نحو فهم جديد للمسألة الدرزية في سوريا
الدروز طوال فترة استقرارهم فيما عُرف بجبل العرب أو السويداء أو جبل الدروز، لم يتعرضوا بالمطلق لأي اضطهاد ديني، ولم تحتفظ ذاكرتهم بأي لحظة تؤسس لمظلومية تجاه محيطهم السوري

إيمان أبو عساف- العربي القديم
سأترك لحظة التشكل التاريخي الأولي للدروز لمن يهتم بذلك من علماء التاريخ والأديان والمذاهب. وما سأبحثه في قضية دروز سوريا مختلف تماماً عن كل الشروح التقليدية التي قدمت لتوصيف تلك الحالة الصدامية بين السلطة وبينهم.
المنهجية الجديدة في مقاربة القضية
المتتبع لتاريخ الدروز يدرك أنهم كانوا يعبرون، قبل استقرارهم في سوريا، مسارات تتعلق بالخلاف الطائفي مع المحيط. لكن من المهم الإشارة إلى أنهم، كمذهب، لم تكن العدائية من طبيعتهم؛ بل يعود ذلك إلى تأثرهم سوسيولوجياً بعقيدتهم التي تنهي بشكل نهائي عن الصدام والاقتتال مع المختلف، وقد حُسمت عملية التبشير بالمذهب حين أُقرَّ بأن القبول انتهى وأُغلقت الدعوة.
الانسحاب الجغرافي والانخراط في الهم الوطني
ما يهمني في هذا العرض هو أمر الانسحاب الجغرافي بسبب شعورهم بالتهديد الوجودي. فعندما استقر الدروز في جنوب سوريا، كانت الذاكرة الجمعية قد حفظت ذلك الهم الوجودي، لكن هذا لم يمنعهم من الانخراط في الهم الشامي، على اعتبار أن التهديد الذي يطال الوطن الجديد سيطالهم حتماً.
كان النشاط الوطني، إلى حد كبير، يشرح عملية الولاء للأرض التي وجدوا فيها مستقراً آمناً، ومحيطاً غير معادٍ طائفياً. وهنا تقتضي منهجية البحث التأكيد على أن خلافهم مع البدو كان في حقيقته صراعاً على الموارد في مكان شحيح ومحصور. البدو كانت تهمهم الأرض المشاع لترعى فيها مواشيهم، بينما الدروز كانوا مزارعين استقروا حول منابع المياه وحرسوا أرضهم. والبدو عموماً كانوا قبائل مترحلة، ولم تكن مضطرة لأي خلاف ديني أو طائفي.
الاستقرار والذاكرة الخالية من الاضطهاد
من الجدير بالذكر أن الدروز، طوال فترة استقرارهم فيما عُرف بجبل العرب أو السويداء أو جبل الدروز، لم يتعرضوا بالمطلق لأي اضطهاد ديني، ولم تحتفظ ذاكرتهم بأي لحظة تؤسس لمظلومية تجاه محيطهم السوري. لذلك كانت الصدمة مروعة في تموز عام 2025.
الصدمة التاريخية والزلزال الوجودي
لقد أحدث صدام الحكومة السورية والعشائر ما يسمى “الصدمة التاريخية”، إذ تشكّلت تلك الهجمة لتكون الحدث التاريخي الأول الذي طالهم لأسباب طائفية. كانت الهزة وجدانية وتاريخية، محدثةً زلزالاً وجودياً حرّك المستقر الأركيولوجي في الوجدان الجمعي للدروز. وبعد ذلك، أخذت الصدمة شكل اهتزازات ترددية تختلف بقوتها وأشكالها.
وللأمانة التاريخية، يجب أن نحدد أن ما طال دروز السويداء لم يكن شعوراً عُمِّم أو تكون لدى الدروز أينما كانوا في بلاد الشام. هنا أريد التأكيد أن الخلاف برمته كان سياسياً، استطاعت قوى إقليمية، بحكم السياقات في سوريا، أن تحوله إلى بعد طائفي. والمختلف في هذا الصراع هو إصرار الدروز على الانسحاب الجغرافي والهوياتي، وهي غريزة وجودية بحتة. وبهذا يتأكد أنه لا سابقة تاريخية لدروز الجنوب في رغبة الانفصال. فعندما قامت فرنسا بتقسيم سوريا طائفياً، متعمدة التأسيس للتفريق والاستحكام، لم تكن دولة جبل الدروز قد طالبت مطلقاً بذلك، ولكن عند حصول التقسيم، تأسست دولة جبل الدروز كما اقتضت سياسة فرنسا مع جميع المكونات.
النفوذ الإسرائيلي واستغلال الفجوة
وهنا علينا أن نشرح كيف استطاعت إسرائيل النفاذ عبر هذا الانهيار في العلاقة، عارضةً نفسها كحامية للدروز. ولن أظلمها أبداً؛ فهي كدولة قامت أساساً على سرديات دينية، تريد استمرار ادعائها عبر رعايتها لكيانات مستقلة، وقد وجدت في هذه الفجوة منفذاً مثالياً لتعزيز نفوذها.
الاستجابة المعقدة والتشكل الجديد
الاستجابة كانت رد فعل ناتجاً عن صدمة معقدة التركيب والتشكل. هنا نأتي على صدمة دخلت في اللاشعور الأنثروبولوجي الجمعي، والإحساس بعودة “المكان المرتجّ”. تحرك الدروز مع محيطهم حسب الظرف عبر غريزة التكيف. فعندما كان الأسد متسلطاً، كان جميع السوريين يخافون من بطش الآلة العسكرية والأمنية للنظام. لكن الدروز اليوم يقبعون في ظل المظلومية التي لم تأخذ مسار العدالة الانتقالية؛ إنها مظلومية الطائفة التي تنسحب، محاولةً تسييج نفسها وجودياً بأسوار من وهم.

