عزمي بشارة والمال السياسي: الفضاء الثقافي السوري من التحرر الوطني إلى الارتهان الإقليمي
نجح مشروع عزمي بشارة وجماعته في النفاذ والوصول عبر الفراغ التنظيمي والمؤسساتي الهائل الذي خلفه إرث الاستبداد الأسدي الطويل

بقلم: نوار الماغوط
منذ انطلاق شرارة التغيير في المنطقة العربية عام 2011، لم تقتصر الصراعات المشتعلة على الميادين العسكرية المباشرة أو الأروقة الدبلوماسية الخلفية، بل امتدت لابتلاع الجبهة الأكثر خطورة: جبهة الوعي، والفكر، والإعلام وصناعة السرديات وتوجيهها. وفي المشهد السوري المعقد على وجه الخصوص، برزت ظاهرة تنظيمية ومؤسساتية فريدة أثارت، ولا تزال، عاصفة من علامات الاستفهام في أوساط النخب والمثقفين المستقلين، ألا وهي ظاهرة الإمبراطورية الإعلامية، البحثية، والإنتاجية الفنية الضخمة التي يقودها عضو الكنيست السابق والمفكر الأكاديمي عزمي بشارة، والممولة بالكامل بمال سياسي من دولة قطر.
إن التساؤل المحوري والمنطقي الذي يفرض نفسه اليوم على ذهن كل مواطن ومثقف سوري هو: كيف تتيح دولة خليجية لشخص واحد، وأجنبي بعيد تماماً عن نسيجها الداخلي أن يهيمن ويضع يده على النسبة الأكبر من فضاء الدراسات والسياسة والتوجيه الإعلامي الموجه للشعب السوري؟ وما هي الكلفة الفكرية والسياسية والاجتماعية الباهظة التي دفعها المجتمع الثقافي السوري جراء هذا التمدد والاستلاب؟
هذه الأسئلة التي تصديت لتفكيكها بعمق وجرأة وكشفت المستور عنها عبر سلسلة مقالاته المنشورة في موقع العربي القديم، لا سيما في مقال “الاستقلالية المزعومة: الوجه الخفي لفضاءات ميديا”، وفي دراستي النقدية لتقديرات موقف الإمبراطورية البحثية تجاه الأزمات السورية الداخلية. لقد واجهت هذا الاختراق الفكري الممنهج، واضعاً مبضع الجراح على ثغرات الأدلجة ومساعي تجريف استقلالية القرار والوعي السوري الحر
أولاً: تفكيك دوافع المموِّل والمثقف (لعبة الذراعين وتوظيف “التقية الإعلامية”)
كي نفهم تفاصيل الجذور العميقة لهذا التحالف الوثيق، لا يمكننا النظر إليه كأنه مجرد رعاية فكرية أو ثقافية بريئة، بل هو “عقد مصلحة تبادلي واستراتيجي” محكم، تلاقت فيه طموحات التغلغل الجيوسياسي وبناء “القوة الناعمة” لدولة قطر مع الشغف التنظيمي والتوسعي المفرط لعزمي بشارة. من المنظور الاستراتيجي والبرغماتي لصناع القرار في الدوحة، كان بشارة بخلفيته القومية، العلمانية، والمسيحية يمثل المخرج الأكاديمي والسياسي المثالي المتقن لنفي تهمة لصيقة طالما لاحقت قطر من قِبل خصومها الإقليميين والدوليين، وهي تهمة الارتباط العضوي بتيار “الإسلام السياسي” ودعمه المطلق.
بناءً على هذا، ارتكزت هندسة السياسة الخارجية القطرية على إرساء استراتيجية ذكية عُرفت بـ “لعبة الذراعين”:
* الذراع الأول (المحافظ): يتجسد تاريخياً في شبكة قنوات “الجزيرة”، الموجهة لاستقطاب الجماهير والتيارات الإسلامية والمحافظة وتوجيهها في المنطقة.
* الذراع الثاني (العلماني/الليبرالي): الذي أُطلق يد عزمي بشارة لتأسيسه وإدارته كإمبراطورية موازية تضم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، و”معهد الدوحة”، و”شبكة التلفزيون العربي”، وصحيفة “العربي الجديد وغيرها..”.
لكن هذا النموذج الهجين أفرز في الواقع السوري مفارقة فكرية وأخلاقية فجة، حيث وجد السوريون أنفسهم أمام نخب ترفع لواء “اليسار”، و”العلمانية”، وتدعي أحياناً “الإلحاد”، في حين أنها تنشأ، وتنمو، وتقتات بالكامل في حضن مؤسسات ممولة وموجهة بأموال مرتبطة سياسياً بمنظومة الإسلام السياسي.
هذا التناقض البنيوي الحاد أنتج حالة مكثفة مما يمكن وصفه بـ “التقية الإعلامية والبحثية”، حيث يُدار المشهد بعقول إداريين ورؤساء تحرير يدركون بدقة بالغة ما يجب طمسه وحجبه وما يجب إبرازه والنفخ فيه. إن شعارات “الاستقلالية الفكرية والتحريرية” التي تلوكها هذه النخب المستفيدة ليست سوى واجهة مستخدمة لغسل السمعة وتغطية الارتهان المطلق لإمبراطورية ممولة وموجهة بدقة.
ثانياً: الخراب الثقافي والاستلاب الإداري (عقلية “الغرسون”)
إن المأساة الحقيقية ومكمن الخطورة الكبرى لمشاريع عزمي بشارة في سوريا تكمن في طبيعة الأفكار والنظريات التي تطرحها، وكذلك في آلياتها التنفيذية والمالية الشرهة التي تعمدت تجريف وتخريب الاستقلال المادي والوجداني للمثقف السوري. بدأت هذه الهيكلية المشبوهة منذ انطلاقة “تلفزيون سوريا” من إسطنبول عام 2014، حينما أرسى بشارة القاعدة الإدارية الإقصائية الشهيرة لكوادره التأسيسية: “جيبوا الذي يشبهكم للعمل، وهذه هديتي لكم”. هذه الجملة شرعنت المحسوبيات الشللية الضيقة، وسلّمت مقاليد المشهد الفكري السوري لفئة تحتكر القرار وتوزع الامتيازات المالية بناءً على معيار الولاء والتبعية الشخصية والتنظيمية.
وفي مقالاتي على صفحات العربي القديم، تم تفكيك هذا الاستلاب الإداري والمالي الفاضح. وأوضحت كيف تحول التعامل داخل هذه المؤسسات والمنصات البراقة من فضاء للمثاقفة والحرية، إلى آلية فجة تحاكي تماماً “علاقة صاحب المطعم بالغرسون”. لقد تم إسقاط واستقطاب نخبة واسعة من الكتاب، والصحفيين، والفنانين السوريين في فخ التبعية المعيشية، فباتت غاية طموحاتهم تقتصر على لهث مأساوي وراء طباعة ديوان شعر، أو نشر دراسة نقدية، أو نيل دعوة مأجورة لحضور ندوة في الدوحة تضمن لصاحبها إقامة فندقية فارهة وبضع مئات من الدولارات تحت مسمى “السياحة الناعمة والمجانية”.
ويزداد المشهد مأساوية حينما نرى الأبواب قد فُتحت على مصراعيها لشخصيات وإعلاميين كانوا حتى الأمس القريب أبواقاً داخل الماكينة الإعلامية الرسمية لـ نظام الأسد، والذين أتقنوا بمرونة انتهازية عالية فن القفز والتنقل بين الولاءات المتناقضة، لتتضاعف رواتبهم آلاف المرات في تركيا والدوحة.
وعلى الضفة المقابلة، جرى تهميش متعمد وإقصاء شرس وصارم للمعارضين والمثقفين المستقلين الحقيقيين، أولئك الذين رفضوا الارتهان وتسييس وعيهم، فدفعوا ثمن مبادئهم كاملاً من أمنهم وحياتهم، ليعيشوا لاجئين أو نازحين في المخيمات والمنافي دون منصات أو امتيازات تسمح للعالم بسماع صوتهم الوطني النقي.
ثالثاً: تحليل إحصائي للاحتكار المالي والفضائي لمؤسسات عزمي بشارة
يبرز حجم الاحتلال الفضائي والبحثي في المشهد السوري بوضوح عند إخضاع الواقع الإعلامي الموجه للسوريين للغة الأرقام والمقارنات الشفافة. فمن حيث حجم الاستحواذ على الفضاء العام، تبتلع إمبراطورية منصات عزمي بشارة المدعومة بالتمويل الإقليمي المشروط قرابة 80% من إجمالي التغطية الإعلامية والبحثية السورية المقروءة والمرئية، في حين يتنافس الإعلام السوري المستقل والبديل القائم على المبادرات الوطنية الحرة بحرقة على ما تقاربت نسبته من 20% فقط من المساحة المتبقية والمشتتة.
وينعكس هذا الاختلال أيضاً على مستوى عدد المنصات والشبكات النشطة، إذ تمتلك هذه الإمبراطورية ما يزيد عن 20 مؤسسة ومركزاً فاعلاً، من بينها تلفزيون سوريا 1 و2، العربي 1 و2، مركز حرمون، زمان الوصل، موقع مدن، وألترا صوت، وغيرها.. بينما يقتصر الإعلام المستقل على مجلات رقمية متواضعة، وإذاعات محلية، ومبادرات فردية تكافح للبقاء على وسائل التواصل الاجتماعي.
أما من ناحية القدرة المالية والتشغيلية، فتتمتع ماكينة بشارة بميزانيات مفتوحة وضخمة توفر رواتب مرتفعة جداً، وتغطي بالكامل نفقات المؤتمرات الفندقية، والإنتاج الفني الاحترافي، والبدلات المالية والسياحة الناعمة، على النقيض تماماً من الإعلام المستقل والبديل الذي يعاني من غياب تام للتمويل المستدام، ويعتمد على التطوع أو على منح دولية مشروطة ومؤقتة تهدد كياناته بالإغلاق المستمر.
ويتجلى هذا الفارق أيضاً في الامتداد الجغرافي والأكاديمي، ففي الوقت الذي تمتلك فيه المنظومة الموجهة مكاتب إقليمية وعالمية ضخمة في الدوحة وإسطنبول ولندن وبرلين، مع تغلغل نفوذها في أقسام جامعات غربية ومراكز دولية، ينحصر نشاط الإعلام الوطني البديل في سوريا أو دول الجوار، بلا أي مظلة قانونية أو سياسية أو حصانة أكاديمية تحمي كوادره.
وكما تظهر الفجوة العميقة في السياسة التحريرية وحرية الفكر، حيث تخضع إمبراطورية بشارة لتوجيه مركزي صارم يمارس التقية الإعلامية ويقوم بحذف وإلغاء أبحاث ومقالات المخالفين للمشروع من الأرشيف، بينما يمتلك الإعلام المستقل سقف حرية مرتفع يعبر عن نبض وجع الشارع الحقيقي، لكنه يظل مقموعاً ومهمشاً ومحارباً لعدم وجود منصات كبرى ورافعات مالية قادرة على إيصال صوته إلى العالم.
إن هذا الاختلال الرقمي والتمويلي الصادم يثبت بالدليل القاطع أن المعركة لم تكن يوماً متكافئة بين مثقف سوري مستقل يبحث عن منبر حر للتعبير عن هموم بلاده ومبادئه، وبين ماكينة إعلامية وأكاديمية هائلة تمتلك من أدوات الترغيب والترهيب المالي ما يكفي لتجريف الوعي الجمعي وإعادة صياغة الهوية الوطنية السورية وفق مقاسات وشروط المموّل الإقليمي.
رابعاً: الاستثمار في الفوضى وتفكيك الوعي الوطني السوري
لقد نجح مشروع عزمي بشارة وجماعته في النفاذ والوصول عبر الفراغ التنظيمي والمؤسساتي الهائل الذي خلفه إرث الاستبداد الأسدي الطويل، فالنظام السابق صنع على مدار عقود شعباً مقموعاً محروماً من ممارسة السياسة وتأسيس المؤسسات الوطنية المدنية المتجذرة. وحين انفجر الشارع السوري مطالباً بحريته، لم يجد مشروعاً وطنياً منظماً يقوده.
في هذا الفراغ تحديداً، تمدد المال السياسي القطري ليتخذ من دماء السوريين ومعاناتهم مادة للمتاجرة والتوظيف، حيث تحولت الثورة من مشروع تحرر وطني جامع إلى أوراق ضغط وتفاوض سياسي وأدوات بيد أجندات خارجية لا تخدم استقرار سوريا وسيادتها.
وفي دراسة نقدية نشرتها في العربي القديم حول طريقة تعاطي مراكز بشارة البحثية مع الأزمات السورية الداخلية الحساسة (مثل “تقدير الموقف” الذي أصدره المركز العربي للأبحاث حول أحداث وعنف السويداء)، تم تحليل كيف يتم توظيف “اللغة الأكاديمية والمصطلحات والتقنيات البحثية البراقة” كغطاء لتنفيذ أجندات سياسية إقليمية تستثمر وتقتات في الفوضى، وتُعيد إنتاج وتدوير السرديات الطائفية والسياسية المقيتة التي تخدم المموّل الخليجي، عوضاً عن تقديم قراءات وطنية تسعى لرأب الصدع وحماية النسيج المجتمعي السوري.
ويتجلى هذا الاحتلال الثقافي المدار بعقلية التنظيمات السرية في ممارسات إقصائية وصلت إلى حد قيام بعض المتسلقين المحسوبيين على تيار بشارة في جامعات غربية (كألمانيا) بحذف وإلغاء مقالات وأبحاث علمية من الأرشيف لأنها تخالف أو تنتقد سياسات وتوجهات منظومتهم.
خامساً: الاستحقاق الراهن والواجب الوطني لـ “سوريا الجديدة“
اليوم، ومع سقوط النظام الشمولي السابق وبدء ملامح بزوغ عهد جديد لـ سورية الحرة والمستقلة، لم يعد الصمت أو المواربة مقبولاً تحت أي ظرف. إن دولة قطر باتت مطالبة اليوم بشكل جاد ومسؤول بالوقوف الحقيقي والنزيه إلى جانب تطلعات الشعب السوري، والابتعاد الفوري عن هذه اللعبة الإعلامية الموجهة، ومراجعة الخطأ الاستراتيجي التاريخي الفادح المتمثل في إيواء وتمويل عزمي بشارة وشلل المحسوبية التابعة له على حساب دماء السوريين وسيادتهم وثقافتهم.
إن التحدي الأكبر والمسؤولية التاريخية تقع الآن على عاتق رئيس الحكومة السورية والقيادة الجديدة لحماية السيادة الثقافية والإعلامية للبلاد من هذا التغلغل الأجنبي. إن الشارع السوري يتساءل اليوم بمرارة وغضب:
* كيف تُترك منصات ومؤسسات ضخمة تعمل داخل البلاد وتحمل أسماءً “سورية” (مثل تلفزيون سوريا، الذاكرة السورية، مركز حرمون) دون أي مساءلة قانونية أو تحقيقات شفافة تكشف ذممها المالية ومصادر تمويلها وخطابها الحقيقي؟
* وكيف يُسمح باستخدام اسم الدولة السورية على قنوات لا تخضع لسيادة ومؤسسات الدولة الرسمية وتعمل كأذرع موجهة من الخارج؟
إن الخطوات السيادية العاجلة المطلوبة لحماية استقلال قرار سوريا تتلخص في النقاط القانونية والتنفيذية التالية:
1. سحب وتجميد التراخيص الإعلامية: منع أي وسيلة أو منصة إعلامية غير تابعة للدولة ومؤسساتها من استخدام اسم سوريا الرسمي، اقتداءً بالتجارب السيادية الإقليمية والدولية الصارمة (مثل تجربة إيقاف منصات موجهة مماثلة).
2. الاستجواب والمحاسبة الفكرية والمالية: فتح تحقيقات علنية وقانونية شفافة حول مصادر تمويل ماكينة عزمي بشارة الممتدة داخل البلاد، ومطالبة الكوادر والإداريين الذين يدعون خدمة الشعب السوري بتقديم تقارير مالية وتبيان ذممهم الفكرية أمام الرأي العام السوري.
3. ضبط الفضاء العام ومنع التغلغل الحزبي: فرض قوانين صارمة ورقابة دقيقة تمنع وفود وشبكات عزمي بشارة الإعلامية من التغلغل في المفاصل الثقافية والتعليمية والمساحات الرمزية الوطنية (كالجامع الأموي وقصر الشعب)، ومنعهم من استغلال فقر وحاجة الشعب المنهك لتمرير أجندات تفرغ الثورة من محتواها الوطني التحرري.
إن معركتنا القادمة والمصيرية هي معركة وعي وطني بامتياز، فككتها بوضوح وبسالة أقلام سورية حرة كقلم نوار الماغوط وكتابات موقع العربي القديم. ورسومات الفنان الكبير علي فرزات ومنشورات ولقاءات الإعلامي احمد كامل وما لم ننجح كشعب ومؤسسات في إعادة إنتاج “الإنسان المواطن” الواعي، الحر، والمستقل مادياً وفكرياً، سنظل نراوح في أتون الفوضى والجهل، بينما يستمر الحطب المسموم في التدفق علينا من وراء الحدود. لقد حان الوقت لتستعيد سوريا وعيها الجمعي، وقرارها الوطني، وسيادتها الثقافية كاملة غير منقوصة.