التاريخ السوري

مجزرة الجورة والقصور في ذكراها الرابعة عشرة: من دلَّ القتلة؟

من هم الملثمون الذين كانوا يرافقون فرق القتل والإجرام الأسدية حين اقتحام الحيين؟ هل هم من أبناء البلد، متطوعون في الفروع الأمنية، أم مخبرون «عواينية» يعملون لصالح تلك الفروع؟

ياسر الظاهر- العربي القديم

لم تكن مجزرة حَيَّي الجورة والقصور الوحيدة التي ارتكبها النظام الأسدي الطائفي في سورية، لكنها كانت المتفرّدة بوحشيتها المفرطة، التي راح ضحيتها أكثر من 500 شهيد خلال ثلاثة أيام، 25 و26 و27 أيلول 2012. وقد نفّذتها عناصر الحرس الجمهوري والفرقة 17، وعناصر وقيادات الفروع الأمنية بمدينة دير الزور.

وحسب شهود عيان من أصدقائي وأقاربي، فإن فرق القتل والإجرام الأسدية اقتحمت في البداية حي الجورة، منتهكةً حرمة البيوت والمباني السكنية، حيث كانت تسوق الرجال إلى المدارس والأبنية المهجورة، ثم تقوم بإعدامهم ميدانياً.

وحسب الشهود، فإن العناصر المجرمة كانت تحمل لوائح اسمية، تقوم بمطابقتها مع هويات الذين تعتقد أنهم مطلوبون، وتقوم بإعدامهم بعد أن تتأكد من أسمائهم، وهذا لا يعني أنهم كانوا يقتلون هؤلاء الواردة أسماؤهم في تلك القوائم فقط، فهم لم يستثنوا أيضا  العديد من الشيوخ والشبان والنساء والأطفال ممن لم ترد أسماؤهم في تلك اللوائح، أو ممن لم يشاركوا بأي حراك ثوري.

وأذكر من الذين قتلوا في تلك المجزرة الأديب إبراهيم خريط، وولديه، وكان يبلغ من العمر حوالي الثمانين سنة، والكاتب رشيد الرويلي، وكان عمره قد ناهز الخامسة والسبعين عاماً، وعائلة صليبي بأكملها، وطلاب جامعة وأطباء وعمال لا علاقة لهم بالحراك الثوري.

لكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن: من هم الملثمون الذين كانوا يرافقون فرق القتل والإجرام الأسدية حين اقتحام الحيين؟ هل هم من أبناء البلد، متطوعون في الفروع الأمنية، أم مخبرون «عواينية» يعملون لصالح تلك الفروع؟

إن ذكرى هذه المجزرة ليست دليلاً على وحشية وإجرام النظام فقط، بل تكشف أيضاً إلى أي حد يمكن للإنسان أن يتجرّد من إنسانيته حين يتحول الولاء للسلطة والخوف والطمع والمصلحة إلى مبرر لقتل الأبرياء.

لقد كان من شاركوا في هذه المجزرة، وهم يقتحمون البيوت، ويسوقون الرجال إلى أماكن الإعدام، ويفتشون عن أسماء في القوائم، ثم يطلقون النار على من يجدونه أمامهم، يتصرفون وكأن حياة الإنسان لا تساوي شيئاً، وكأن الطفل والشيخ والمرأة والشاب مجرد أجساد يمكن التخلص منها بلا رحمة ولا ندم.

لقد عجزت الكلمات عن وصف ذلك القدر من القسوة؛ فكيف يمكن لإنسان أن يقف أمام إنسان آخر، يعرف أنه أب أو ابن أو أخ أو زوج، ثم يقرر بدم بارد أن ينهي حياته؟ وكيف يمكن لمن عاش بين الناس، وعرف بيوتهم وأسماءهم وعائلاتهم، أن يتحول إلى دليل لفرق الموت، فيشير إلى هذا البيت وذاك الرجل، وكأن مهمته ليست تقديم إنسان إلى الموت، بل الإشارة إلى عنوان أو رقم؟

وقد لا يكون من السهل، أمام هذا السلوك، أن نتحدث عن هؤلاء بوصفهم بشراً بالمعنى الأخلاقي والإنساني للكلمة، وربما كانوا مجرد كائنات بيولوجية تحتفظ بشكل الإنسان، لكنها فقدت كل ما يجعل الإنسان إنساناً: الرحمة، والضمير، والخوف على حياة الآخر، والشعور بآلام الأمهات والثكالى والأطفال، فالإنسان لا يُقاس فقط بجسده وهيئته، وإنما بما يحمله في داخله من قيم ومشاعر وضمير، ومن يفقد هذه القيم حين يقف أمام أعزل ويقتله، أو يدلّ قاتله عليه، يكون قد فقد كل ما يربطه بالإنسانية.

والأشد إيلاماً أن بعض هؤلاء لم يكونوا غرباء عن المدينة وأهلها، بل كانوا يعرفون أحياءها وبيوتها وأسماء عائلاتها، وربما كانوا قد صافحوا ضحاياهم وجلسوا معهم في مجالس واحدة قبل أن يصبحوا أدلاء لفرق الموت.،وهنا تكمن إحدى أكثر صفحات المجزرة إيلاماً: أن القتل لم يأتِ فقط من جنود مجرمين اقتحموا المدينة، بل ساعد عليه أيضاً من عرف المدينة وأهلها، ومن كان قادراً على أن يقول «لا»، لكنه اختار أن يكون دليلاً لقاتليهم، فيشير إلى هذا البيت، وهذا الرجل،وهذه العائلة، ليتم قتلهم دون  رحمة.

إن مأساة هذه المجزرة رغم ما تم فيها من قتل وحشي  أن بعض من شارك بها كانوا من أبناء المدينة، من العواينية والمخبرين الملثمين، ومن النساء العواينيات اللواتي كنّ يرافقن فرق الموت وهن منقبات، إذ كنّ يدللنهم على البيوت والأحياء، ويؤكدن، بعد أن يتعرّفن على من تعتقد تلك الفرق أنها تبحث عنهم، هؤلاء الذين قدّموا لفرق الموت المئات من الثوار والمتظاهرين والمؤيدين للثورة، للمحافظة على مصالحهم وامتيازاتهم التي حصلوا عليها من الموالاة للنظام البعثي الأسدي الطائفي، في ظنهم أنهم وربهم المجرم الفار سينتصرون على ثورة الشعب ويكسرون إرادته بإجرامهم.

ولذلك فإن مأساة الجورة والقصور لا تختصر في عدد الشهداء الذين سقطوا خلالها، ولا في وحشية الذين نفذوا القتل وحدهم، بل تمتد إلى أولئك الذين سهّلوا الجريمة، وأشاروا إلى الضحايا، وقدموا المعلومات، وفتحوا الطريق أمام فرق الموت. هؤلاء لا ينبغي أن تغيب أدوارهم عن الذاكرة، ولا أن تُمحى مسؤوليتهم مع مرور السنوات، لأن الدم الذي أُريق في تلك الأيام لا يزال شاهداً على كل من شارك في الجريمة، بالفعل أو بالمعلومة أو بالدلالة أو بالصمت المتواطئ.

في هذه الذكرى الأليمة على النفس، نطالب بملاحقة ومحاسبة جميع من قاد وشارك وأعان هؤلاء المجرمين على قتل أبنائنا وإخوتنا الشهداء، ودمّر وسرق بيوتنا، وهجّرنا عن مدينتنا الحبيبة.

فالمحاسبة لا ينبغي أن تقتصر على من حمل السلاح وأطلق النار، بل يجب أن تشمل كل من أعان على الجريمة، أو قدّم المعلومات، أو دلّ على الضحايا، أو سهّل الوصول إليهم، أياً كان موقعه أو صفته.

لكننا، وبفضل الله، وبعزيمتنا وإصرارنا، استطعنا أن ننتصر على نظام القتلة، وعلى النظام الطائفي، نظام القتل والإجرام والعهر ومن والاه، وأن نحرر بلدنا من هذا الاستبداد الظالم الذي لم تعرفه البشرية منذ مئات السنين، وستبقى ذكرى مجزرة الجورة والقصور شاهدة على الذين ضحوا بأرواحهم ، وعلى الذين أعانوا القتلة، وعلى مدينة دفعت ثمناً باهظا من دم أبنائها، لكنها لم تتخلَّ عن إرادتها في سبيل نيل حريتها وكرامتها

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى