العربي الآن

الخرافة والذاكرة: من ذاكرة الصراع الى ذاكرة الوطن

فهم المجتمع السوري يتطلب إدراك أن السوريين لم يعيشوا سنوات الصراع بالطريقة نفسها. وهنا تكمن أهمية الذاكرة الجمعية، فهي تفسر ليس فقط ماذا يتذكر الناس، وإنما لماذا يتذكرون بطريقة مختلفة.

د. زياد الغزالي – العربي القديم

لا تحفظ ذاكرة المجتمعات تاريخها بالطريقة التي تحفظ بها المكتبات وثائقها. فالوثيقة تسجل حدثاً، أما الذاكرة فتعيد بناءه، وهي لا تحتفظ بكل شيء. بل تنتقي من الماضي ما تعتبره مهماً أو ما يؤلمها أو ما يمنحها معنى أو ما ينسجم مع الصورة التي تريد أن ترى نفسها بها. ومن هنا تبدأ العلاقة المعقدة بين الذاكرة والخرافة، فالذاكرة ليست كذباً، لكنها ليست الحقيقة الكاملة بالضرورة. وقد تكون طريقاً إلى الحقيقة عندما تحفظ ما غاب عن الوثائق، لكنها قد تصبح مصدراً للوهم عندما تتحول من تجربة قابلة للنقاش إلى يقين مغلق لا يقبل المراجعة. وفي المجتمعات التي عاشت صراعات وانقسامات، تصبح هذه المسألة أكثر حساسية. لأن الماضي لا يبقى ماضياً، بل يدخل في تشكيل الحاضر ويؤثر في العلاقات بين الجماعات وفي تعريف الضحية والجاني وفي صورة كل جماعة عن نفسها وعن الآخرين.

الذاكرة الجمعية ليست مجرد مجموع الذاكرات الفردية. إنها الطريقة التي تتشكل بها صورة الماضي داخل جماعة معينة من خلال العائلة والمدرسة والإعلام والخطاب السياسي والأغاني والمناسبات والرموز، وحتى الصمت عن بعض الأحداث. ولهذا لم تنتج سنوات الثورة ذاكرة سورية واحدة، وإنما أنتجت ذاكرات جمعية متعددة. فالحادثة نفسها قد تكون في ذاكرة جماعة مأساة، وفي ذاكرة جماعة أخرى معركة، وفي ذاكرة ثالثة حدثاً لم تعشه مباشرة وإنما عرفته من الإعلام أو من رواية الأقارب. وقد يتذكر سوري سنوات الثورة بوصفها سنوات قمع وخوف من قصف قوات النظام، بينما يتذكرها آخر بوصفها سنوات خوف من الفوضى أو من الجماعات المسلحة.

هذا لا يعني أن جميع الروايات متساوية في صحتها، ولا أن الحقيقة مجرد وجهة نظر. لكنه يعني أن فهم المجتمع السوري يتطلب إدراك أن السوريين لم يعيشوا سنوات الصراع بالطريقة نفسها. وهنا تكمن أهمية الذاكرة الجمعية، فهي تفسر ليس فقط ماذا يتذكر الناس، وإنما لماذا يتذكرون بطريقة مختلفة.

الذاكرة الانتقائية وصناعة الصورة: الذاكرة بطبيعتها انتقائية. الفرد والجماعة يميلان إلى تذكر ما يؤكد هويتهما، وإلى نسيان أو تهميش ما يربك الصورة التي تكونت لديهما عن الذات. قد تتذكر جماعة الجرائم التي ارتُكبت بحقها، لكنها لا تتذكر بسهولة الجرائم التي ارتكبها أفراد منها. وقد تحتفظ جماعة بصورة الضحية عن نفسها، بينما تتجاهل الأدوار المختلفة التي لعبها بعض أفرادها في أحداث لاحقة. وهنا تتحول الذاكرة الانتقائية إلى مشكلة سياسية وأخلاقية. فالاعتراف بألم جماعة لا ينبغي أن يعني إنكار آلام الجماعات الأخرى. والاعتراف بجريمة لا ينبغي أن يصبح ترخيصاً لارتكاب جريمة جديدة. كما أن كون جماعة ما تعرضت للظلم في مرحلة معينة لا يجعل كل فرد ينتمي إليها بريئاً من المسؤولية عن أفعال ارتكبها لاحقاً.

صناعة السردية: الأحداث لا تصل إلينا مجردة. هناك من يرويها، ومن يختار أسماءها، ومن يحدد بدايتها ونهايتها، ومن يقرر أي الضحايا يستحقون التذكر وأيهم يُهمّشون، وأي الصور تُعرض وأيها تختفي. ولهذا تستطيع السياسة والإعلام أن يؤثرا في الذاكرة الجمعية، ليس فقط من خلال الكذب المباشر، وإنما من خلال اختيار ما يُروى وما لا يُروى. أنتجت سنوات الثورة روايات متنافسة حول أسبابها ومسؤولية أطرافها، وأحداثها المفصلية، ومفهوم الضحية والجاني. ومع مرور الوقت يمكن أن تتحول هذه الروايات إلى مسلمات داخل جماعات معينة، حتى يصبح التشكيك فيها وكأنه اعتداء على هوية الجماعة نفسها. وهنا تبأ الخرافة. فالخرافة السياسية لا تحتاج دائماً إلى اختلاق حدث لم يقع. يكفي أحياناً أن تأخذ حدثاً حقيقياً، وتنتزع منه جزءاً، ثم تبني حوله تفسيراً شاملاً للتاريخ.وهكذا يتحول الجزء الصحيح إلى رواية خاطئة.

عندما تتحول الضحية إلى هوية: من حق الضحية أن تتذكر، وأن تطالب بالحقيقة والعدالة، وأن تروي ما تعرضت له. لكن هناك فارقاً بين أن تكون ضحية لجريمة وبين أن تتحول الضحية إلى هوية سياسية دائمة. في الحالة الأولى يكون الهدف هو العدالة، أما في الحالة الثانية فقد يتحول الألم إلى مصدر لامتياز أخلاقي يمنح الجماعة الحق في إصدار أحكام مطلقة على الآخرين.

العدالة الانتقالية: تحويل الذاكرة إلى حقيقة قابلة للتحقق. إنها مسار أوسع يتعامل مع إرث الانتهاكات من خلال البحث عن الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته، وجبر الضرر، وحفظ الذاكرة، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.وقد أصبح هذا المسار جزءًا من النقاش المؤسسي بعد إنشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والهيئة الوطنية للمفقودين في عام 2025، بهدف التعامل مع إرث الانتهاكات ومطالب الضحايا وعائلات المفقودين. كما تناولت الأمم المتحدة في 2026 دعم مسار سوري للعدالة الانتقالية، بما في ذلك حفظ الأدلة وحماية الضحايا والشهود وتعزيز المؤسسات القضائية. وهذا بالغ الأهمية لأن العدالة الانتقالية تستطيع أن تنقل الذاكرة من المجال العاطفي وحده إلى المجال المؤسساتي. وهنا تتحول الذاكرة من رواية مغلقة إلى مادة للبحث والتحقيق والتوثيق.

الحقيقة لا تعني إلغاء الذاكرة: هناك خطأ آخر يجب تجنبه وهو الاعتقاد بأن البحث عن الحقيقة يقتضي التشكيك في الضحايا. الأمرليس كذلك . يمكن للضحية أن تكون صادقة في تجربتها، وفي الوقت نفسه تكون ذاكرتها غير قادرة وحدها على تقديم الصورة الكاملة للحدث. يمكن أن يكون الألم حقيقيا”، بينما يكون تفسير أسبابه بحاجة إلى البحث. ولهذا فإن نقد الذاكرة لا يعني إهانة صاحبها، كما أن مراجعة الرواية لا تعني تبرئة الجاني. على العكس، فإن الوصول إلى الحقيقة الدقيقة هو أحد أشكال احترام الضحية. لأن العدالة التي تقوم على الانفعال وحده قد تخطئ في تحديد المسؤول، بينما العدالة التي تقوم على الأدلة تستطيع أن تفصل بين الفاعل والبريء، وبين الجريمة والرواية التي تشكلت حولها.

من تعدد الذاكرات إلى ذاكرة وطنية: لا تحتاج سوريا إلى ذاكرة واحدة بالمعنى الذي يعني توحيد رواية الماضي وإلغاء الاختلاف. ما تحتاجه هو ذاكرة وطنية تتسع للاختلاف. ذاكرة تستطيع أن تقول إن السوريين عاشوا تجارب مختلفة، وإن بعضهم كان ضحية في مرحلة، وربما كان لبعض أفراده دور في انتهاكات في مرحلة أخرى، وإن التاريخ أكثر تعقيداً من تقسيمه إلى جماعة بريئة بالكامل وأخرى مذنبة بالكامل.

الذاكرة الوطنية لا تعني أن نتفق على كل تفسير للماضي، بل أن نتفق على مبادئ التعامل معه: الاعتراف بالضحايا، توثيق الجرائم، تحديد المسؤوليات، احترام الأدلة، رفض العقاب الجماعي، وعدم توريث الذنب. وهنا تصبح الذاكرة جزءاً من بناء المواطنة بدل أن تكون وقوداً للصراع الأهلي.

لا مصالحة بلا ذاكرة، ولا دولة بذاكرة انتقامية: المصالحة لا تعني النسيان، والنسيان القسري قد يكون أخطر من الذاكرة، لأنه يترك الجرح مفتوحاً، والذاكرة التي تتحول إلى مشروع انتقام دائم لا تبني سلاماً. المطلوب هو الانتقال من ذاكرة الانتقام إلى ذاكرة العدالة. أن نتذكر لكي نعرف، وأن نوثق لكي نحاسب المسؤول.  

في النهاية، سوريا ليست بحاجة إلى محو ذاكرتها، بل إلى تحريرها من التقديس والتوظيف السياسي. تحتاج إلى تحويل الذاكرة الجمعية من مصدر للانقسام إلى مجال للحوار، وتحويل السرديات المتنافسة إلى موضوع للبحث والنقد، وتحويل الذاكرة الانتقائية إلى تاريخ أكثر شمولاً، وتحويل الألم إلى عدالة. فالهدف النهائي انتصار الحقيقة على الخرافة، والعدالة على الانتقام، والمواطنة على الذاكرة الجمعية المغلقة.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى