نحو تجديد آليات الإدارة والتنظيم في مؤسسات الدولة الخدمية والثقافية
الناظر إلى كثير من المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية سيلاحظ أنها لا تزال تسير بذات القرارات التنظيمية التي كانت سارية قبل سقوط النظام، في حين أن كثيراً من هذه القرارات لم يعد ينسجم مع المرحلة الجديدة

ياسر الظاهر- العربي القديم
بعد مضي سنتين على تحرير سوريا من النظام الأسدي الطائفي المجرم، وتشكيل الحكومة المؤقتة في آذار 2025، هذه الحكومة التي يمكننا عدّها تكنوقراطية، على الغالب، وهي ليست صفة اعتباطية لها، بل ضرورة علمية وسياسية تتطلبها قيادة هذه المناصب لمؤسسات الدولة، من أجل قيام حياة سياسية واقتصادية واجتماعية في البلاد.
لكننا، حين ندقق في تلك الحكومة، أولاً لن نجد أن تلك الصفة(تكنوقراط) تنطبق على جميع أعضائها، وثانيا، نجدأن تعيينهم غالبا ما يتم من خارج ملاكاتها، وهو أمر أرى أنه من تركات النظام البائد الذي كان ينصّب وزراءه من خارج وزارات الدولة، وفي أكثر الأحيان يكونون بعيدين عن اختصاص العمل الأساسي المكلّفين به، وميزتهم الوحيدة هي ولاؤهم للسلطة المستبدة.
إن تعيين وزير أو مدير مؤسسة من مؤسسات الدولة من خارجها سيعوق حركة تقدّم هذه الوزارة أو تلك المؤسسة، بسبب عدم معرفته بآليات وقوانين عملها، مما يجعله يحتاج إلى مدة زمنية غير قصيرة ليتعرّف خلالها إلى تلك الآليات والقوانين التي تسير عليها خطط عملها.
هذه الأمور حبذا لو يتنبه إليها من بيده سلطة قرار تعيين هذه الحكومة أو المناصب العليا ذات الأهمية السياسية والاقتصادية والتعليمية والقانونية في الدولة، فعدا عن اختيارهم من خارج المؤسسات التي سيتسلمون قيادتها، لا بد من امتلاكهم اختصاصاً مماثلاً لعمل هذه الوزارة أو تلك المؤسسة، عدا عن الخبرة الطويلة في مجال عملها.
ومؤسسات الدولة ملك للشعب، ولا يجوز أن يُجرى التجريب بها. فالناظر إلى كثير من المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية سيلاحظ أنها لا تزال تسير بذات القرارات التنظيمية التي كانت سارية قبل سقوط النظام، في حين أن كثيراً من هذه القرارات لم يعد ينسجم مع المرحلة الجديدة، ولا مع طبيعة الدولة التي يفترض أن تقوم على أسس قانونية وإدارية حديثة.
ولذلك، فإن تحديث هذه القرارات ينبغي ألّا يكون مسألة مؤجلة أو معقدة، إذ يمكن للجان قانونية وإدارية متخصصة، من داخل كل مؤسسة وبمشاركة أصحاب الخبرة فيها، مراجعتها بصورة عاجلة، وتحديد ما أصبح منها متجاوزاً أو غير ضروري أو متعارضاً مع المرحلة الجديدة، ثم اقتراح تعديلات واضحة وسريعة عليها، بما يحرر عمل المؤسسات من القيود البيروقراطية التي ورثتها عن المرحلة السابقة، ويمنحها القدرة على أداء دورها بكفاءة ومرونة.
ولا يعني تحديث الأنظمة والقرارات التنظيمية هدم كل ما هو قائم، بل يعني التمييز بين ما هو صالح ويمكن الاستفادة منه، وما أصبح عائقاً أمام العمل، وإعادة بناء آليات الإدارة على أساس القانون والكفاءة والشفافية والمساءلة، بحيث لا تبقى المؤسسات أسيرة قرارات وُضعت في ظروف سياسية وإدارية مختلفة، ولا تتحول عملية التغيير إلى فوضى إدارية أو إلى إلغاء عشوائي للتجارب السابقة.
وعلينا ألّا ننسى كل ما يتبع المؤسسة الثقافية من منظمات وهيئات واتحادات، لا تزال في معظمها تعمل بآليات لا تواكب مرحلة بناء سوريا الجديدة، التي كانت مكبّلة بتعليمات حزب البعث البائد، وتسلّط قوى الأمن عليها، وسيطرة البيروقراطية التي تشدّ حركة المجتمع نحو الوراء.
وهذه المؤسسات والمنظمات والاتحادات تحتاج بدورها إلى مراجعة شاملة لآليات عملها، وأنظمتها الداخلية، وطريقة انتخاب هيئاتها أو تشكيلها، وعلاقتها بالمؤسسة الحكومية التي تتبع لها، بما يضمن استقلالية العمل الثقافي، ويمنع عودة الوصاية الأمنية أو البيروقراطية التي عطّلت الحياة الثقافية لعقود.
كما أن تحديث هذه المؤسسات لا ينبغي أن يقتصر على تغيير بعض الأشخاص أو استبدال أسماء بأسماء أخرى، وإنما يجب أن يطال البنية الإدارية والقانونية والفنية التي تحكم عملها، بحيث تصبح المؤسسات الثقافية فضاءً حقيقياًللمشاركة والإبداع، وتستوعب الطاقات الجديدة وتكون عوناً لها، وتستفيد من الخبرات المتراكمة، وتفتح المجال أمام جيل جديد من المثقفين والمبدعين للمشاركة في إدارة الشأن الثقافي وصنع قراراته.
ولا ضير من الاستفادة من خبرات شبابنا الحديثة التي اكتسبوها لتواكب الحياة المعاصرة، لكن دون إقصاء وتهميش الخبرات القديمة التي لم تتلوث بفساد النظام البائد، والحريصة على المشاركة في صنع آليات تقدّم سوريا بالتعاون مع الخبرات الحديثة.
وفي الوقت عينه، فإن بناء المؤسسات الجديدة يقتضي التخلص من جميع مظاهر الفساد والانتهازية التي كرّسها النظام البائد، وعدم السماح لمتسلقيه وانتهازييه، ممن استفادوا من منظومته السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية، بأن يعيدوا إنتاج حضورهم داخل المؤسسات الجديدة تحت عناوين مختلفة.
إن معيار الاستمرار أو الاستبعاد ينبغي أن يكون النزاهة والكفاءة والقدرة على العمل في المرحلة الجديدة، لا مجرد الانتماء إلى جيل أو مؤسسة بعينها، فالخبرة التي لم تتلوث بالفساد والاستبداد ينبغي الحفاظ عليها والاستفادة منها، في حين ينبغي إبعاد كل من ثبت ارتباطه بالفساد أو استغلال النفوذ أو التسلق والانتهازية عن مواقع التأثير والمسؤولية، وذلك ضمن إجراءات قانونية واضحة وعادلة، بعيدا عن الإقصاء العشوائي أو تصفية الحسابات.
وبذلك يمكن أن تجتمع الخبرة المتراكمة مع الطاقات الحديثة، وأن نتخلص في الوقت نفسه من كل ما هو فاسد وبائد من آليات عمل إدارية وقانونية وعلمية وفنية، لنكون بذلك على الطريق الصحيح في السير نحو المستقبل.

