العلويون بين التحصيل العلمي والإبداع الفكري
بعض الأسماء العلوية في المجال الثقافي والسياسي التي أتيح لها الانتشار كانت تلك التي أبقت على صلة وثيقة بعباءة الطائفة، وبالتالي بالسلطة. أما من فكوا عرى هذا التواصل، فقد همشوا ولم تتح لهم فرصاً كافية للانتشار

يوسف إسماعيل – العربي القديم
سأتناول في السطور القادمة جانباً من مسيرة العلويين خلال ما يزيد على قرن، يتعلق بنجاحهم الملحوظ في الاستثمار في تعليم أبنائهم، وهو أمر شمل مختلف الطبقات الاجتماعية، من أفقرها إلى أكثرها يسراً. وسأحاول في الوقت نفسه، طرح سؤال أكثر إشكالية: لماذا لم يتناسب هذا التقدم الكبير في التحصيل العلمي مع حجم الإبداع الفكري والثقافي الذي كان يمكن أن ينتجه مجتمع بهذه الأعداد من المتعلمين؟
مع بدايات تحوّل الحياة في سوريا وتطورها، وجد العلويون أنفسهم، في معظمهم، معزولين في قراهم الجبلية، بعيداً عن المدن ومصادر المعرفة والعمل الحديثة. وكانوا، في غالبيتهم، فقراء لا يملكون رأس المال ولا المهارات المهنية التي تساعدهم على الانخراط في عالم المدينة؛ إذ اقتصرت خبراتهم الاقتصادية بصورة أساسية على الزراعة وتربية المواشي، وبطرق تقليدية.
انتبه بعض عقلائهم، وكان من بينهم رجال دين ومتعلمون، إلى أن أدواتهم محدودة، وأن كسر العزلة التاريخية لا يمكن أن يتم من دون التعليم. وكان التعليم، بالنسبة إلى الفئات الفقيرة تحديداً، استثماراً لا يحتاج إلى رأس مال كبير، بل إلى إرادة وصبر وتضحيات طويلة.
وهكذا تحول التعليم تدريجياً إلى مشروع اجتماعي واسع. ومع مرور الزمن، بدأ المقتدرون مادياً يساهمون في بناء المدارس في قراهم، بل إن بعض القرى تولت إنشاء مدارسها بجهود أهلها وإمكاناتهم المحدودة.
في قريتي، على سبيل المثال، بدأ أهل القرية بناء مدرسة في النصف الأول من خمسينيات القرن الماضي، بجهودهم وعلى نفقتهم، واستغرق إنجازها عدة سنوات. وكانت، كما أتذكرها، مدرسة جميلة من عدة قاعات مبنية بالحجر البازلتي، ولم تكن تقل في مستواها عن كثير من مدارس محافظة حماة في ذلك الوقت.
لكن هذه المسيرة الشاقة كان لها هدف واضح في أذهان كثير من الأسر: تعليم الأبناء كي يصبحوا موظفين في مؤسسات الدولة، ويحصلوا بعد التخرج على عمل محترم وراتب ثابت في نهاية الشهر. وكان ذلك منسجماً إلى حد كبير مع طبيعة السياسة التعليمية والإدارية التي ترسخت في سوريا خلال القرن العشرين، والتي جعلت الوظيفة الحكومية أحد أهم مسارات الصعود الاجتماعي.
وهنا نصل إلى السؤال الأساسي: ما علاقة ذلك بالإبداع؟
في تقديري، لم تكن المدارس والجامعات السورية، منذ نشوء الدولة الحديثة، بيئة مثالية للإبداع الفكري، بل تحولت في مراحل كثيرة إلى مؤسسات لإنتاج الموظف أكثر من إنتاج الإنسان المبدع والمستقل. وتفاقم ذلك بعد استيلاء البعث على السلطة، حين أصبحت الدولة أكثر مركزية، وتحولت مؤسساتها المدنية والعسكرية إلى أدوات لإعادة إنتاج السلطة وترسيخ نفوذها.
وكان أثر ذلك أكثر وضوحاً في البيئة العلوية، ليس لأن العلويين أقل قدرة على الإبداع، وإنما لأن نسبة كبيرة منهم دخلت مؤسسات الدولة والجيش والأجهزة الأمنية، وأصبح التعليم بالنسبة إلى قطاعات واسعة منهم طريقاً شبه مضمون إلى الوظيفة والترقي الاجتماعي، ولا سيما مع اتساع نفوذ أبناء الطائفة داخل مؤسسات الدولة خلال العقود التالية.
وهكذا ازداد الإقبال على التعليم، وارتفعت أعداد الخريجين، وحصل كثير من أبناء العلويين على شهادات جامعية متقدمة. لكن الشهادة العلمية ليست بالضرورة دليلاً على الإبداع؛ فالإبداع يحتاج إلى بيئة تسمح بالسؤال والشك والاختلاف، وإلى شخصية قادرة على الخروج عن المألوف ومواجهة السلطة الاجتماعية والسياسية والفكرية.
وفي الوقت الذي كان فيه المثقفون السوريون عموماً يعانون من تحجيم دورهم ومحاولات إخضاعهم للسلطة، كان المثقف العلوي يعاني، في كثير من الأحيان، معاناة مزدوجة: من السلطة من جهة، ومن البيئة التي ينتمي إليها من جهة أخرى، في حين وجد بعض نظرائه من المكونات الأخرى سنداً اجتماعياً في بيئاتهم.
ولا يعني ذلك غياب المواهب العلوية، وإنما يعني أن البيئة الاجتماعية والسياسية لم تساعد كثيراً على تحويل هذه المواهب إلى مشاريع فكرية وثقافية مستقلة، ومن حاول منهم ذلك دفع ثمناً كبيراً.
ولعل الملاحظة الأشد قسوة أن بعض الأسماء العلوية في المجال الثقافي والسياسي التي أتيح لها الانتشار كانت تلك التي أبقت على صلة وثيقة بعباءة الطائفة، وبالتالي بالسلطة. أما من فكوا عرى هذا التواصل، فقد همشوا ولم تتح لهم فرص كافية للانتشار والظهور.
و بالنظر إلى البيئة اﻻجتماعية العلويين نجدها بيئة متساهلة وغير متشددة حيال من يشقون عصا الطاعة بوجه رجال الدين والزعامات الاجتماعية المختلفة، لذلك وجدنا الفترة التي تزيد على ثلثي العقد المنصرم، قدمت شخصيات هامة للحركة الثقافية واﻻبداعية السورية ،بينما تراجع هذا مع تشديد القبضة الأمنية على السوريين جميعا والعلويين خصوصا و كما زاد الأمر صعوبة تحالف الحاضنة الشعبية مع النظام في محاربة من يفكر بالخروج على السائد.
فالتعليم يمكن أن يمنح الإنسان شهادة، لكنه لا يمنحه بالضرورة الشجاعة الفكرية. ويمكن أن يفتح له أبواب الوظيفة، لكنه لا يفتح بالضرورة أبواب السؤال. والإبداع يبدأ، في جوهره، عندما يجرؤ الإنسان على طرح السؤال الذي لا يريد الآخرون سماعه.
من هنا، أعتقد أن العلويين مقبلون على تحولات اجتماعية وفكرية عميقة، ستفرضها نهاية الأسدية وتغير موقع الطائفة في المجتمع السوري، كما ستفرضها الحاجة إلى إعادة تعريف العلاقة مع بقية السوريين على أساس المواطنة لا الخوف، وعلى أساس المشاركة لا الاحتماء.
والتخلص من إرث الأسدية لا ينبغي أن يعني فقط التخلص من نظام سياسي، بل التخلص أيضاً من بعض البنى الذهنية التي تركها وراءه: الخوف، والانغلاق، والاحتماء بالطائفة، وربط المستقبل بالسلطة، وتحويل التعليم من وسيلة لتحرير الإنسان إلى وسيلة للحصول على وظيفة.
ولعل التخلص من عقدة الأقلوية هو أحد أهم أبواب الخروج من هذا المأزق. فالمواطنة الحقيقية لا تحتاج إلى أكثرية تحمي أقلية، ولا إلى أقلية تخشى أكثرية؛ بل تحتاج إلى دولة تحمي الجميع بالقانون.
عندها فقط يستطيع ابن القرية الجبلية الذي تعلم كي يصبح موظفاً أن يخطو الخطوة التالية: أن يتعلم كي يصبح إنساناً حراً. وعندها ربما نكتشف أن المشكلة لم تكن يوماً في قدرة العلويين على الإبداع، وإنما في البيئة التي لم تمنح الإبداع طويلاً فرصته الكاملة للظهور

