أنا ونظام الحرية الذي أسقط نظام الأسد
كان لدينا أمل أن يتم القضاء على الفساد الموروث من أيام الأسدين، وكان لدينا أحلام بمجتمع يخلو من الفساد، لكن لم نكن نتوقع هذا الانتشار الكبير في معدلات الفساد تحت سمع وبصر حكومتنا المؤقتة حيث تجاهلت نمو الفساد وانتشاره، وأصبحت الشريك المضارب في كل الاستثمارات التي يعلن عنها.

صبري عيسى – العربي القديم
عند سقوط نظام الإجرام الإسدي افصح السوريون عن فرحتهم بزوال اخطر نظام معادي للإنسانية لم يترك وسيلة لتعذيب السوريين إلا وجربها، ابتداءً من القصف بالبراميل ومرورا بالكيماوي وخلال تولي الاسدين الحكم مارسوا تدمير المدن وارتكاب المجازر الجماعية التي لم يستثني منها أي مدينة سورية، ويوم السقوط كان أشبه بالزلزال الذي لم تعرفه سورية في كل تاريخها!
افراح السوريين كانت صادقة، ورحبوا بالرجال الشجعان الذين أسقطوا النظام وأحبوا بصدق الدور الذي يقوم به الرئيس أحمد الشرع في قيادة البلاد، ومنحوه ثقتهم المطلقة، وينتظرون كل الخير منه لهم ولبلدهم!
كلنا تابعنا ونتابع بشكل يومي كل ما يجري في البلاد في محاولة من الجميع في تعزيز الثقة بسياسات الرئيس وقراراته، وهذا لا يمنع من مناقشة بعض المواقف التي تؤكد ان النظام الذي أسقط النظام البائد لا يبادلهم الثقة من خلال بعض الإجراءات والقرارات ومنها :
أولاً: قيام النظام الجديد بالابتعاد عن إجراء أي انتخابات لاختيار قيادات جديدة في الاتحادات المهنية والمنظمات النقابية، وقام بتعيين قيادات بعضها من خارج المنتسبين لها، وليسوا أعضاء فيها وبعظهم لا يملك الخبرة في قيادة هذه الاتحادات والمنظمات النقابية. كان من المفترض دعوة قواعد هذه الجهات لإجراء انتخابات لاختيار قيادات وطنية لها عن طريق صناديق الاقتراع الحر! ويبدو ان الحذر من تسلل فلول النظام البائد كان الدافع وراء الحذر، وهنا أقول وبكل اسف ان النظام الجديد لم يوفق في هذه الاختيارات التي انعكست سلبا على تفاوت نسبة الثقة بالنظام الجديد من قبل قواعد هذه الاتحادات والمنظمات، وأدى ذلك الى زيادة خيبة الأمل في تحسين أدائهم ومستوى حياتهم المعيشية!
ثانياً: آلية واسلوب تشكيل مجلس الشعب لم تحقق النجاح الذي يأمله السوريون، وتم استنساخ تجربة مجالس الشعب أيام النظام البائد، والتشابه في النتائج الكارثية، ولا يوجد مجلس نيابي في كل دول العالم المتقدم والمتخلف محروم من محاسبة حكومته التي لن تمر بامتحان الحصول على ثقة ممثلي الشعب الافتراضيين، وكما حصل في اختيار قيادات الاتحادات والمنظمات تم اختيار أعضاء مجلس الشعب دون الدعوة لانتخابات حرة لبرلمان يمثل كل السوريين !
ثالثاً: منذ تشكيل الحكومة المؤقتة منذ حوالي عام ونصف تقريبا تحول السوريين الى حقل تجارب لسياساتها الفاشلة حولت حياتهم الى كوابيس نهارية وليلية، مع ارتفاع معدلات الغلاء وهبوط دخل السوريين إلى واحدة من أدنى مستويات الدخل لأي مواطن في العالم، (في تقرير صندوق النقد الدولي لعام 2026 تحل سورية في المرتبة 201 لمستوى دخل الفرد من أصل 2013) ويعجز غالبية السوريين عن دفع فواتير الكهرباء الذي يترافق كل يوم بتحذير وزارة الطاقة يسحب عدادات الكهرباء وقطعها عن بيوتهم، إضافة لارتفاع أسعار الخبز بين وقت وآخر، وعجز كثير من الشرائح عن ركوب المواصلات بسبب غلاء اجورها !
رابعاً: وهنا ابادر بالسؤال لصاحب القرار، لماذا يتم استنساخ آلية اختيار الوزراء والمدراء التي كان يعمل بها النظام البائد واعتماد الاختيار حسب معدلات الثقة والقرابة من الدرجة الأولى وحتى العاشرة لشغل المناصب الحكومية من الأخ وابن العم وابن الخالة، وهل يمكن بناء سورية التي نحلم بها بدون الاستعانة بأصحاب الخبرات والمؤهلات، وهل خلت سورية منهم؟
خامساً: انا من جيل الخمسينات في سورية وانتمي لجيل يعشق الحرية ويقرأ كل كتاب يصل الى يده وكنا نصرف كل قرش نحصل عليه على شراء الكتب والمجلات والصحف وتعرفنا على كل الاتجاهات الفكرية والسياسية، وكنا نرفع وبكل حرية شعار (الدين لله والوطن للجميع) وجيلنا لم يميز بين سوري وNخر لا بسبب لون عيونه أو لون جلده أو عشيرته. من أين جئتم اليوم بهذه الظلامية التي تستهدف قتل الحياة وتعمل من أجل أن تفرق بين السوري وأخيه !
أنا معجب بانفتاح النظام السعودي على نظام الحياة المعاصرة بعد أن كان المطوعون في الماضي القريب يفرضون التشدد في الشوارع على الحياة العامة للناس في كل المدن السعودية، وهناك في بلدنا اليوم من يريد استنساخ واستيراد سياسة وأساليب المطوعين كما كانت في السعودية، بدعم من عمائم الفتنة وأصحاب اللحى الطويلة، والخطر الأكبر وجود بعض المشايخ في مواقع القرار في كثير من الإدارات الحكومية !
وأستعيد هنا مقولة لجبران خليل جبران وفها يقول: ويل لأمة تكثر فيها المذاهب والطوائف وتخلو من الدين!
لدي سؤال: من سمح للمصري هاني دهب الشهير بالشيخ الذهبي بحرية الحركة واثارة النعرات الطائفية والمذهبية في سورية، وهل دخوله للجامعات تم بموافقة السلطات المعنية وقيامه بفرض الوصاية على السوريين وحملات للتدخل في حياة السوريين وفرض النقاب والخمار وما يسميه “اللباس الشرعي” لماذا يتم التدخل في نظام معهد (اللاييك) من قبل “لجنة حي ساروجة” وفرض فصل الذكور عن الاناث في مدرسة تم بناؤها من قبل سلطات الانتداب الفرنسي عام 1928 وهي مدرسة تعمل بنظام معروف لم بتغير منذ عشرات السنين، وهل تم هذا بموافقة وزارة التربية أم لا؟
سادساً: كان لدينا أمل أن يتم القضاء على الفساد الموروث من أيام الأسدين، وكان لدينا أحلام بمجتمع يخلو من الفساد، لكن لم نكن نتوقع هذا الانتشار الكبير في معدلات الفساد تحت سمع وبصر حكومتنا المؤقتة حيث تجاهلت متعمدة نمو الفساد وانتشاره، وأصبحت الشريك المضارب في كل الاستثمارات التي يعلن عنها بتوسع كل يوم، خاصة في مشاريع الاستثمار العقاري التي تعلن عن أسعار المتر المربع لكل شقة بأكثر من ألف أو ألف ومائتي دولار للمتر المربع السكني، وجعل هذه الشركات تحصل على قيمة راس المال الذي خصصته لمشاريعها قبل ان تصرف دولار واحد من ميزانية الاستثمار في إعلانها لمشروعها الاستثماري !
سابعاً: تصريحات وزير الأوقاف السوري محمد أبو الخير شكري أثارت جدلا كبيرا على مواقع التواصل واستخدامه عبارة، قال فيها: “الوزارة عندي يا أخوانا أجلكم الله مثل شحاطتي”. ومع ذلك تجاهلت الحكومة تصريحه التي تنطوي على إساءة وطنية، وقد يقلده باقي الوزراء حينها!
من جانب آخر أثارت تصريحات المهندس يوسف قبلاوي، مدير عام الشركة السورية للبترول، موجة غضب واستياء واسعة في الشارع السوري وعلى منصات التواصل الاجتماعي، بعد أن وصف منتقديه ومتابعي “فيسبوك” بـ “القطيع” الذين يُقادون خلف ما يُنشر في مواقع التواصل وتمت الإشارة إلى شبهات فساد للقبلاوي تم الحديث عنها حول قطاع المحروقات والشركة السورية للبترول، بملايين الدولارات… فيما الناس تنتظر معرفة الحقيقة ومن يوضح لها ما يجري!
ثامناً: مكافأة الرجال الذين قاموا بإنهاء حكم نظام الإجرام الأسدي واجب أخلاقي ووطني لا غبار عليه ، ويمكن منحهم بيوت وقصور وسيارات ورواتب عالية وضمان حياتهم وحياة أسرهم، لكن تعيينهم في مواقع المسؤولية وإدارة البلاد دون مؤهلات تحتاجها هذه المواقع وخاصة في الإدارات الخدمية المتعلقة بحياة الناس سيدمر الوطن، ويتسبب في العبث بحياة الناس والإضرار باستقرار البلاد !
مطلوب توسيع وزيادة ثقة أصحاب القرار في الخبرات الوطنية السورية التي عملت في إدارات سابقة قبل سقوط النظام، وكانت مثال للخبرة والنزاهة وحب الوطن، وقد عزلهم نظام الأسد وحاصر لقمة خبزهم خوفا من انتقال وباء نزاهتهم لإداراته الفاسدة… فتاريخ سورية يا سادة لم يبدأ في 8 كانون الأول 2024 بل منذ خلق الله الأرض.

