علم النفس والسلوك

استنزاف الزمن والانتباه: احتلال الإيقاع الداخلي والرغبة

تأتي هذه المقالة ضمن سلسلة «استبداد الإنهاك: استنزاف الإنسان والمستقبل». بعد استنزاف الموارد وتفكك البنية الاجتماعية، ننتقل إلى طبقة أكثر خفاء: الزمن الذي يعيشه الإنسان، والانتباه الذي يمنح هذا الزمن حضوره، والرغبة التي تحدد ما الذي يفعله به.

مرعي الرمضان العربي القديم

في نهاية يومه، يفتح هاتفه ليرى رسالة عمل وصلت بعد منتصف الليل. لا شيء عاجلا فعليا، ومع ذلك لا يستطيع تجاهلها. يكتب رداً سريعاً، يغلق الهاتف ويحاول النوم. في تلك اللحظة القصيرة لا يضيع وقت إضافي فقط، بل يختفي حدّ كان يفصل حياته عن عمله. وهذا المشهد لا يحدث مرة واحدة؛ في تكرار هذه اللحظة، لكن هذه اللحظة لا تبقى عابرة مع تكرارها، بل تدخل الرسالة تدريجيًا في إيقاع يومه نفسه.

ماذا يحدث حين لا يعود الإنسان مالكا لإيقاع حياته؟

يستنزف استبداد الإنهاك زمن الإنسان عبر آليات اقتصادية وتقنية وثقافية تتداخل في إعادة تنظيم إيقاع حياته. فتتآكل الفواصل بين العمل والراحة، وبين المحفز والاستجابة، وبين الرغبة والإشباع. وعندما تتآكل هذه الفواصل، ينكمش الزمن الداخلي الذي يحتاجه الإنسان ليكون حاضرا في حياته، لا مجرد مستجيب لما يطرأ عليها.

حين تختفي نهايات الوقت

في كثير من أنماط العمل الحديثة، لم يعد اليوم ينتهي فعليا؛ بل يتمدد على شكل إشعارات ورسائل وقلق دائم بأن شيئا لم يُنجز بعد. وحتى الوقت الذي يبدو ظاهريا حرا قد يبقى مشدودا إلى ما سبقه، أو مفتوحا على ما قد يأتي بعده. يصل الإنسان إلى نهاية يومه وقد استُهلك جزء كبير من طاقته قبل أن يجد مساحة فعلية للخروج من إيقاع العمل.

المشكلة ليست أن الإنسان يملك وقتا أقل بالضرورة. المشكلة أن الفواصل التي تجعل الوقت قابلا لأن يصبح حياة قد ضعفت. الفاصل هو الحيز الزمني الذي يسمح للإنسان بالانتقال من حالة إلى أخرى دون أن يمتد أثر الحالة السابقة إلى التالية. حين ينتهي العمل لكن التفكير فيه يستمر، وحين تنتهي الرسالة لكن انتظار الرسالة التالية يستمر، ينتهي الحدث دون أن ينتهي أثره. هكذا تتآكل استمرارية الوقت؛ وهي التي تمنح التأمل والخبرة والعلاقات فرصة لأن تتشكل دون أن تقطعها استجابات متلاحقة.

تفكيك الانتباه

قد يملك الإنسان الوقت ويعيشه، من دون أن يملك القدرة على إبقاء انتباهه حاضرًا فيه.

في بيئة الإشعارات والتدفق المستمر، يتحول الانتباه إلى طاقة مجزأة. الإنسان لا يعيش داخل تركيز متصل، بل داخل سلسلة انقطاعات. لحظات الانتظار القصيرة — في المصعد أو أثناء الطعام أو قبل النوم — لم تعد تُعاش كفراغ بسيط، بل كمساحات يجب ملؤها فورا. تمتد اليد إلى الهاتف تلقائيا، لا لأن هناك حاجة حقيقية دائما، بل لأن الصمت نفسه أصبح تجربة يصعب احتمالها.

ومع تكرار الانقطاعات، قد يصبح التشتت جزءا مألوفا من طريقة الانتباه نفسها. عندها لا تكون المشكلة في فقدان جزء من الانتباه فقط، بل في أن الإنسان قد لا يعود قادرًا على ملاحظة هذا الفقد نفسه. يصبح الانتباه المستمر أكثر صعوبة داخل بيئة تبقي باب الاستجابة مفتوحا على الدوام.

استبداد الاستجابة

هنا نقترح مفهوم «استبداد الاستجابة» بوصفه إحدى آليات استبداد الإنهاك. لا يفرض الإشعار الفعل بالضرورة، لكنه يخلق بيئة يصبح فيها التأخر في الاستجابة ذا كلفة نفسية أو اجتماعية أو مهنية متزايدة. كلما ارتفع ضغط الاستجابة الفورية، ضاقت المساحة الزمنية التي تسبق القرار؛ تلك المساحة التي يحتاجها الإنسان للمبادرة والتقدير والاختيار.

عندما يضاف ضغط الاستجابة إلى يوم متقطع أصلا، يزداد انتقال الإنسان من محفز إلى آخر على حساب المسافة التي تسبق القرار. لم يعد السؤال فقط: ماذا يفعل الإنسان؟ بل: هل ما زال يملك المسافة التي تسمح له بأن يقرر ماذا يفعل؟

تسريع الرغبة والاستهلاك

ولا تقف المسألة عند الزمن والانتباه؛ إنها تمتد إلى الرغبة. المشكلة ليست أن البيئة الرقمية تصنع رغبات من العدم. المشكلة أنها تستطيع تقليص المسافة بين ظهور الرغبة ومحاولة إشباعها، وتكثيف المحفزات التي تعيد إنتاجها قبل أن تستقر في اختيار واعٍ.

الرغبة لا تحتاج بالضرورة إلى زمن طويل، لكنها تحتاج إلى حيز يسمح بتمييزها عن الاستجابة العابرة للمحفز. حين تتوالى المحفزات بسرعة، ويصبح الانتقال من الرغبة إلى الإشباع أقصر وأسهل، يضيق هذا الحيز، ويصبح من الأصعب على الإنسان أن يميز ما اختاره عما استُثير فيه للتو. هنا قد يتحول الاستهلاك إلى نمط من التلقي المستمر الذي يستهلك الانتباه دون أن يترك بالضرورة أثرا يتجاوز لحظة التلقي.

المفارقة أن بعض أنماط الاستهلاك التي تُستخدم لتخفيف التوتر قد لا تنتج استعادة فعلية للقدرة على الراحة والانتباه. المشكلة ليست في الاستهلاك بذاته، بل حين يحل محل الراحة. هكذا يمكن أن تتشكل حلقة: الإنهاك يدفع إلى استهلاك سريع، والاستهلاك السريع يشتت الانتباه، فيصعب الانتقال إلى حالة من الراحة تستعيد القدرة، ويعود الإنهاك إلى إنتاج نفسه.

فقدان السيادة الإيقاعية

النتيجة ليست الإرهاق وحده، بل فقدان السيادة الإيقاعية. نقصد بالسيادة الإيقاعية قدرة الإنسان على أن يحدد، بالقدر الممكن، إيقاع الانتقال بين العمل والراحة، والانتباه والتشتت، والرغبة والإشباع، والاستجابة والتوقف؛ وأن يمتلك مسافة كافية لمراجعة هذا الإيقاع وتعديله.

الإيقاع ليس سرعة الحياة ولا بطأها. إنه الطريقة التي تتكرر بها أفعالها، وتتجاور، وتتعارض، وتتوقف، وتستأنف. حين تتآكل الفواصل، ويتجزأ الانتباه، ويرتفع ضغط الاستجابة، وتُسرَّع الرغبة، قد يستمر الإنسان في العمل والتواصل والاستهلاك والراحة، لكنه يفقد شيئا من الإحساس بأن هذه الأفعال تنتظم وفق إيقاع اختاره هو.

ربما لا تبدأ السيطرة حين يُقال للإنسان ماذا يفعل، بل حين يصبح عاجزا عن التوقف بما يكفي ليسأل نفسه ماذا يريد. من يملك إيقاع حياته لا يملك الوقت فقط؛ يملك المسافة التي تجعل الاختيار ممكنا.

وحين يضيق إيقاع الفرد إلى هذا الحد، لا يعود الأمر شأنا شخصيا فقط… بل ماذا يحدث للمجتمع حين يصبح كل فرد محاصرا بإيقاع نجاته الخاص؟

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى