الرأي العام

في فائض الثرثرة ونقص السياسة لدينا

من يقول إنّ كل الغضب الموجود مجرد ضجيج فيسبوك عم يريّح حاله من مواجهة مشاكل حقيقية، ومن يقول إنّ صفحته أثبتت أنّ "الشعب كله انقلب" هو يفعل الشي نفسه من الجهة الثانية

براء موسى – العربي القديم

في شي عم يتغيّر بالمزاج السوري، أو على الأقل هيك عم يبين. بتحكي مع ناس بالداخل، بتفتح فيسبوك، بتقرأ التعليقات، بتراقب النقاشات يلي عم تتكرر من موضوع لموضوع، بتحس إنّو الحماسة الأولى خفّت، وإنّو مساحة التململ عم تكبر، وإنّو الدفاع التلقائي عن الحكومة، يلي كان قبل فترة شبه حاضر تحت كل خبر وكل قرار، صار أضعف. بالمقابل النقد صار أسهل، والشكوى أعلى، وأحياناً بتحس إنّو البلد كلها قاعدة بنقاش واحد طويل عنوانه: “طيب وبعدين؟”، أو وراء ستار أكثر تثاقفاً بعنوان: “سوريا… إلى أين؟”

المشكلة إنّو الإحساس بشيء ما بيعني بالضرورة إننا منعرف حجمه… ممكن يكون المزاج فعلاً عم ينزاح باتجاه عدم الرضا، وممكن تكون الصورة يلي عم نشوفها أكبر من التغير الحقيقي، وممكن، وهذا الأرجح بالنسبة إلي، يكون الاثنين عم يصيروا مع بعض: تراجع حقيقي بدرجة الرضا، وفوقه تضخم بحضور الصوت الناقد، لدرجة صار صعب نعرف وين بتنتهي النقمة الموجودة فعلاً ووين بتبلش صورتها المكبرة على السوشيال ميديا.

لو افترضنا، لمجرد التفكير، إنّو المجتمع السوري بعد سقوط النظام كان تقريباً ثلاثة أثلاث: ثلث معادٍ للسلطة الجديدة، ومن ضمنه جمهور النظام السابق أو يلي صرنا نسميهم اختصاراً “الفلول”، وثلث رمادي عم يراقب وينتظر، وثلث من جمهور الثورة أو المؤيدين للسلطة الجديدة. الأرقام هون اعتباطية بالكامل، وما عندي مركز استطلاعات مخبّيه تحت التخت… الفكرة مو بالأرقام، الفكرة بحركة الصوت بين هالمجموعات. شو بيصير إذا الثلث الأول بقي تقريباً بمكانه، بس صار صوته أعلى وأكثر ثقة؟ وإذا قسم من الرماديين، تحت ضغط الاقتصاد والأخطاء الحكومية والبطء، بلش يميل للنقد؟ وإذا قسم من المؤيدين ما انتقل للمعارضة أصلاً، بس بطل عنده نفس يدافع عن الحكومة تحت كل منشور؟ وقتها ممكن ما يكون صار انقلاب سياسي بالحجم يلي عم نتخيله، بس رح نسمعه كأنه صار.

بين المزاج الحقيقي والمزاج المرئي

هون في فرق بين “المزاج الحقيقي” و”المزاج المرئي”. من يقول إنّ كل الغضب الموجود مجرد ضجيج فيسبوك عم يريح حاله من مواجهة مشاكل حقيقية، ومن يقول إنّ صفحته أثبتت أنّ “الشعب كله انقلب” هو يفعل الشي نفسه من الجهة الثانية. فيسبوك ليس صندوق اقتراع، وصفحتي ليست استطلاع رأي، والقعدة مع خمسة أصدقاء، حتى لو الأربعة منهم سبّوا الحكومة والخامس سبّ الأربعة، ما بتصير عينة ممثلة للشعب السوري.

حتى الاستطلاعات القليلة المتاحة بتعطينا صورة أعقد… في إشارات لتراجع بالتفاؤل مقارنة ببداية المرحلة الانتقالية، بس ما عنا شي يسمح نقول بثقة إنّو التأييد كان 80% وصار 50%. هاي الأرقام نفسها جزء من الظاهرة: منسمع إحساساً عاماً، منلبّسو رقماً، وبعد شوي الرقم بصير “معلومة” ومنبلش نتناقش على أساسها.

داء قديم… بنسخة جديدة

وهون رجعت تذكرت مقال كتبته سنة 2013 بعنوان “داء الثرثرة العريق… في بعض تجلياته”. وقتها كان السوري داخل حديثاً تقريباً إلى السياسة بعد عقود طويلة من منعه منها. كنا مجتمعاً محروماً من الفعل السياسي، بس أبداً مو محروماً من الحكي بالسياسة، شي بالسر وشي بالعلن: لما ما فيك تغيّر الوزير، فيك تحلله، ولما ما فيك تعمل حزب، فيك تعمل قعدة، ولما ما بتعرف شو عم يصير جوّا الدولة، أكيد في واحد بيعرف واحد ابن خالته بيشتغل مع واحد بيعرف. كان عنا ملايين المحللين السياسيين قبل ما يصير عنا سياسة.

بعد ثلاثة عشر عاماً تغيرت سوريا لدرجة إنّو النص القديم أحياناً بيحسسك إنّو مكتوب عن بلد تاني، بس “داء الثرثرة” ما مات، الظاهر إنّو بس تحوّر. اليوم السوري قادر يحكي أكتر بكثير: ينتقد مسؤول، يصور مؤسسة، يعترض، يعمل حملة، يسخر من صاحب منصب، ويقول كلام كان قبل سنوات ممكن يوصله لمكان ما بيرجع منه. وهاي مو مشكلة بدنا نعالجها، بالعكس، هاي واحدة من أهم المكاسب يلي لازم نعض عليها بأسناننا. المشكلة بمكان تاني: شو بيصير لما مجتمع حُرم من السياسة لعقود يحصل فجأة على مساحة هائلة من الكلام، قبل ما تكتمل المؤسسات يلي بتحوّل الكلام إلى سياسة؟ هون بيظهر يلي عم أسميه “فائض الثرثرة”.

بس قبل ما يجي واحد متحمس للحكومة ويمسك العبارة ويضرب فيها كل حدا عم يشتكي، لازم نتفق: الثرثرة ما بتعني إنّو أصل الشكوى كاذب، بكثير من الأحيان أصلها حقيقي جداً. بتحكي مع موظف بالداخل، بيقلك راتبي مئة أو مئة وخمسين دولار، ومصروفي أنا وعيلتي بده أضعاف هالرقم. ممكن نختلف إذا الأسرة بدها خمسمئة أو سبعمئة أو ألف حسب المدينة والإيجار وعدد أفرادها، بس لما الموظف بيقلك: “راتبي ما بيطعمي خبز”، ما في داعي نجيبله عالم اجتماع يشرحله إنّو مصاب بانحياز السلبية، جيبته بتعرف قبله.

ونفس الشي بالرشوة. الحكومة بتحكي عن مكافحة الفساد، وفي حملات وتحقيقات وإجراءات فعلية، بس هالشي ما بيعني إنّو الرشوة اختفت. أما الانتقال من “الرشوة بعدها موجودة” إلى “الرشوة صارت أسوأ من أيام الأسد”، فهو ادعاء جديد بده دليل جديد، مو عشرين منشور فيسبوك بيقولوا نفس الشي. وهون الفرق كله: في حقيقة “راتبي ما بيكفيني”، في حكم أوسع “الوضع الاقتصادي سيئ”، وممكن يكون صحيح، بعدين “ما تغير شي أبداً”، بعدين “كل الناس عم تقول هيك”، وأخيراً “إذن كل الناس مقتنعة بهالشي”. بين أول جملة وآخر جملة في مساحة كاملة اسمها الثرثرة؛ الحقيقة بتعطي الوقود، والمبالغة بتعطي اللغة، والعدوى بتعطي الانتشار.

الحقيقة تعطي الوقود… والعدوى تعطي الانتشار

وحتى العدوى مو مجرد تشبيه. في علم النفس والاجتماع في “العدوى الاجتماعية” Social Contagion، و”عدوى الشكوى” Complaint Contagion، و”العدوى الانفعالية” Emotional Contagion. الفكرة ببساطة إنّو سماع الآخرين وهنن عم يشتكوا ورؤية مشاعرهم ممكن يأثر بسلوكنا ومشاعرنا نحنا كمان. بس ما منحتاج مختبر بكل مرة لنلاحظ هالشي: اقعد ساعة مع خمسة أشخاص عم يشتكوا من البلد، وبعدين حاول قوم من القعدة متفائل، الله يقويك.

الشكوى مو معلومة وبس، هي فعل اجتماعي ينتظر جواباً. بتقول لصاحبك: “والله الوضع ما بينطاق”، غالباً ما رح يرد: “شكراً على المعلومة، اسمحلي أراجع بيانات صندوق النقد الدولي”، رح يقلك: “إي والله”، وبعدين بيحط مشكلته فوق مشكلتك. هيك بتبلش الحلقة: شكوى، فتكرار، فإحساس إنّو “الكل عم يحكي هيك”، فبتصير الشكوى أكثر قبولاً، وبيدخل ناس جداد فيها، فبيزيد حضورها، فبيزيد اعتقادنا إنّو الجميع غاضب، فبيصير التعبير عن الغضب أسهل. هون الشكوى ما عادت بس تعكس المزاج، بلشت تشارك بصناعته.

في مفاهيم مثل “الجهل التعددي” Pluralistic Ignorance و”دوامة الصمت” Spiral of Silence بتحاول تفسير أجزاء من هالعملية: ممكن الناس تخطئ بتقدير شو الآخرين فعلاً بيفكروا، وممكن يلي بيعتقد إنّو رأيه صار أقلية يصير أقل استعداداً يحكي، بينما يلي حاسس إنّو الريح معه يعلي صوته. بس لازم ما نقع بحب نظريتنا، ما فينا نوقف قدام كل سوري معصب ونقله: “أنت بالحقيقة مو معصب، أنت مصاب بالعدوى الاجتماعية”، هاي بتكون النسخة المثقفة من كلمة “مندسين”. الناس ممكن تكون معصبة لأسباب حقيقية، والسوشيال ميديا ممكن تضخم حجم الغضب المرئي بنفس الوقت، ما في أي تناقض.

وفوق هالشي في السوشيال ميديا نفسها، يلي ما بتقوم الصبح وتقول: والله اليوم خليني أعطي براء عينة تمثيلية من المجتمع السوري مشان ما يخرب بحثه. هي بدها تفاعل، والغضب مادة ممتازة للتفاعل.

وقبل أيام الواقع السوري أعطانا مثالاً أجمل من أي مثال ممكن نخترعه. صار جدل حول الشركة السورية للبترول، وعقود وأرقام متداولة عن أضرار مالية محتملة. طلع مدير الشركة يوسف قبلاوي يدافع عن المؤسسة، وبسياق الكلام قال إنّو فيسبوك صار يقود معظم السوريين “زي القطيع الواحد ماشي وراه”. اشتعل فيسبوك، اعتذر الرجل، وبعدين انتشر على فيسبوك خبر إنّو الرئيس أصدر مرسوماً بإقالته بسبب تصريحه، وطلع الخبر كاذب. يعني مسؤول اتهم السوريين إنهم عم ينساقوا ورا فيسبوك، فغضب السوريون من اتهامهم بالانسياق وراء فيسبوك، ثم انساق قسم منهم وراء خبر على فيسبوك بيقول إنّو الرجل أُقيل.

هون الواحد ما عاد لازم يكتب نكتة، بيترك الواقع يكمل لحاله.

بس هالشي ما بيعني إنّو قبلاوي كان محقاً بوصف الناس، ولا إنّو الأسئلة حول العقود والأموال كانت وهمية، بالعكس. أهمية المثال إنّو عنا قضية حقيقية تستحق السؤال، ومعلومات غير مكتملة، وغضب مفهوم، وتصريح مستفز، وبعدين تضخيم، وبعدين خبر كاذب ركب فوق الجميع. هيك بتشتغل آلة الثرثرة، والحكومة مو واقفة برّا الآلة تتفرج، أحياناً هي نفسها بتأمنلها المواد الأولية.

الفراغ المعلوماتي أرض مشاع

خذ قضية محمد حمشو. لما شرح أحمد الشرع الملف قال إنّو الدولة صادرت تقريباً ثمانين بالمئة من ثروته، وإنّو العشرين بالمئة الباقية ما توفرت، بحسب قوله، أدلة كافية إنها مكتسبة بطريقة غير مشروعة. وأضاف حجة مرتبطة باستمرار الشركات وحماية أرزاق عشرات آلاف العمال، وقال إنّو التسوية المالية ما بتعفي حمشو من أي قضية جنائية ممكن تثبت عليه. ممكن التفسير يقنعك، وممكن ما يقنعك، بس ليش السوري لازم ينتظر سؤالاً بلقاء حتى يفهم منطق معادلة 80/20 بملف بهالحساسية؟ وين القاعدة المنشورة يلي بتخليني أعرف ليش كانت ثمانين هون، وشو ممكن تكون مع شخص تاني؟ وشو معيار المصادرة والتسوية؟

الفراغ المعلوماتي ما بيضل فراغاً، الفراغ المعلوماتي أرض مشاع، وأول واحد بيوصل بيبني روايته عليها. المؤيد بيحط تفسير، والمعارض تفسير، والرمادي بيسمع الاثنين، وبعد أسبوع بيصير عنا عشرة أشخاص كل واحد فيهم بيعرف “القصة الحقيقية”. ونفس الشي أخطر بملفات مثل فادي صقر، لأنّو هون عم نحكي بالعدالة والدم والذاكرة، مو بالمال بس، وكل ما ارتفعت حساسية الملف ارتفعت كلفة الغموض. لهيك الشفافية مو ترف أخلاقي، الشفافية أداة لمكافحة الثرثرة.

وقانون الأحزاب مثال تاني. لليوم ما صار عنا إطار حزبي مستقر وواضح بالشكل يلي بيخلي النشاط السياسي ينتقل من المزاج إلى المؤسسة. قبل أيام السوريون كانوا يناقشوا إذا جماعة الإخوان المسلمين رح تحل نفسها أو لا، وبعدين قرر مجلس شوراها الاستمرار. طيب لو كان في قانون أحزاب واضح ونافذ، ما كان تغير شكل السؤال؟ ما عاد بس: الجماعة بدها تحل حالها أو لا؟ بيصير: هل بتستوفي شروط القانون؟ هل تتحول لحزب؟ كيف بتمول نفسها؟ شو شروط العضوية؟ شو المسموح والممنوع؟ وهل نفس القواعد مطبقة على الجميع؟ المؤسسة ما بتمنع الحكي، المؤسسة بتعطي الحكي قواعد لعب.

عندما يكون فيسبوك هو المؤسسة الوسيطة

وهون منوصل لمشكلة أوسع. لما المؤسسات الوسيطة تكون ضعيفة، بتصير العلاقة تقريباً: مواطن ← فيسبوك ← حكومة. المواطن بيعصب، بيكتب منشور، المنشور بينتشر، بيوصل لمسؤول، المسؤول بيشرح أو ينفي أو يعتذر، وبكرا منلاقي قصة جديدة. طيب وين الحزب؟ وين النقابة؟ وين الجمعية؟ وين المجلس المحلي؟ وين المنظمة المهنية؟ وين الإعلام يلي بيجمع الأرقام وبيحطها قدام المسؤول بدل ما يبدأ التحقيق كل صباح من بوست مجهول؟

بس كمان ما فينا نظلم المجتمع ونقول إنّو ما عمل شي. بعد سقوط النظام صار في توسع بالنشاط المدني، وتسجلت مئات المنظمات، وطلعت شبكات ومبادرات محلية وتجارب رقابية وأهلية. يعني لا، السوري مو عاجز جينياً عن الاجتماع إلا على أركيلة. بس بيضل السؤال: قديش من طاقتنا السياسية عم يروح للتنظيم، وقديش منها عم يروح للتعليق؟ قديش واحد كتب هالشهر عن مشكلة بحارته، وقديش واحد اجتمع مع خمسة من جيرانه وحاولوا يعملوا شي تجاهها؟

وبنفس الوقت، الدولة ما فيها تقول للناس “نظموا حالكم”، وبعدين تخلي تأسيس جمعية أو حزب أو نقابة مستقلة رحلة بين الموافقات والأختام، ما فيها تطلب من المجتمع ينتقل من الرعية للمواطنة بينما هي محتفظة ببعض عادات الأب. المجتمع السوري مو “طفل” بطبيعته، الأدق إنّو الدولة الأبوية هي يلي بتُطفّل المواطن.

لنصف قرن تقريباً كان الخطاب، بصيغ مختلفة: نحن منقرر، نحن منعرف، نحن منعطي، نحن منمنع، السياسة مو شغلك، التنظيم مو شغلك، أنت اطلب ونحن منقرر إذا منعطيك أو لا. الدولة أب، والمواطن ابن بينتظر. سقط الأب السياسي القديم، بس الابن ما بيقوم تاني يوم الصبح قارئ مونتسكيو وتوكفيل ومتحول لمواطن سويسري. بياخد معه عاداته: انتظار الحل من فوق، تحميل الدولة كل شي، ضعف الثقة بالعمل الجماعي، والانتقال السريع من التعويل على السلطة إلى شتمها لما ما تحقق المتوقع.

بس هاد تفسير، مو إعفاء. الإرث السلطوي ما بيعطي المجتمع براءة أبدية، وبنفس الوقت ما بيعطي السلطة الجديدة عذراً تعيد إنتاج الأبوة نفسها. المواطنة بدها طرفين راشدين: دولة تعرف إنّو المواطن مو ابنها، ومواطن يعرف إنّو الدولة مو أبوه.

وفوق كل هاد، في مفارقة بتواجه أي حكومة: الإنجاز بيتحول بسرعة إلى أمر طبيعي، بينما الخطأ بيضل خبراً. خذ الكهرباء، في تحسن حقيقي بالإنتاج والتغذية مقارنة بالكارثة السابقة، وفي جهات دولية رصدت تحسناً بالطاقة والنفط وبعض مؤشرات النشاط الاقتصادي. بالبداية المواطن بيقول: “والله الكهربا صارت تجي”، بعد فترة بيبطل يقولها. ليش؟ لأنّو الكهربا صارت كهربا.

وهذا مو نكران جميل، هذا الطبيعي. المواطن مو لازم يبعت ورد للحكومة كل شهر لأنها وصلت الكهرباء لبيته، أول ما تستقر الخدمة بتتحول من “إنجاز” إلى حق، ومن خبر جيد إلى خط أساس جديد. وهون المشكلة: رصيد الإنجاز سريع الاستهلاك، بينما رصيد الخطأ تراكمي. في مفهوم اسمه “انحياز السلبية” Negativity Bias: المعلومة السلبية، بظروف كثيرة، بتأثر بتقييمنا للمؤسسات أقوى من المعلومة الإيجابية المقابلة. وبالسوري: الحكومة ممكن تصلح عشر شغلات، وبعدين يطلع مسؤول يقول للناس “قطيع”، خمن شو رح يناقش فيسبوك هديك الليلة.

بس مرة تانية، ما لازم نحب نظريتنا زيادة عن اللزوم. الموظف يلي ما بيقدر يكمل الشهر براتبه ما بيهمه إذا الناتج المحلي الإجمالي بلش يتعافى. ممكن الحكومة تقول إنّو الرواتب ارتفعت عدة أضعاف مقارنة بنهاية عهد الأسد وتكون محقة، وممكن مؤسسات دولية تقول إنّو في مؤشرات تعافٍ وإنّو إنتاج الطاقة والنفط وبعض النشاط الاقتصادي تحسن وتكون محقة، وبعدين يفتح موظف سوري محفظته ويقول: “طيب وينهن؟”، ويكون هو كمان محق.

ما في تناقض. ممكن الاقتصاد ينمو، والراتب الاسمي يرتفع، والمواطن يضل عاجز عن تغطية احتياجات عيلته. الفقر والتضخم والأسعار وفرص العمل كلها مشاكل حقيقية، لهيك الاحتجاج الاقتصادي مو مرض نفسي، والنقد السياسي مو عدوى لازم نعقم المجتمع منها.

الثرثرة غالباً بتبدأ من وجع حقيقي، مشكلتها إنها لما تدخل المجال العام ممكن تكبر أسرع من الوجع يلي خلقها، لحد ما يصير صعب نفرق بين حجم المشكلة وحجم الكلام عنها. الثورات بترفع سقف التوقعات أسرع بكثير مما الدول المدمرة بتقدر ترفع سقف الخدمات، وبين السقفين تنمو الثرثرة، بس ما بتنمو من الهوا.

حين يبدأ المزاج المرئي بصناعة الحقيقي

لهيك لازم نفرق بين ثلاثة أشياء: الواقع الموضوعي، يعني الاقتصاد والرواتب والكهرباء والفساد والقضاء والأمن والقوانين والوظائف؛ المزاج الحقيقي تجاه هالواقع؛ وبعدين المزاج المرئي، يلي منشوفه على فيسبوك، ويلي منسمعه من أصحابنا، ويلي بيصير ترند ويتكرر لدرجة منقول “كل البلد عم تحكي هيك”. والمضحك إنّو يلي بيلاقي حاله فجأة جوّا الترند غالباً بيفكر إنّو اكتشف المزاج العام، مع إنّو ممكن يكون هو نفسه صار قطعة من الترند: بيركبه، وبيشارك فيه، وبيكمّل دورانه بحماسة وحبور. الثلاثة بيتفاعلوا، بس مو هنن الشي نفسه.

لهيك لما حدا يقلي إنّو تأييد الحكومة كان ثمانين وصار خمسين، ما عندي سبب صدقه، وما عندي سبب أسخر من إحساسه كمان. ممكن يكون شايف اتجاه حقيقي وعم يبالغ بحجمه، ممكن التأييد تراجع، ممكن يلي تراجع أكثر هو حرارة التأييد، ممكن المعارض صار أعلى صوتاً، والرمادي أكثر تململاً، والمؤيد أقل استعداداً يدافع، وممكن كل هالأشياء عم تصير مع بعض.

بس هون في احتمال أخطر: المزاج المرئي، حتى لو كان بالبداية أكبر من المزاج الحقيقي، ممكن مع الوقت يجر الحقيقي وراه. إذا كل يوم فتحت تلفونك وشفت الكل معصب، وكل قعدة سمعت إنّو البلد رايحة عالهاوية، وإذا صار الدفاع عن الحكومة يبدو سذاجة وانتقادها يبدو علامة ذكاء، فأنت ما عدت بس عم تستقبل المزاج، بلشت تشارك بصناعته. وبالعكس، إذا السلطة ومؤيدوها بنوا فقاعة بتقول إنّو كل شي ممتاز وإنّو أي حدا بينتقد هو فلول أو حاقد أو متآمر، فهم عم يبنوا مزاجاً مرئياً وهمياً من الجهة الثانية. الفقاعات مو حكر على حدا.

الواقع بينتج تجربة، التجربة بتنتج رأياً، الرأي بيدخل المجال العام، المجال العام بيضخمه أو بيخفيه، والصورة الناتجة بترجع بتأثر بالناس. ومن هون إجى عنوان “فائض الثرثرة ونقص السياسة”.

بس مين بده يدير؟ الحكومة؟ إذا قلنا الحكومة لحالها، رجعنا للأب يلي قضينا كل هالحكي عم نقله يبطل يعاملنا كأطفال، وبيصير ناقصنا وزارة اسمها “وزارة إدارة الثرثرة”، فيها مديرية عامة للبوستات المعصبة، ودائرة للشائعات، وشباك خاص للمنشورات يلي بتبلش بـ”يا جماعة الخير”.

لا.

إدارة فائض الثرثرة مسؤولية موزعة. مسؤولية الحكومة تعطي المعلومة قبل ما تحتل الشائعة مكانها، وتبني القانون قبل ما تتحول كل قضية لحفلة تأويل، وتفتح المجال للمؤسسات المستقلة، وتفهم إنّو الشفافية مو منّة وإنّو المحاسبة مو مؤامرة. ومسؤولية الإعلام ما يحول كل عاصفة فيسبوكية إلى “الشعب السوري يقول”، وما يعامل الترند كأنه صندوق اقتراع. ومسؤولية المجتمع المدني يحول الشكوى إلى تنظيم، والتنظيم إلى مطلب، والمطلب إلى ضغط قابل للقياس. ومسؤولية المواطن يتعلم، شوي شوي، الفرق بين إنّو يكون صاحب رأي وإنّو يكون صاحب دور.

ولا شي من هالحكي معناه إنّو السوري لازم يبطل يشتكي، بعض الشكوى ضرورة، وبعض الغضب مستحق، وبعض أخطاء السلطة ما بدها عالم نفس اجتماعي يشرحها، بدها مسؤول يتحاسب عليها. وبنفس الوقت، مو كل شي بيتكرر حقيقة، ومو كل شي بينتشر أغلبية، ومو كل فشل دليل إنّو كل شي فشل. الخبر السيئ ما بيمحي عشر مؤشرات جيدة، وعشر مؤشرات جيدة ما فيها تقنع موظف ما بيكفي راتبه نص الشهر إنّو حياته ممتازة. ممكن الواحد يحتفظ بالفكرتين براسه بنفس الوقت، ويمكن هاي واحدة من أول علامات الرشد السياسي.

سوريا الخارجة من الاستبداد ما بدها شعب يحكي أقل، بعد كل هالسنين من الصمت هاد بيكون طلب سخيف أصلاً. بدها دولة ومجتمع يعرفوا شو يعملوا بكل هالحكي، لأنّو ملايين الكلمات، إذا ما لقت حزب أو جمعية أو نقابة أو مجلس أو إعلام أو مؤسسة تستقبلها وتختبرها وتحولها لشي، رح تضل تدور بالمجال العام، تتصادم وتتضاعف وتعيد إنتاج حالها. وساعتها الخطر مو بس إننا نخطئ بقراءة المزاج العام، الخطر إنّو قراءتنا الغلط إله تبلش تغيّره، لأنّو المزاج المرئي ما بيكتفي دائماً بعكس المزاج الحقيقي، وإذا كرر حاله بما يكفي، ممكن يبلش يصنعه.

وساعتها الثرثرة ما بتكون حكي زائد، بتكون صارت سياسة.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى