القاعة، فحزب إيران في لبنان، يطلق عدة رشقات من الصورايخ مثلا، ليس لها أي تأثير عسكري على الجبهات، وبدون فاعلية، ولكنه يصورها وهي تنطلق من بين الأشجار، محدثة نورا باهرا، وشعلة نارية كبيرة، والملثمون حولها بكامل عتادهم، وسياراتهم، وهذا كله يدخل في الصورة، أما ماذا حققت من نتائج في صفوف العدو، كم جنديا حيدت، كم قرية حررت، كم أعادت من المهجرين من بيوتهم وقراهم، لا يهم كل ذلك؛ لأنه يدخل في الفعل، وليس في الصورة؛ لذلك تجد بيئة الميلشيا مسحورين بالصورة، حتى يتم تحويلها إلى صورة رومانسية، نوعا ما، بعد إضفاء البعد العاطفي والمذهبي عليها، والأغاني الحماسية التي كتبها مؤدلجو الحزب، ولحنها وغناها أيضا، وبتمويل سخي من القيادة، وإذا سألت عن النتيجة، تواجه بالتخوين والصهينة والأمركة.

وبالعودة لتاريخ النظام الشمولي السوري، فقد كان مدار اهتمامه صورة الفعل، وليس الفعل نفسه، من هزيمة 1967 إلى سلسة هزائمه اللاحقة، فقد كان يصنع صورة لنظام صامد، ومازال يمارس سطوته على شعبه، أما الأرض والجولان فهي ليست مهمة، وكان فريق التعبئة التابع له، يردد كان العدو يريد اقتلاع الثورة، وفي الحقيقة لا أعرف عن أي ثورة يتحدث! ربما يقصد الديكتاتور أو ابنه المضطرب، ولكنه لم يحقق غايته، وهاهوذا الطاغية في قصره، أي أن العدو ” الغاشم” فشل في مسعاه!

أضرار جانبية

من متلازمات الشمولية أن الشعب جميعا لا يعد من الأضرار الحقيقية والخسارات الكبرى للوطن، فالنظام هو الخسارة الكبرى، أما الناس يتم تعويضهم، وقد قالها صبيهم في لبنان أ. حمدان إن ما جرى من أهوال كله أضرار جانبية، فالأصل بقاء حماس أي النظام، وهو يسير على مفردات الخطاب الإيراني، دمرت معظم المنشآت الاقتصادية الأيرانية، ومصانع الصلب، والصواريخ ، ودمر السلاح البحري كاملا، فخرج علينا ضابط في البحرية، يصف سفينته وهو تغوص في أعماق البحر بعد تدميرها، لكنه يفتخربأنها غاصت بشموخ!! هذا ما أعنيه الاهتمام بالصورة وإهمال الفعل، وكأن السفينة رحلت بكرامة، وهذه مثيرة للسخرية حقا! فالتركيز ليس على خسارة سلاح كامل لم يعد موجودا، وهذه تشكل ضربة قاصمة لأي جيش يخسر سلاحه البحري، بعد أن خسر الجوي، والدفاع الجوي تماما، لا ، المهم كيف غاصت السفينة عموديا إلى الأعماق، دون أن تتألم !!

الندِّية الموهومة

في الخطاب الإعلامي الإيراني يصنعون صورة للندية مع الأمريكي، فإذا طرح شروطا، طرحوا شروطا مضادة، وليس مهما التمسك بها، وإذا أعلن عن مفاوضات، أعلنوا تكذيبا للخبر، ثم في اليوم التالي يكونون في عمان للتفاوض، يستخدمون الإغراق في التفاصيل، والتأجيل، واللعب على المفردات، وإنكار ما وافقوا عليه، ومن ثم يتواصلون مع دول معينة كرست نفسها لعملية الوساطة بين أمريكا وإيران، وحتى هؤلاء لم يتم توفيرهم عند القصف بالمسيرات والصواريخ، رغم إصرارهم على لعب دور الوسيط، يوهمون أنفسهم وجمهورهم بالندية لأمريكا أقوى دولة في العالم، حقا إنها ” نملة تطاول القمر”

هذه الأنظمة كوارث على شعوبها، وخطيرة عل شعوب المنطقة، لقد دفعنا دماء كثيرة كفاتورة لوهم الإمبراطورية الفارسية، مشروع لا علاقة لنا به، تحالف هو والديكتاتور ولكل استراتيجيته وأهدافه، وليس من الضروري أن تكون متطابقة، لكنها متقاطعة في أماكن معينة، ومازالت دماء الشعوب الإيرانية واللبنانية واليمنية والأفغانية والباكستانية التي جندها لخدمة أوهامه، تسيل وتسيل، ولكنها أضرار جانبية!

                                                                                         السويد 2026

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى