فنون وآداب

هات بصلة: من حكايات جيش الأسد

الضباط الكبار في أغلب جيوش العالم من أيام رواية "الجندي الطيب شفيك" للكاتب التشيكي ياروسلاف هاشيك إلى يومنا هذا ما زالوا يسرقون مخصصات المجندين من التعينات ولا يصل إلى هؤلاء التعساء الفقراء إلا النذر اليسير من الطعام

عبد الرزاق دحنون – العربي القديم

هات بصلة، نادى على المجند في الخدمة الإلزامية للمرة العاشرة، والذي يجلس قرب قصعة مليئة بالبصل اليابس في زاوية الغرفة، يشرب ما يزال من كأس الشاي الذي برد من نصف ساعة، ويُدخن سجائر التبغ المفروم يدوياً في غرفة صغيرة من البلوك الخام، سقفها من الخشب، تُغطيه قطعة مشمع من النايلون الشفاف، حتى لا يدلف الماء على السكان في هذا الشتاء الماطر في مقر لواء الدفاعي الجوي على ساحل البحر الأبيض المتوسط. قال المجند الجالس قرب قصعة البصل: أما كفاك بصلاً هذا المساء، ماذا ستطبخ لنا على العشاء مع كل هذا البصل المفروم؟ حدق في وجوه زملائه التسعة ملياً، ثمَّ قال: هات بصلة. 

كان اللواء في طور الإنشاء في موقع قريب من بلدة “بملكة” المسيحية من ريف طرطوس على الساحل السوري. وكان على المجندين المجتمعين من أغلب المحافظات السورية في هذا اللواء من جيش حافظ الأسد العمل ليل نهار لاستكمال الأبنية الأساسية من إدارة ومخازم ومستودعات ومقرات الضباط ومهاجع المجندين. كان العمل شاقاً ومرهقاً للمجندين الذين يصل حالهم في آخر النهار إلى جرجرة أقدامهم جرجرة المهدود من التعب إلى ما يشبه الغرفة التي بنوها على عجل دون طين. ومن لم يُحالفه الحظ بسرقة البلوك من مخصصات اللواء يسكن خيمة يزرب مطر الشتاء من جنباتها.

المهم في الأمر، وكله مهم، أن العذاب لا يفارقهم ليل نهار في هذا الشتاء المُطيَّن بالطين. عذاب من شتى الجهات، فهم لا يشبعون من طعام لأن الضباط الكبار في أغلب جيوش العالم من أيام رواية “الجندي الطيب شفيك” للكاتب التشيكي ياروسلاف هاشيك إلى يومنا هذا ما زالوا يسرقون مخصصات المجندين من التعينات ولا يصل إلى هؤلاء التعساء الفقراء إلا النذر اليسير من الطعام المطبوخ الخالي من كل أنواع الدسم و يلعنون -في سرهم- تلك الساعة التي اصطفوا فيها أما قائد اللواء الذي نادى على المجندين: من يفهم في مهنة البناء او ما يتعلق بها أن يصطف على اليسار. وفعلاً راح الكثير من المجندين يصطف إلى اليسار كي يهرب من عذاب التدريب العسكري المقيت. ومن نداء المدرب: “وراء در، أمام سر، التمرين التاسع خذ وضع، راوح في المكان، منبطحاً، واقفاً، مشية البطة”. وكان المجند الذي يفرم البصل أحدهم وقد عُين رئيساً لمجموعة البنائين لأنه يفهم في البناء وأساسياته وشؤونه حيث تعلم مهنة العمارة أباً عن جد في مدينة إدلب في الشمال الغربي من سورية.

كانت الشمس قد غربت من أكثر من ساعة حين سمح الضابط المناوب لمجندي ورشة البناء بالانصراف، وبذلك انتهي يوم العمل. وصلوا يُجرجرون أقدامهم إلى المقطورة العسكرية التي تقف في ساحة اللواء ليغسوا أيديهم ووجوههم بماء بارد، ويتوجهوا سيراً على الأقدام في رتل عسكري يمشي بخطو ثقيل إلى تلك الغرفة المصنوعة من البلوك الخام. تلك الخطوات البطيئة المتمهلة لا تستعجل الوصول إلى مستقر لها معتم بارد ترشح الرطوبة والكآبة من جنباته.

أشعل أحدهم لمبة الكاز وعلى الضوء الخافت ورائعة احتراق الفتيل تربع زملاء العمل في أماكنهم المعتادة على أسرتهم العسكرية ساد الصمت جو الغرفة. كسر هذا الصمت الصوت القادم من جهة اليسار حيث سرير قائد المجموعة: جوعانين يا شباب؟ حرَّك السؤال النفوس التي تستريح في أسرتها العسكرية من تعب اليوم، فنهضت ببطء وغيّرت من أوضاع تمددها الرتيب التي تعودت عليه من طول مقامها في هذا الحيز الضيق. كانت هذه النفوس تعلم علم اليقين أن لا شيء يؤكل في غرفة المجندين الفقيرة هذه غير البصل اليابس، ولكن أحدهم صاح مُجاملاً: جوعانين.

هات بصلة، صاح قائد مجموعة البناء بعد أن وضع دفَّة الفرم وسن السكين بظهر صحن مكسور من الخزف الصيني المورَّد-مُزيّن بالورد- حين سمع كلمة جوعانين فكًر بصمت: الخبز موجود والملح أيضاً، والسمن موجود مع أنه قليلة، والبصل وفير. هذا كل ما كان في الغرفة من مكونات الطعام. فكَّر كثيراً قبل أن يُنادي زميله: هات بصلة. وأضمر أمراً في نفسه. لا حل آخر: هات بصلة.

كادت قصعة الألمنيوم العسكرية التي يفرم فيها أن تطفح بالبصل المفروم وراحت رؤوس المجندين تعمل بصمت وتسأل في صمت أيضاً: ماذا سيطبخ لنا؟ فكان الجواب: هات بصلة. وساد الصمت من جديد. ولكن القصعة كانت قد امتلأت فعلاً بالبصل المفروم حتى حوافها. حينها وضع قائد المجموعة دفَّة الفرم جانباً، ثمَّ مسح السكين بطرف كمه، ووضعها في شق عمودي في الجدار القريب من سريره. وبحركة رشيقة قرَّب موقد الغاز إلى مكان جلوسه في الفسحة المتبقية من أرضية الغرفة والتي احتلت القسم الأكبر منها قوائم أسرَّة المجندين.

بملعقة كبيرة من الخشب “شحر” ما تبقى من سمن في قعر قطرميز من البلور ثمَّ وضع السمن في قصعة ألمنيوم فارغة وأشعل تحتها موقد الغاز وحين ذاب السمن بدأ يُلقِّم القصعة بقبضته حُفناً من البصل المفروم، وكلما ذبلت كمية البصل في القصعة وضع حفنة جديدة حتى فرغت القصعة من بصلها المفروم.

بعد ربع ساعة من سماع صوت ارتطام معلقة الخشب بجدران قصعة الألمنيوم، ظلَّتْ عيون المجندين خلالها تُراقب هذا المشهد العجيب من هذا العشاء الشتوي الفقير. أخيراً مدَّ قائد المجوعة يده وأخرج علبة الملح فتحها وبدأ يزن بملعقة الخشب كمية الملح اللازمة ثمَّ بحركة رشيقة أعاد علبة الملح إلى مكانها تحت السرير.

بعد دقيقة من تمليح القصعة نضج هذا الحميس من البصل المفروم، شال قائد المجموعة القصعة عن نار الموقد ووضعها على دفة الفرم حتى لا يبرد الطبيخ بسرعة. فك كيس الخبز المربوط ووزع الأرغفة في دائرة حول القصعة، قسم ربع رغيف من الخبز وغمسه في القصعة وبدأ يأكل في صمت. بعد حين اقترب أحد المجندين من “سفرة العشاء” هذه وجلس قرب قائد المجموعة، تناول رغيفاً وقسمه أرباعاً، ثمَّ راح يغمس لُقم الخبز في القصعة ويأكل. أصابت العدوى الجميع فنزلوا بالتتالي عن أسرتهم وتحلقوا حول القصعة يأكلون بصمت كما يفعل قائد المجموعة ويحمدون الله على أنهم ما زالوا أحياء في جيش حافظ الأسد.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى