الرأي العام

عن مجزرة التضامن واقتصاد الحقيقة وحراس بوابتها: من يملك موت السوريين؟

الباحث يقول إنه ليس طبيباً شرعياً، والآلية الدولية تجمع الأدلة وتحفظها وتحللها لدعم المساءلة الجنائية، والنيابة تحقق في الجريمة، والمنظمة الحقوقية توثق، والصحفي ينشر، والجامعة تبحث، وفي النهاية قد لا يكون أحد مختصاً بأن يقول لأم: هذا ابنك.

براء موسى – العربي القديم

هذه مادة طويلة، نعم، وأطول مما يحتمله فيسبوك على الأرجح، لكن يبدو أن 29 فيديو وسبع سنوات من انتقالها بين المصادر والباحثين والجامعات والصحف والمنظمات والنيابات والآليات الدولية وصنّاع الأفلام تحتاج أكثر من “بوست أبو دقيقتين”. والزبدة لمن لا يريد ارتكاب كل هذه الكلمات: كلما بحثت أكثر في قصة فيديوهات التضامن، أصبحت أقل اهتمامًا بالسؤال السهل: “هل أخفى فلان الأدلة؟”، وأكثر اهتمامًا بالسؤال الأصعب: من كان يملك ماذا، منذ متى، ولمن أعطاه، ومن بقي ينتظر خارج الباب؟ لأنني حتى الآن لا أملك وثيقة تثبت أن أنصار شحود أو أوغور أوميت أونغور (Uğur Ümit Üngör) أو دمر سليمان أو غيرهم حجبوا الأدلة بدافع سياسي أو طائفي أو رغبة في الشهرة، ولا أريد أن أستبدل التحقيق بالشتيمة. لكنني أملك ما يكفي لأسأل لماذا احتاجت الحقيقة السورية إلى هذه الرحلة الطويلة بين أشخاص ومؤسسات وبلدان قبل أن تصل، في حالات بعينها، إلى الناس الذين كانت الحقيقة تخصهم أكثر من الجميع: العائلات.

من هم الأشخاص الذين نتحدث عنهم أصلاً؟

قبل الدخول في التفاصيل، هناك تصحيح ضروري لكلمة استخدمتها أنا وغيري كثيرًا: “الفريق”. هذه الكلمة توحي بأننا نتحدث عن مجموعة واحدة، لها قيادة واحدة ومعلومات واحدة وصلاحيات واحدة، بينما ما تكشفه المواد المتاحة أكثر تعقيدًا. نحن أمام سلسلة من الأشخاص اختلفت أدوارهم ومراحل دخولهم إلى القصة، ولذلك لا يجوز تحميل أحد منهم تلقائيًا مسؤولية الآخر.

في أول السلسلة يوجد يزن جمعة ويوسف جمعة، الشقيقان اللذان كشف تحقيق قتيبة ياسين قصتهما لاحقًا، واللذان يقولان في التحقيق إنهما عثرا على مجموعة التسجيلات واتخذا قرار الحفاظ عليها بدل محوها، ثم ساهما في إخراجها من سوريا. وهما بهذا المعنى مصدران أصليان للمادة، لا أتعامل معهما باعتبارهما عضوين في فريق أنصار شحود وأوغور أونغور. بعدهما تأتي أنصار شحود وأوغور أوميت أونغور، الباحثان اللذان ارتبط اسماهما بالتحقيق البحثي الذي تعقب أمجد يوسف ثم خرج إلى العالم؛ ويظهر دمر سليمان ضمن دائرة العمل والتعاون التي تحدث هو نفسه لاحقًا عن تجربتها وخلافاتها وانقسامها؛ كما يظهر اسم مهند أبو الحسن في محيط هذا العمل وفي أدوار مرتبطة بالترجمة والعمل خلف الكواليس، وقد شاهدته أنا شخصيًا ظاهرًا في فيلم “قتل آنا” (Killing Anna) عند عرض الفيلم، من دون أن يعني ذلك أنني أنسب إليه مسؤولية عن كل قرارات التحقيق أو أقول إن ظهوره في الفيلم يجعله تلقائيًا شريكًا في كل ما فعله الباحثون.

هذا التفريق ليس حذلقة لغوية، بل مفتاح التحقيق كله: المصدر ليس الباحث، والمترجم ليس صاحب الأرشيف بالضرورة، ومن شاهد تسجيلًا ليس بالضرورة من امتلك المجموعة، ومن شارك في مرحلة لا يتحمل تلقائيًا قرارات مرحلة أخرى. لذلك لن أسأل بعد الآن السؤال الكسول: “ماذا فعل الفريق؟”، بل السؤال الأدق: ماذا كان يعرف يزن جمعة ويوسف جمعة؟ ماذا وصلت إليه أنصار شحود وأوغور أونغور؟ ماذا كان يعرف دمر سليمان؟ وما الدور الفعلي لمهند أبو الحسن؟ وفي أي تاريخ دخل كل واحد منهم إلى القصة، وأي مادة شاهد أو امتلك أو استطاع الوصول إليها، ولمن نقلها، وما القرار الذي كان يملك فعلًا سلطة اتخاذه؟

المصدر ليس الباحث، والمترجم ليس صاحب الأرشيف بالضرورة، ومن شاهد تسجيلًا ليس بالضرورة من امتلك المجموعة، ومن شارك في مرحلة لا يتحمل تلقائيًا قرارات مرحلة أخرى

ليست ملكاً لمن وصل إليها أولاً

لنبدأ من شيء بسيط جدًا: فيديوهات التضامن ليست ملكًا ليزن ويوسف جمعة لأنهما عثرا عليها، وليست ملكًا لأنصار شحود وأوغور أونغور لأنهما حققا فيها، وليست ملكًا لدمر سليمان أو مهند أبو الحسن لأنهما دخلا في دوائر العمل المرتبطة بها، وليست ملكًا لجامعة أمستردام ولا للغارديان (The Guardian) ولا نيو لاينز (New Lines) ولا بيلينغكات (Bellingcat) ولا فرنسا ولا ألمانيا ولا هولندا، وبالتأكيد لا تصبح ملكًا للحكومة السورية الجديدة لمجرد وصول نسخة إليها. قد تكون النسخة في حيازة أحد هؤلاء، وقد تكون على جهة ما التزامات قانونية تمنعها من نشرها، وقد تكون للمصدر حقوق يجب احترامها، لكن الأشخاص الذين يظهرون داخل الملفات ليسوا “موادهم”. هؤلاء ضحايا سوريون في اللحظات الأخيرة من حياتهم، وبعضهم بقي سنوات مجرد وجه بلا اسم. حيازة الملف شيء، وامتلاك الحقيقة الموجودة داخله شيء آخر.

المسار الذي نستطيع تثبيته يبدأ بوصول مجموعة التسجيلات، بعد رحلة يزن ويوسف معها، إلى الباحثين في أوروبا سنة 2019. الرقم الذي عرفناه سنوات كان 27 تسجيلًا، وبعد سنوات من العمل السري نُشر تحقيق الغارديان ونيو لاينز في 27 نيسان 2022. لكن توجد نقطة ينبغي ألا تضيع في أي نقد للباحثين: المواد لم تبقَ كلها في أدراجهم. توجد روايات منشورة، بينها ما قاله دمر سليمان، تفيد بأن مواد وصلت إلى الآلية الدولية المحايدة والمستقلة وإلى جهات قضائية أوروبية، كما وثقت الغارديان تسليم مواد التحقيق إلى محققين في فرنسا وألمانيا وهولندا. هذه الوقائع يجب تسجيلها كما هي، لأن التحقيق الذي يخفي الوقائع التي لا تناسب غضبه لا يعود تحقيقًا.

جميل، بل ممتاز، لكن هنا لا ينتهي السؤال وإنما يصبح أكثر إحراجًا: ماذا حدث بعد التسليم؟ إذا كانت آلية دولية وسلطات قضائية أوروبية قد استلمت مواد من هذا الملف، فما الذي استلمته كل جهة تحديدًا وما الذي فعلته به؟ هل استلمت المجموعة كلها أم أجزاء منها، وهل كانت بينها مادة الأطفال في الغرفة المظلمة، وهل استلمت الملفات الأصلية أم نسخًا منها، وهل حُفظت البيانات الوصفية (Metadata) والبصمات الرقمية (Hashes) التي تساعد في التحقق من سلامة الملفات، وكم ضحية جرى التعرف إليها، وهل وُجد مسار مفهوم للعائلة السورية التي لا تعرف أصلًا أي مؤسسة في أي بلد تحمل فيديو قد يظهر فيه ابنها؟ عبارة “سلّمنا الأدلة للجهات المختصة” مهمة، لكنها ليست نهاية القصة؛ إنها بداية السؤال التالي: ماذا فعلت الجهات المختصة بها؟

وهذا يصحح سؤالًا كنت أطرحه سابقًا: “لماذا لم تسلم نسخة إلى آلية مستقلة تعمل مع العائلات؟” الأدق اليوم أن الباحثين يقولون إن مواد سُلّمت بالفعل إلى آلية دولية وجهات قضائية، ولذلك يصبح السؤال: أين أثر هذا التسليم على حق العائلات في المعرفة؟ فإذا كانت المؤسسة الدولية مهمتها جمع الأدلة وحفظها وتحليلها ودعم المساءلة الجنائية، ولم يكن التعرف إلى الضحايا والتواصل مع أسر المفقودين جزءًا مباشرًا من مهمتها، فمن كان يفترض أن يقوم بهذا الجزء؟

عندما يصبح الجميع مختصاً بشيء ولا أحد مختصًا بالأم

هنا قد نكتشف في النهاية أن المشكلة ليست مؤامرة أحد، بل شيئًا أبرد وأكثر قسوة: السوري وقع في الفراغ بين عشر مؤسسات، كل واحدة مختصة بشيء؛ الباحث يقول إنه ليس طبيبًا شرعيًا، والآلية الدولية تجمع الأدلة وتحفظها وتحللها لدعم المساءلة الجنائية، والنيابة تحقق في الجريمة، والمنظمة الحقوقية توثق، والصحفي ينشر، والجامعة تبحث، وفي النهاية قد لا يكون أحد مختصًا بأن يقول لأم: هذا ابنك. وإذا كان الأمر كذلك، فهذه ليست براءة للنظام؛ هذه إدانة لتصميمه.

والأغرب أن المادة لم تكن أصلًا محفوظة داخل خزنة لا يراها أحد بسبب “بشاعتها”. نحن نعرف أنها انتقلت، بدرجات مختلفة، إلى باحثين ومنظمات حقوقية وصحافة وجهات قضائية، ولذلك لم يكن السؤال يومًا: “هل يجوز لأي أحد غير أصحاب التحقيق أن يرى هذه المواد؟” لأن آخرين رأوا أجزاء أو مواد منها فعلًا. السؤال الحقيقي هو: من كان يدخل إلى دائرة الثقة، ومن كان يبقى خارجها، وما القاعدة التي حكمت هذا الفرق؟

هذه نقطة أساسية لأن حجة “حماية الضحايا” تُطرح أحيانًا كما لو أن أمامنا خيارين لا ثالث لهما: إما أن نرمي جثث الناس على الإنترنت، أو نخفي المادة. لكن الواقع نفسه يقول إن خيارًا ثالثًا كان موجودًا وممارسًا: الوصول الانتقائي. باحث يرى، منظمة حقوقية ترى، وسيلة إعلام ترى، مدعٍ عام يرى، وتصل أجزاء من القصة والمواد إلى صناعة فيلم. إذن المسألة لم تكن استحالة المشاركة، بل شروط المشاركة، ومن هنا يصبح من المشروع أن نسأل من كتب هذه الشروط وما إذا كانت القاعدة نفسها تطبق عندما يطرق الباب صحفي أو منتج دولي وعندما تطرقه عائلة سورية تبحث عن طفل.

أب عرف ابنه من طريقة ركضه

عندما نُشر جزء من المادة سنة 2022، بدأت عائلات بالتعرف إلى ضحاياها، ووثقت الصحافة التعرف إلى عدد منهم، ومن بينهم وسيم صيام الذي تعرف إليه والده من طريقة ركضه. لا توجد خوارزمية هنا ولا مختبر خارق؛ أب يعرف ركضة ابنه، وهذه التفاصيل الصغيرة تسحق أحيانًا مكتبة كاملة من التنظير الأخلاقي، لأن الجمهور في هذه الحالة لم يكن جمهورًا يتفرج على الموت فقط، بل كان بينه آباء وأمهات وإخوة يبحثون عن شخص اختفى.

ولهذا كان اعتراض منصور العمري من داخل المجال الحقوقي نفسه مهمًا، ليس لأن موقفه يصبح الحقيقة الأخلاقية الوحيدة المقابلة، بل لأنه يهدم الفكرة المريحة بأن “الحجب” هو تلقائيًا الموقف الأكثر احترامًا للضحية. هناك حق للضحية في الكرامة، نعم، وهناك أيضًا حق لها في ألا تبقى مجهولة الاسم داخل ملف محمي بكلمة مرور إلى الأبد. أنا لا أطالب بنشر الأطفال المقتولين على فيسبوك ولا بتحويل الجثث إلى محتوى، لكنني أرفض الاختصار الكسول الذي يجعل كل إتاحة إهانة وكل حجب احترامًا؛ أحيانًا يكون حجب الوجه حمايةً للضحية، وأحيانًا يكون ظهور الوجه هو الشيء الوحيد الذي يعيد إليها اسمها.

27  فيديو أصبحت 29

ثم جاءت الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا سنة 2025، وأصبح هناك، على الأقل رسميًا، جسم سوري مهمته البحث عن المفقودين وتوثيق الحالات وبناء قاعدة بيانات. وفي أيار 2026 وصلت إليه 29 مادة مصورة عبر “منظمة حقوقية سورية وسيطة” لا يزال اسمها غير معلن علنًا بحسب ما استطعت الوصول إليه. وهنا يعود السؤال: إذا كانت نسخ أو أجزاء من المواد موزعة منذ سنوات بين آلية دولية وجهات قضائية أوروبية، فلماذا كان على الهيئة السورية أن تحصل على مجموعتها سنة 2026 عبر المصدرين الأصليين ووسيط حقوقي سوري؟ هل لأن النسخ السابقة لم تكن كاملة، أم لأن الجهات التي تملكها لا تستطيع قانونًا مشاركتها، أم لأن المسارين منفصلان تمامًا؟ لا أعرف، وهذا “لا أعرف” ليس نقطة ضعف في المادة؛ الغريب أن جوابًا يفترض أن يكون مؤسسيًا وبسيطًا كهذا لا يبدو واضحًا علنًا حتى الآن.

ثم لدينا تفصيل صغير يؤلمني مثل كثيرين: التحقيق الأصلي ظل يتحدث عن 27 مادة، بينما وصل إلى الهيئة 29 فيديو. ربما التفسير تافه تقنيًا، وربما هناك مادتان إضافيتان، وربما هي طريقة مختلفة في عد الملفات، لكن لماذا علينا أن نخمن أصلًا؟ لا أطلب مشاهدة جثة، بل قائمة توصيف للملفات (Manifest) تتضمن ما يمكن نشره من رموز الملفات وأحجامها ومددها وتواريخها وبصماتها الرقمية. سؤال الـ27 والـ29 يمكن حله من دون إظهار وجه ضحية واحدة.

أما “المنظمة الحقوقية السورية الوسيطة”، فهذه قصة صغيرة جميلة في بيروقراطية الحقيقة. نعرف باريس وبروكسل والتواريخ ووسيط التخزين وعدد الفيديوهات والمصدرين، ثم عندما نصل إلى اسم المؤسسة التي حملت الدليل بين الطرفين نصاب فجأة بالتجريد اللغوي: “جهة حقوقية سورية وسيطة”. من هي، ولماذا لا يعلن اسمها؟ هل طلبت هي ذلك، أم السبب أمني أو قانوني أو متعلق بحماية المصدرين؟ لا أعرف، ولذلك لن أخترع واحدًا، لكن من حقي أن أستغرب هذه الذاكرة الخارقة التي تحفظ المدينة واليوم ووسيط التخزين ثم تصاب بالخجل عند اسم المؤسسة.

تفصيل صغير يؤلمني مثل كثيرين: التحقيق الأصلي ظل يتحدث عن 27 مادة، بينما وصل إلى الهيئة 29 فيديو. ربما التفسير تافه تقنيًا، وربما هناك مادتان إضافيتان، وربما هي طريقة مختلفة في عد الملفات، لكن لماذا علينا أن نخمن أصلًا؟

يزن ويوسف: المصدر أيضاً جزء من سلسلة المسؤولية

والآن بعدما عرفنا اسمي المصدرين، يصبح من غير المنطقي أن تنتهي مساءلتنا عند الباحثين. يزن جمعة ويوسف جمعة يستحقان تقديرًا حقيقيًا على قرار إنقاذ التسجيلات؛ فلولا أن شخصًا قرر في لحظة ما ألا يمحو هذه المواد ربما لم نكن نعرف شيئًا من هذه القصة أصلًا. لكن الفضل لا يلغي السؤال، كما أن السؤال لا يلغي الفضل.

إذا كان الشقيقان قد عرفا المجموعة قبل الجميع تقريبًا، فما الذي عرفاه عن محتوياتها؟ هل شاهدا التسجيلات كلها؟ متى عرفا بوجود فيديو الأطفال؟ هل حاولا التعرف إلى الأشخاص الظاهرين في المواد؟ وما الشروط التي وضعاها عندما انتقلت التسجيلات إلى آخرين؟ هذه ليست أسئلة اتهام، بل جزء طبيعي من سلسلة حيازة الحقيقة. فإذا كنا سنطالب أنصار وأوغور ودمر والمؤسسات الأوروبية والهيئة السورية بشرح ما عرفوه وما فعلوه، فلا معنى لأن نتوقف عندما نصل إلى الحلقة الأولى.

أطفال رانيا: أربع كلمات قد تساوي أربع سنوات

ثم هناك عائلة رانيا العباسي، وهنا تبدأ الأشياء التي لا أستطيع التعامل معها كتمرين جامعي عن أخلاقيات الأرشيف. ستة أطفال وعائلة بحثت عنهم ثلاثة عشر عامًا. حسان العباسي لم يجلس ينتظر؛ تتبع إشاعات وصورًا وشهادات وطرق أبوابًا كثيرة، وكان له دور حقيقي في إعادة طرح احتمال ارتباط الأطفال بالتضامن، وتواصل مع أشخاص من الدائرة المرتبطة بالتحقيق وأرسل صور الأطفال. وتقول رواية العائلة إن جوابًا نُسب إلى أنصار شحود وصل بعد المقارنة بمعنى: “الحمد لله، مو أطفالكم”، ثم ظهر لاحقًا أن الأطفال أنفسهم موجودون في المادة.

أنا لا أملك الرسالة الأصلية، ولذلك لن أكتب أن أنصار “كذبت”. أريد سؤالًا أقل إثارة وأكثر قسوة: إذا لم يكن تحديد الهوية من اختصاص الباحث أصلًا، فكيف صيغ الجواب للعائلة؟ “لا أستطيع التأكد” ليست “ليسوا هم”، و”لم أجد تطابقًا” ليست “الحمد لله مو أطفالكم”. أربع كلمات أحيانًا تستطيع أن تغلق على عائلة بابًا أربع سنوات، وإذا كانت الرواية الدقيقة مختلفة فالوثيقة الأصلية وحدها هي التي تستطيع أن تقول ذلك.

لكن المشكلة الأكبر من جواب شخص بعينه هي أننا سمحنا أصلًا بأن يصبح جواب شخص واحد بهذه الأهمية. لو كان هناك منذ 2022 أرشيف مستقل وفهرس للمواد وآلية بحث ومطابقة تعمل مع العائلات، لما كان يفترض أن يتعلق مصير ستة أطفال بجواب باحث أو بذاكرته، ولا بأن يتذكر أحد صورة شاهدها قبل سنوات، ولا بأن يعرف حسان فلانًا الذي يعرف فلانًا. عندما يصبح الفرد بوابة تدخل معه كل مشاكل البشر: حسن النية وسوئها، الدقة والخطأ، التعاطف والغرور، السياسة والخصومة، الذاكرة والنسيان.

وهل تصبح المأساة هوية لصاحبها؟

لكن الإنصاف يفرض ألا أحول الطرف الآخر تلقائيًا إلى شخصية مقدسة لأن مأساته لا تحتمل الوصف. وهنا أصل إلى حسان العباسي نفسه. لا أشكك لحظة في حق الرجل في البحث عن أخته وأطفالها، ولا أزعم أنني أعرف ما في داخله، بل إن جزءًا مهمًا من إعادة فتح الخيط جاء من إصراره، لكن هناك سؤالًا أخلاقيًا لا ينبغي أن يصبح محرّمًا لمجرد أن صاحبه قريب الضحية: أين ينتهي استخدام الإعلام كأداة للبحث عن العائلة، وأين يبدأ تحول المأساة العائلية إلى حضور إعلامي للشخص الذي يتحدث باسمها؟

أنا لا أملك حق الإجابة عن نيته، لكن لدي حق مراقبة ما هو علني. وفي رحلة البحث نفسها ظهرت أيضًا ادعاءات ثبت لاحقًا خطؤها، وهذا مفهوم في بحث يائس استمر أكثر من عقد، لكنه يذكّر بقاعدة ينبغي أن تسري على الجميع: المأساة لا تجعل المعلومة صحيحة، والقرابة من الضحية لا تمنح حصانة من التدقيق، تمامًا كما أن لقب “باحث حقوقي” لا يمنحها.

وأحيانًا تتحول المأساة، من دون أن يشعر صاحبها وربما رغمًا عنه، إلى هوية عامة للشخص الذي يحملها؛ يصبح “أخو فلانة” أو “خال الأطفال”، تتصل به الشاشات، يصبح وجه القضية، ويصعب مع الوقت الفصل بين الدفاع عن القضية والحضور الشخصي الذي صنعته القضية. هل حدث هذا مع حسان؟ لا أملك دليلًا يسمح لي بإصدار الحكم، ولذلك لن أصدره، لكن السؤال مشروع كما أن طرحه لا يلغي دوره الحقيقي في البحث عن الأطفال. وإذا كنا نريد مساءلة الجميع فلا يمكن أن تكون لدينا قداسة انتقائية: لا أنصار مقدسة لأنها ساهمت في كشف مجزرة، ولا حسان مقدس لأنه خال الأطفال، ولا يزن ويوسف مقدسين لأنهما أنقذا التسجيلات، ولا الهيئة مقدسة لأنها مؤسسة دولة، ولا الآلية الدولية مقدسة لأنها أممية.

“الأخلاق” ليست بطاقة عمل

وبالمعيار نفسه أصل إلى الأشخاص الذين عملوا في محيط التحقيق. الحديث المتكرر عن “الأخلاق” و”كرامة الضحايا” و”المهنية” يجعلني مهتمًا بسؤال آخر: من هم الأشخاص الذين كانوا يحددون عمليًا حدود هذه الأخلاق؟ وجود شخص داخل مشروع حقوقي لا يحوله تلقائيًا إلى شخص حقوقي في كل سلوكه؛ المترجم ليس أقل خضوعًا لهذا السؤال من الباحث، والموثق ليس أقل منه، ومن يعمل مع منظمة إنسانية لا تأتي بطاقة عمله مع شهادة تفوق أخلاقي صالحة مدى الحياة.

وهنا أذكر مهند أبو الحسن بالاسم، لا لأنني أريد تحميله قرارات لا أعرف أنه اتخذها، بل لأنني لا أريد في الوقت نفسه أن يبقى الكلام عن “أشخاص في محيط العمل” غائمًا بينما أعرف عمن أتحدث. أنا شخصيًا شاهدت مهند ظاهرًا في فيلم “قتل آنا”، واطلعت كذلك على مواد خاصة منسوبة إليه تجعلني أطرح أسئلة قاسية جدًا عن المسافة الممكنة بين الخطاب الحقوقي والإنساني العلني والخطاب الشخصي، وخصوصًا عندما يتعلق الكلام بالإهانات أو التعميمات العنصرية والطائفية. لكن بما أن هذه المواد الخاصة ليست منشورة ومتحققة أمام القارئ هنا، فلن أحولها إلى لائحة اتهام ولن أنسب إليه جملة محددة لا أضع دليلها أمام الناس.

وهذه الحدود مهمة: ظهوره في الفيلم لا يثبت أنه صاحب قرار بشأن الأرشيف، وما اطلعت عليه من خطاب شخصي، حتى لو ثبتت نسبته، لا يجعل تحقيق التضامن باطلًا ولا يغير حقيقة فيديو أمجد يوسف. لكن عندما تصبح الأخلاق نفسها جزءًا من الحجة التي تحيط بقرارات الوصول والحجب وحماية الضحايا، فمن المشروع أن نسأل كيف صيغ المعيار الأخلاقي للمشروع ومن كان يطبقه، وهل كان هناك ميثاق مكتوب أو لجنة أخلاقيات أو إشراف جامعي أو بروتوكول منشور أو معايير متساوية للوصول، أم كانت القرارات في النهاية اجتهادات بشر لكل واحد منهم مواقفه وانفعالاته وعلاقاته وخصوماته مثلنا جميعًا؟

وبالمحكية التي أفهمها أحيانًا أكثر من أدبيات المنظمات: “شو لمّ الشامي ع المغربي؟” وأنا صرت أسأل النسخة الجدية من العبارة: ما الذي جعل هذه الدائرة تحديدًا صاحبة سلطة تقرير أخلاقي حول أرشيف بهذا الحجم؛ الخبرة الأكاديمية، العلاقة بالمصادر، ثقة الجامعة، تفويض جهة قضائية، أم ببساطة أن الفيديو وصل إلى بعض أفرادها أولًا؟ لأن الوصول المبكر إلى الدليل ليس تفويضًا أخلاقيًا دائمًا.

ما الذي جعل هذه الدائرة تحديدًا صاحبة سلطة تقرير أخلاقي حول أرشيف بهذا الحجم؛ الخبرة الأكاديمية، العلاقة بالمصادر، ثقة الجامعة، تفويض جهة قضائية، أم ببساطة أن الفيديو وصل إلى بعض أفرادها أولًا؟

أنصار شحود: من الشخصية إلى تضارب المصالح

وهذا يقود إلى أنصار تحديدًا. أنا أعرفها شخصيًا، ولذلك عندي انطباعات شخصية عنها لا تهم القارئ ولا تثبت شيئًا. لا أحتاج أن أصفها بالنرجسية، ولا أن أقرر أنها تحب الشهرة، لأن هذا يحول القضية من أرشيف يمكن تدقيقه إلى معركة شخصيات. لدي سؤال يستطيع القارئ أن يحاكمه بنفسه وهو أقسى من أي تشخيص نفسي: هل ولد من حصرية الوصول إلى هذه المادة رأسمال مهني وإعلامي وأكاديمي؟

القضية أصبحت تحقيقًا عالميًا وأبحاثًا أكاديمية وبودكاست وتغطيات وتقديرًا مهنيًا، ثم فيلمًا وثائقيًا دوليًا هو “قتل آنا” (Killing Anna). هذا لا يعني أن أنصار باعت دليلًا، ولا أن أحدًا أخفى طفلًا من أجل فيلم، ولا أن أحدًا تقاضى ثمنًا مقابل منع عائلة من الوصول إلى مادة، ولا أملك دليلًا يسمح لي بأي واحدة من هذه العبارات، لكنه يعني شيئًا أبسط: الحصرية كانت ذات قيمة، وعندما تكون الحصرية ذات قيمة يصبح السؤال عن تضارب المصالح واجبًا صحفيًا لا تشهيرًا.

ما الذي شاهده صنّاع الفيلم، وهل شاهدوا مواد غير منشورة، ومن أعطاهم الإذن، وهل كانت التسجيلات السرية وحدها أم فيديوهات القتل أيضًا، وهل دُفع مقابل حقوق استخدام أي مادة ولمن، وهل تلقى الباحثون أجرًا لقاء مشاركتهم؟ لا أعرف، ولذلك لا أتهم. وأنا شاهدت بنفسي في الفيلم مهند أبو الحسن، وهذا يؤكد بالنسبة إليّ أن الدائرة البشرية التي وصلت إليها قصة التحقيق داخل الإنتاج أوسع من الاسمين اللذين يظهران عادة في العنوان، لكنه لا يخبرني وحده بأي مادة شاهد مهند أو بأي قرار شارك.

المفارقة التي أريد تفسيرها أبسط: عندما تسأل العائلة عن المادة تدخل كلمات مثل “خصوصية الضحايا” و”الاختصاص” و”التحقيق” إلى الغرفة، وعندما تتحول القصة إلى فيلم دولي نجد منتجين وممولين وموزعين ومهرجانات وحقوق عرض. ربما لا توجد أي مفارقة قانونية فعلًا، وربما المواد التي استُخدمت مختلفة تمامًا، وربما كل شيء جرى وفق أعلى المعايير؛ ممتاز، إذن ما هي هذه الحدود؟

الوجه الخطأ لحارسة البوابة

ثم هناك قصة صورة أنصار، وهي تبدو تفصيلًا سخيفًا أمام المقابر، لكنها تلخص شيئًا من المشكلة. لسنوات انتشرت صورة باعتبارها صورة أنصار، ثم ظهر تحقق صحفي يقول إنها ليست لها وإنما لصحفية سورية أخرى. لا دليل عندي أن أنصار نشرتها أو طلبت استخدامها، ولها أسباب أمنية مفهومة جدًا لإخفاء وجهها أثناء العمل السري، لكن كيف يمكن لشخصية أصبحت مرجعًا عامًا في قضية بهذه الحساسية أن تنتشر صورة امرأة أخرى باسمها من دون أن يصل إلى الجمهور، طوال فترة طويلة على الأقل، تصحيح واضح يوازي انتشار الخطأ؟ ربما صححت في مكان لم أعثر عليه، ولذلك أضعها سؤالًا لا اتهامًا. المسألة ليست فضولًا لمعرفة شكل أنصار؛ هناك امرأة حقيقية أخرى حملت صورتها هوية شخص لم تكن هي.

السياسة: الشبهة ليست دليلاً

وهنا نصل إلى السؤال السياسي الأكثر حساسية. هناك سوريون يشكون في أن عدم التعاون أو التأخر في التعاون مع مؤسسات الحكومة السورية الجديدة ربما دخلت فيه مواقف سياسية من الحكومة، وبعضهم يذهب أبعد ويتحدث عن دوافع طائفية. بحثت عما يسمح لي بتبني هذا الاتهام ولم أجده؛ لا أملك رسالة تقول “لن نسلمهم لأننا ضدهم”، ولا وثيقة تثبت دافعًا طائفيًا، ولذلك لن أحول الشبهة إلى حقيقة لأنها تناسب غضبي أو رأيًا مسبقًا.

لكن غياب الدليل على الدافع لا يلغي السؤال عن السلوك. ما يمكن مساءلته ليس ما في رؤوس الناس، بل التسلسل الزمني: متى طُلبت المواد، ممن، وما الذي سُلّم، إلى أي جهة، وما القيود التي حالت دون إتاحة ما لم يُتح؟ بهذه الطريقة لا أحتاج إلى منجّم سياسي ولا إلى محلل نفسي؛ أحتاج سجلًا.

والشيء نفسه ينطبق على فرنسا وألمانيا وهولندا والآلية الدولية. لا يمكن أن نحمّل الباحث كل المسؤولية ثم نمنح المؤسسات التي استلمت المواد حصانة لأنها تحمل أسماء كبيرة. إذا كانت الأدلة أو أجزاء منها لديها منذ سنوات فهي جزء من القصة، والسؤال عنها ليس إساءة للأمم المتحدة ولا للقضاء الأوروبي، كما أن السؤال عن الهيئة الوطنية ليس إساءة للدولة السورية. المؤسسات المحترمة يفترض أصلًا أن تتحمل التدقيق.

اقتصاد الحقيقة

وهنا أصل إلى العبارة التي تلخص عندي الجزء الأكثر إزعاجًا من القصة: اقتصاد الحقيقة. لا أقصد أن أحدًا “باع الجثث”، ولا أملك دليلًا على فساد مالي من هذا النوع؛ المقصود أبسط وأشد قسوة: المعلومة النادرة تنتج قيمة. من يملك الوصول إليها يستطيع أن يبحث وينشر ويكتب دراسة ويظهر في الإعلام ويصنع فيلمًا ويبني سمعة ويؤثر في الرواية العامة. كل هذا ليس خطأ بحد ذاته؛ كشف الجريمة يستحق التقدير، والصحافة والتحقيق والسينما يمكن أن تكون أدوات للعدالة، لكن عندما تنتج مأساة الضحية قيمة لكل هذه الدوائر يصبح من حقنا أن نسأل: كم من هذه القيمة عاد إلى الضحية نفسها على شكل حقيقة؟

المصدر أنقذ الملف، والباحث حقق، والجامعة احتضنت معرفة، والصحيفة نشرت، والمنظمة وثقت، والمدعي فتح ملفًا، والأكاديمي كتب، والمنتج صنع فيلمًا، والمهرجان عرض، والجمهور شاهد، وبين كل هؤلاء يوجد شخص واحد لا يملك مؤسسة ولا بطاقة صحفية ولا جامعة ولا نيابة عامة؛ لديه فقط صورة قديمة في هاتفه ويقول: هذا ابني، أين هو؟

وبالمناسبة، هناك مفارقة لا أعرف إن كانت مضحكة أم مقرفة: السوري قضى سنوات يبحث عن قريبه بين الأفرع الأمنية والمعتقلات والمقابر الجماعية، ثم وصلنا إلى مرحلة قد يحتاج فيها أحيانًا إلى معرفة أي جامعة أوروبية وأي منظمة حقوقية وأي آلية أممية وأي مدعٍ عام وأي باحث وأي وسيط مجهول يحمل النسخة التي قد يظهر فيها قريبه. يعني حتى الموت السوري نجحنا في بيرقرطته دوليًا.

ما الذي أطلبه فعلاً؟

أنا لا أطالب برمي الـ29 فيديو على الإنترنت، ولا أريد أن أشاهد طفلًا مقتولًا لأشبع فضولي، ولا أريد أن تتحول الجثث إلى محتوى قابل للمشاركة بين إعلانين. أريد شيئًا أصعب بكثير على كل من يحب احتكار الملفات: أرشيفًا مستقلًا قابلًا للتدقيق، له فهرس علني لا يكشف ما يجب حمايته، وسلسلة حيازة (Chain of Custody) واضحة، وبصمات رقمية للملفات حيث يمكن نشرها، ودرجات وصول معلنة، ومسار خاص بالعائلات، ووصول مراقب للباحثين والصحفيين المستقلين، وسبب مفهوم لكل مادة تُحجب ومراجعة دورية لاستمرار الحجب.

إذا كان الفيديو يحتوي طفلًا فضعوا أقصى درجات الحماية، وإذا كان كشف وجه ضحية يضر بعائلتها فاطمسوا الوجه، وإذا كان هناك تحقيق جنائي قائم فاحموا ما يهدده، وإذا كانت العائلة تبحث عن ابنها فلا تجعلوها تشاهد مئات الجثث بل ابنوا نظام مطابقة محترمًا. لكن لا تقنعوني أن الكون لا يحتوي إلا خيارين: إما أن ترمي الجثث على تيك توك أو أن تضعها في درج وتقول “أخلاق”.

لأن ما حدث عمليًا لم يكن حجبًا كاملًا أصلًا؛ كان هناك وصول انتقائي، وهذا يجعل المطلوب اليوم ليس كشف كل شيء، بل كشف قواعد الوصول نفسها. عندها لا أحتاج إلى الثقة بأنصار شحود ولا بأوغور أونغور ولا بدمر سليمان ولا بمهند أبو الحسن ولا بيزن جمعة ولا بيوسف جمعة ولا بحسان العباسي ولا بالهيئة ولا بالآلية الدولية ولا بالقضاء الألماني أو الفرنسي أو الهولندي ولا بمنتج الفيلم. وليس في ذلك اتهام بأنهم جميعًا أشرار أو متآمرون، بل العكس تمامًا: هذه هي فكرة المؤسسات أصلًا؛ النظام الجيد هو النظام الذي لا يحتاج إلى ثقتي بأخلاق الأشخاص. و”احترام الضحايا” ليس كلمة سر تغلق الباب، و”سلّمناها لجهة مختصة” ليس جوابًا أبديًا، و”نحن حقوقيون” ليست رتبة أخلاقية، وكونك قريب الضحية لا يجعل كل ما تقوله صحيحًا، وكونك أنقذت الدليل أو كشفت الجريمة لا يجعلك مالكًا لها.

ربما لم تكن هناك مؤامرة أصلاً

وربما تكون الإجابة النهائية أقل إثارة من كل الشبهات. ربما لم تكن هناك مؤامرة ولا طائفية ولا رغبة متعمدة في الشهرة ولا قرار واعٍ بإخفاء أحد، وربما كان هناك شيء أكثر ابتذالًا وإيلامًا: مصادر وباحثون ومؤسسات كثيرة، اختصاصات متقاطعة، قيود قانونية، خوف، أخطاء، غرور بشري، سوء تواصل، سياسات وصول غير مفهومة، وأشخاص كل واحد منهم مقتنع بأنه فعل الشيء الصحيح، وبين كل هؤلاء ضاعت العائلة. لكن هذه الفرضية ليست مريحة كما تبدو، لأن النتيجة بالنسبة إلى الأم التي تبحث عن ابنها واحدة.

وفي النهاية: أين الضحية؟

هناك رجل تعرف إليه أبوه من طريقة ركضه في آخر ثواني حياته، وهناك ستة أطفال عرفت عائلتهم مصيرهم بعد ثلاثة عشر عامًا من البحث، وبين القصتين أرشيف بدأ عند يزن ويوسف جمعة، ثم عبر إلى باحثين وجامعات ومنظمات وآلية أممية وصحف ونيابات أوروبية ووصلت قصته إلى صناعة السينما والمهرجانات. كل واحد من هؤلاء قد يملك تفسيرًا قانونيًا أو مهنيًا أو أخلاقيًا لما فعله، وربما تكون معظم هذه التفسيرات صحيحة، لكن الضحية لا تعرف شيئًا عن “الولاية القضائية العالمية”، ولا عن “الاختصاص المؤسسي”، ولا عن “سياسة الوصول”، ولا عن الجامعة التي تحفظ الملف، ولا عن المهرجان الذي يعرض الفيلم. الضحية لديها اسم، وفي مكان ما أم أو أب أو أخ أو أخت ما زالوا يبحثون عن هذا الاسم.

لهذا لم يعد السؤال عندي: هل أنصار إنسانة جيدة أم سيئة، وهل حسان بطل أم حوّل المأساة إلى حضور إعلامي، وهل مهند أبو الحسن منسجم في حياته الخاصة مع اللغة الحقوقية التي أحاطت بالمشروع، وهل يزن ويوسف يستحقان المديح أم النقد؟ هذه أسئلة يمكن أن تكون مشروعة، لكنها أصغر من القضية. القضية الأكبر هي أن جريمة صُوّرت، وأن شخصين أنقذا تسجيلاتها من الضياع، وأن الدليل نجا وعبر الحدود ووصل إلى أيدٍ كثيرة، وأن مؤسسات متقدمة استطاعت حفظه وتحليله والتحقيق فيه والكتابة عنه وصناعة فيلم حول قصته، ثم بقي بعض الذين يظهرون داخله بلا أسماء، وبقي بعض أهلهم يبحثون.

وهنا لا يعود السؤال مجرد سؤال عن الشفافية، بل يصبح سؤالًا عن معنى العدالة نفسها: إذا كان بإمكان العالم أن يحفظ الفيديو ولا يحفظ اسم الضحية التي تظهر داخله، فماذا حفظنا بالضبط؟ وإذا كان بإمكاننا أن نعرف اسمَي يزن ويوسف اللذين أنقذا المادة، واسمي أنصار وأوغور اللذين حققا فيها، وأسماء الصحيفة والجامعة والمؤسسات والآلية الدولية والمخرج والفيلم والمهرجان، ثم لا نعرف اسم الإنسان الذي يسقط في الحفرة، فهناك شيء مقلوب في ترتيب الذاكرة. أنا لا أريد من أحد أن يعرض لي موت الضحية؛ أريد أن يعيد لها اسمها، ولا أريد أن أعرف فقط من قتلها؛ أريد أن أعرف أيضًا من عرف بمصيرها، ومتى عرف، وماذا فعل بهذه المعرفة بينما كان أهلها يسألون: أين هي؟

لا يعود السؤال مجرد سؤال عن الشفافية، بل يصبح سؤالًا عن معنى العدالة نفسها: إذا كان بإمكان العالم أن يحفظ الفيديو ولا يحفظ اسم الضحية التي تظهر داخله، فماذا حفظنا بالضبط؟

لأن مجزرة التضامن ليست ليزن جمعة ويوسف جمعة، وليست لأنصار شحود وأوغور أونغور، وليست لدمر سليمان أو مهند أبو الحسن، وليست للغارديان ولا لنيو لاينز ولا لبيلينغكات ولا لجامعة أمستردام، وليست للآلية الدولية ولا للشرطة الألمانية ولا للقضاء الفرنسي ولا للهيئة السورية ولا لفيلم “قتل آنا”. قد تكون الأدلة في حيازة بعض هؤلاء، وقد يكون لبعضهم فضل حقيقي في إنقاذها أو كشفها، وقد تكون لبعض المؤسسات مسؤوليات قانونية حقيقية تفرض السرية، لكن الحقيقة الموجودة داخلها أكبر من فضلهم وحيازتهم جميعًا؛ فالضحايا ليسوا ملفات، وليسوا مادة بحثية، وليسوا مادة أرشيفية ولا مادة لفيلم. هم أبناء ناس، وأحيانًا لا يحتاج الأب إلى خبير دولي ولا إلى خوارزمية للتعرف على الوجوه كي يعرف ابنه؛ تكفيه طريقة ركضه.

ولهذا، بعد كل ما قيل عن حماية الأدلة وحماية التحقيق وحماية الخصوصية وحماية كرامة الضحايا، وبعد أن عرفنا كيف استطاعت المادة أن تعبر من جهاز إلى جهاز ومن بلد إلى بلد ومن مصدر إلى باحث ومن باحث إلى مؤسسة ومن مؤسسة إلى مدعٍ ومن تحقيق إلى شاشة، يبقى السؤال الذي لا أستطيع تلطيفه أكثر من ذلك: إذا كانت الحقيقة استطاعت أن تجد طريقها إلى المصدر والباحث والجامعة والصحيفة والمنظمة الحقوقية والآلية الدولية والمدعي العام وصانع الفيلم والمهرجان، ثم بقيت سنوات تبحث عن الطريق إلى عائلة الضحية، فمن الذي كانت كل هذه المنظومة تحميه أولًا؟

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى