الرأي العام

يقين الوهم وقلق المعرفة: حين نعجز عن تحويل الثقافة إلى ابتكار والتعليم إلى نهضة

العلم يبدأ بالسؤال، ويخضع الفرضيات للاختبار ويقبل تصحيح أخطائه. أما الخرافة فتبدأ بالإجابة، ثم تبحث عما يؤكدها وترفض كل ما يناقضها.

د. زياد الغزالي – العربي القديم

أخطر الهزائم هي هزائم العقول. فالهزيمة العسكرية قد تُعوَّض، والأزمة الاقتصادية قد تُعالَج، أما هزيمة العقل فهي التي تُنتج كل الهزائم الأخرى. وحين يفقد المجتمع ثقته بالعلم، ويستبدل البرهان بالخرافة، والنقد بالتلقين، والسؤال بالطاعة الفكرية، فإنه يكون قد بدأ رحلة الانحدار، حتى وإن امتلك الثروات والموارد الطبيعية. العلم ليس مجرد نشاطاً ذهنياً، بل أساساً لإعادة تشكيل العالم.

لم تكن أوروبا أكثر ذكاءً من غيرها، لكنها كانت أكثر استعداداً لتحرير العقل من القيود التي جعلت الحقيقة تُقاس بسلطة القائل لا بقوة الدليل. وهنا بدأ الفارق الحضاري. في المقابل، تزدهر الخرافة لأنها تقدم تفسيرا” أسهل. إنها تُريح العقل من عناء البحث، وتمنح الإنسان يقيناً مجانياً لا يحتاج إلى تجربة أو برهان. ولهذا كانت الخرافة، عبر التاريخ، الحليف الطبيعي لكل سلطة تخشى السؤال، ولكل ثقافة ترى في النقد تهديداً، وفي التفكير المستقل خروجا” على المألوف. وليس المقصود بالخرافة هنا الحكايات الشعبية أو الموروثات الثقافية التي تشكل جزءاً من هوية المجتمعات، بل تحويل الادعاءات غير المثبتة إلى حقائق، ورفض مراجعتها مهما تعارضت مع الوقائع. فحين يصبح الاعتقاد محصنا” ضد الدليل، يتحول إلى عائق أمام المعرفة.

إن الفارق الجوهري بين العلم والخرافة لا يكمن في اختلاف الإجابات، بل في اختلاف المنهج. فالعلم يبدأ بالسؤال، ويخضع الفرضيات للاختبار، ويقبل تصحيح أخطائه. أما الخرافة فتبدأ بالإجابة، ثم تبحث عما يؤكدها، وترفض كل ما يناقضها. ولهذا أن قابلية الفكرة للاختبار هو ما يمنحها صفة العلمية. ولعل هذه هي الأزمة العميقة التي يعيشها العالم العربي اليوم. فالمشكلة ليست في قلة الجامعات أو المدارس، بل في غياب البيئة التي تجعل التفكير النقدي قيمة اجتماعية. ما زلنا، في كثير من الأحيان، نكافئ الحفظ أكثر من الفهم، ونرفع شأن من يملك الإجابات الجاهزة أكثر ممن يجرؤ على طرح الأسئلة الجديدة. ولذلك، فإن الحديث عن التنمية الاقتصادية، أو التحول الرقمي، أو الذكاء الاصطناعي، سيظل خطاباً إنشائياً إذا لم يسبقه تحول ثقافي يعيد الاعتبار للعقل. فلا يمكن بناء اقتصاد معرفي بعقلية تخشى المعرفة، ولا يمكن إنتاج التكنولوجيا في بيئة تعتبر النقد خطراً.

لقد أدركت الدول التي تقود العالم اليوم أن الجامعة ليست مؤسسة تعليمية فحسب، بل مصنع للمستقبل. وأن المختبر ليس مبنىً أكاديمياً، بل منشأة استراتيجية لا تقل أهمية عن القواعد العسكرية. لذلك تستثمر هذه الدول مليارات الدولارات في البحث العلمي، لأنها تعرف أن الاختراع الذي يولد في مختبر صغير قد يغير موازين الاقتصاد العالمي لعقود. في المقابل، ما زالت دول كثيرة تنظر إلى البحث العلمي باعتباره ترفا” يمكن تأجيله، بينما تنفق بسخاء على كل ما لا ينتج معرفة ولا يخلق قيمة مضافة. وهنا تتشكل الفجوة الحضارية.

الأمم لا تتخلف لأنها فقيرة، بل لأنها تعجز عن تحويل المعرفة إلى قوة إنتاج، والثقافة إلى ابتكار، والتعليم إلى نهضة. وقد سبق ابن خلدون عصره حين ربط ازدهار العمران بازدهار العلم، وأدرك أن سقوط الدول يبدأ حين تضعف الحيوية الفكرية ويحل التقليد محل الاجتهاد. فأي مجتمع يتقدم بتنمية قدرة الإنسان فيه على التعلم والإبداع. وليس من قبيل المصادفة أن العصر الذهبي للحضارة الإسلامية تزامن مع ازدهار الترجمة والطب والرياضيات والفلك والفلسفة. ففي تلك المرحلة كان البحث عن الحقيقة قيمة حضارية. وعندما انكمشت مساحة العقل، بدأ الانكماش الحضاري يتسع حتى شمل السياسة والاقتصاد والمجتمع. واليوم، في عصر الذكاء الاصطناعي، لم يعد السؤال: من يمتلك الموارد الطبيعية؟ بل من يمتلك المعرفة؟ ومن يطوّر الخوارزميات؟ ومن يسجل براءات الاختراع؟ ومن يبني الجامعات القادرة على إنتاج الحلول؟ فالثروة الحقيقية أصبحت في العقول القادرة على تحويل الأفكار إلى منتجات، والابتكار إلى نفوذ عالمي.

المجتمعات التي تسمح لدعاة الوهم بأن يحتلوا مكان العلماء، وتمنح صناع الإثارة ما تحجبُه عن صناع المعرفة، لا ينبغي أن تستغرب إذا وجدت نفسها خارج سباق الحضارة. فالتاريخ لا يجامل أحدا”، ولا يمنح الأفضلية إلا لمن ينتج معرفة جديدة.

 لهذا، لا تنتظروا من دعاة الخرافة أن ينتصروا على صُنّاع المعرفة. لأن هذه ليست معركة بين أشخاص، بل بين منهجين، منهج يفتح النوافذ للعقل، ومنهج يغلقها. منهج يقيس الأفكار بالدليل، ومنهج يقيسها بسلطة الموروث أو تأثير الخطابة. ومنذ فجر الحضارة، كانت الكفة تميل في النهاية إلى من يضيف إلى المعرفة الإنسانية، لا إلى من يكتفي بحراسة أوهامها.

إن المعركة الحقيقية التي ينبغي أن نخوضها ليست ضد العلم باسم الهوية، ولا ضد التراث باسم الحداثة، بل ضد كل ثقافة تُعطّل العقل، أيا” كان مصدرها. فحين يصبح العقل قيمة” عليا، يصبح العلم أسلوب حياة، وتتحول الحرية الفكرية إلى مصدر للإبداع، وعندها فقط تستطيع الأمم أن تكتب تاريخها بيدها، بدل أن تكتفي بقراءة التاريخ الذي كتبه الآخرون.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى