يوم الحساب لفواز حداد : بلادٌ في عين العاصفة
فواز حداد كان يستشرف المستقبل باطمئنان الثَّائر، والخبير بقراءة المعطيات الواقعية واتجاهات العلاقات الجيوسياسية الإقليمية والعالمية.

موسى رحوم عبَّاس – العربي القديم
يمثل لوسيان غولدمان LUCIEN GOLDMANN, 1917-1970) ) الروماني الفرنسي محطة أساسية في النقد الأدبي الحديث “لأنه أعاد صياغة العلاقة بين الأديب والمجتمع بطريقة أكثرتعقيدا من مفهوم الانعكاس، فهو يرى أن المؤلف مهما بلغت فرديته، يتحرك داخل فضاء اجتماعي تاريخي، ويتقاطع وعيه مع وعي جماعي أوسع، وهذا لا يعني إلغاء الفرد، فالمؤلف يظل فاعلا في تشكيل المادة الجمالية، لكنه لا ينتج رؤية بصورة منفصلة تماما عن التاريخ والمجتمع… ” – عن موقع السَّارد
افتتحتُ مقالتي بغولدمان، وأنا أكتبُ عن رواية “يوم الحساب” للرِّوائي السُّوري فوَّاز حدَّاد ( دمشق 1947 ) الذي يحمل مشروعا روائيا كبيرا، له علاقة قوية بالمجتمع السُّوري، وهو في غمار ثورة عميقة، يخوض نضالا لاقتلاع الطُّغيان والديكتاتوريَّة المتجذِّرة لأكثر من خمسين سنة، ضمن نظام وراثيٍّ لجمهوريَّة تتحوَّل وفق خطة جهنمية إلى ملكيَّة مُطلقة.
تفكيك سردية معقدة
أنتج النظام الشمولي في سوريا وعبر عقود من الزمن سردية معقدة، تقوم على ترويج مفاهيم مدروسة، أسهم فيها العشرات من المتخصصين الموالين له، قائمة على دراسة هشاشة المجتمع السوري، المؤلف من إثنيات متعددة، ومذاهب دينية عديدة، طوائف تتواطأ على الصمت المتبادل، بحيث يبقى السطح خاليا من الطائفية المعلنة، مما يبرر قول بعض السُّذج بأننا لم نكن نعرف الطائفية، وكنا مجتمعا متجانسا… الخ هذه الاستنتاجات السًّطحية التي لا تعبِّر عمَّا يمور تحت السَّطح من شعور بالغُبن والمرارة للأكثرية من النَّاس، لكنَّهم يتظاهرون بأنَّهم سعداء، حفاظا على رؤوسهم! في رواية ” يوم الحساب” عمل هادئ لسبر عناصر هذه السَّردية، وبناء سرديَّة مضادَّة، تحلل الواقع، وتمتح من ثقافة الرِّوائي وموقفه النَّابع من صميم الثَّورة السُّورية، دون الوقوع في فخ المباشرة والشِّعاراتية، والحفاظ على روح الفن والمتعة، واستعمال تكنيكات ذكية لضخ المزيد من التَّشويق وتمتين البناء الرِّوائي، ورسم الشَّخصيات بحيث نرى أنفسنا من خلالها، فهم يشبهوننا في الفرح والحزن والصُّمود والانكسار.
من عناصر هذه السَّردية
- حامي الأقليات: من أهم عناصر سردية النِّظام التي بنى عليها صناعة حلف الأقليَّات الذي سانده، وتبنى سرديته، ودافع عنها، وألصق بالثَّوار وصف الإرهاب، والعملاء، والجراثيم ….
- مشايخ النظام ورهبانه: بنى النِّظام سلسلة ممَّن يمكن تسميتهم برجال الدِّين الإسلامي والمسيحي والدُّرزي … يؤازرونه إعلاميا، ويروجون لمصطلحاته، جهاد النِّكاح، عملاء تركيا، عملاء أمريكا، المخرِّبون، المجرمون… بل يطلبون منه تدمير المدن والقرى الثَّائرة على رؤوس أصحابها، بالبراميل المقدَّسة، ويشبهون عصاباته بالصَّحابة والقدِّيسين.
- نقل الديكتاتور وابنه من مرتبتهما البشرية إلى صورتهما ” الإلهية” التي لاتخطئ، بل هي تعرف كلَّ شيء حتى قبل حدوثه.
- تحويل قضايا المجتمع إلى ملفات تُسلَّم لما يشبه العصابة من المقرَّبين والأتباع، وحتى هؤلاء ليس لهم حصانة أبديَّة، حيث يمكن أن تُكفَّ يَدُ أحدهم فجأة؛ ليتحوَّل إلى منبوذ طريد لاقيمة له، يستجدي الرِّضا، ويقبِّل الأحذية، إنَّها مملكة الرُّعب، تطال أيَّ رأس مهما كبر، مملكة لا تتسع لرأسين، هو الزعيم الأوحد، وحسب.
اليد المطلقة أسلوبا ناجعا
إطلاق يد المتنفِّذين لنهب المال العام والخاص، هو أسلوب اتبعه النِّظام لكسب الولاء، وتكوين طبقة من مُحدثي النِّعمة، يختبئون خلف ضبَّاط برتب عالية، في الجيش والمخابرات، يديرون اقتصادا أسود، يتقاسمون ريعه مع رأس النِّظام وأسرته، متلاعبين بالعملة والاقتصاد والاستيراد والتصدير، وتكديس كميات ضخمة من الذَّهب والدُّولار، وبطبيعة الحال هذه الأموال لا توضع في الحسابات البنكيَّة، بل في البيوت والحسابات الخارجيَّة، تلعب الزَّوجات والأبناء والأقارب دورا هاما في التَّحايل للوصول إليها دون إثارة المتاعب.
مصطلحات مقدَّسة
اختص النظام نفسه بمصطلحات يردِّدها الموالون لها ببغائيا، وتسمعها من وسائل إعلامه مئات المرَّات يوميا، ومنها: الحركة التَّصحيحية، القائد الخالد، باني سورية الحديثة، بطل التشرينين… ومثال ذلك”تغيير مسمى الحركة الأرثوذكسية” إلى ” مدارس الأحد الأرثوذكسية” فلا حركة إلا ” الحركة التصحيحية” ولا عبرة للأقلية التي طرحت المصطلح؛ فلا أحد يعلو على الديكتاتور!
وهذا ما جعل الرواي في يوم الحساب يقول ” إذا كنتُ قد رغبتُ بعمل، فهو الكتابة عنَّا نحن، مما شهدناه، وما اخترناه… الكتابة عنَّا نحن، عندما كان الأمل حقيقيا، والدماء حقيقية، والموت حقيقة يومية، شكَّلت نمط حياتنا…” ص 256
البحث عن جورج أيقوني
جورج أيقوني شابٌّ سوريٌّ مسيحيٌّ يدرس في فرنسا، يترك الجامعة، ويعود لبلاده عبر تركيا؛ ليشارك في الثَّورة السُّورية، يختفي فجأة، رحاب أستاذته الفرنسيَّة السُّوريَّة تخوض حربها الخاصَّة للبحث عن مصيره، في مغامرة غير محسوبة النتائج، مثيرة حولها عشرات الأسئلة، ما الذي يدفع بفرنسيَّة تركت سوريا طفلة صغيرة، لا يربطها بها ذاكرة ولا حنين، ويستهلك البحث عن مصير هذا الشاب الوحيد لوالدته المسيحية المتدينة، وقتها وجهدها في منطقة خطرة، في عملية البحث تتقاطع دروب رحاب وأم جورج وريما حبيبة الراوي والخوري جبرائيل والصائغ الحصبوني والعشرات من ضباط المخابرات وحملة الملفات… ويتابع حداد تفكيك سردية النظام ومنظومة الحكم المعقدة” إذ تتحول المعتقلات إلى ملكية خاصة للضَّابط رئيس الفرع، يتصرَّف بمحتوياتها من المعتقلين كما يشاء، وبلا مساءلة، ليس مسؤولا عن حياتهم، إلا إذا كان يستطيع إحياء الأموات! …” ص 234 ،
من الشَّخصيات اللافتة في الرِّواية شخصية الحصبوني تاجر المجوهرت، التي استطاع الحداد بحرفيته المعهودة بناءها بناء مُتقنا فنيا ونفسيا، تاجر يجيد الحساب لكلِّ شيء، يبني ثروته ب ” المعرفة” والمعرفة هنا لا تعني الثَّقافة، بل هي فهم آليات الفساد من الصِّغار للكبار؛ فلكلِّ رأسٍ ثمنٌ ومفتاحٌ!
حسابات دقيقة ومتقنة
رسمت الرِّواية سيناريو المستقبل بدقَّة لافتة إذا سقط النَّظام، وما يفعله أولئك الذين كدسوا الثَّروات من دماء المعتقلين وذويهم، تلال من الذَّهب والدُّولارات مكدَّسة في البيوت والمزارع، إذا عرفنا أن الرِّواية كتبت ونشرت قبل التحرير بسنوات! يمكننا القول أن حداد كان يستشرف المستقبل باطمئنان الثَّائر، والخبير بقراءة المعطيات الواقعية واتجاهات العلاقات الجيوسياسية الإقليمية والعالمية.
الحصبوني رجل الذَّهب والمجوهرات الألعبان يشرح العلاقات البينيَّة عن طريق معادلة رياضيَّة، ( س) هو الطَّاغية ( م ) هو ضابط المخابرات، ثم يعلِّل رياضيًّا العلاقة بينهما، تكاملٌ في الأدوار، واختلافٌ في الأهداف، مع عدم الاقتراب من قوَّة ( س) وعندما يتساءل الخوري جبرائيل متوجِّسا، إذا سمعنا أحدٌ نتكلم بهذه الرُّموز، ماذا سيفهم منَّا، هل سينقل فحوى حديثنا لجهة ما، لكنَّه يجيب عن سؤاله همسًا، سيقول إنَّنا نتكلم عن نساء خاطئات! لا أكثر من شراميطَ يتشاجرْنَ مع قوَّادٍ على التَّسعيرة…” ص 250
يوشِّي الرِّوائي حدَّاد روايته بخيوط الحبِّ والعلاقات الدَّافئة دون أن نشعر بأنَّها مُقحمة عليها، وبلغة مقتصدة مفصَّلة على مقاس الأحداث.
يوم الحساب مفهوم ديني أم دنيوي!
يوم الحساب كما نعرفه مفهوم ديني كما في المسيحيَّة والإسلام واليهوديَّة، بل حتى في الأديان الأخرى، لكن الدِّماء التي سالت، تريده أن يكون أيضا على الأرض؛ كيلا يفلت القتلة من العقاب؛ وليشعر الناس أن ثمَّة عدالة تعيد إليهم الطمأنينة والسَّلام الروحيَّ، يقول الخوري جبرائيل لأمِّ جورج الأم الثَّكلى المطعونة بالفقد، يقول”
” لا تظنِّي أنَّ يوم الحساب في السَّماء فقط،… هناك يوم حساب على الأرض، ثقي يا أمَّ جورج! فوق هذه الأرض…” ص 355
فواز حدَّاد بارعٌ جدا في ترك الانطباع الأخير لكلِّ رواية يكتبها قويا، مؤثرا، لا يمكن نسيانه؛ فالقبر الذي ضم الشَّابين الشَّهيدين أحمد العمري، وجورج الأيقوني، المسلم والمسيحي الذي دفن تحت اسم عمر العمري، وقد اختلط جسداهما معا، ومع إصرار أم جورج عل دفن ولدها في مقابر المسيحيين، لكن استحالة عزلهما عن بعض، تتنازل عن هذه الرَّغبة، حيث تقول” لن أُقلق رقاده، لم يعد جورج ضيفا، بات أمانة لدى المسلمين إلى يوم الدِّين” ص 363
الرِّواية جَسَدٌ، واللُّغة هي ثوبه
يمكن أن تكون الرِّواية كبيرة في عدد صفحاتها، لكنك لا تستطيع أن تقول إن اللغة كانت فضفاضة، لأن الرِّوائي خاط للأحداث – وهي الجسد – ثوبا على مقاسه، لغة سهلة نستعملها في حياتنا اليوميَّة، في المقهى والشَّارع والمصنع، لغة غير متعالية، لكنَّها عميقة، وفصيحة، وسلسة، وانسيابية، مع تعقد الأحداث، تتنوع وفقا للشخصيات، فالخوري له لغته ومفرداته، وتاجر الذَّهب له لغته ومفرداته، بَلْهَ الضَّابط والمُخبر، والنصاب!
يوم الحساب الأرضي هو رمزٌ للعدالة في الدُّنيا، لا ينتقص من أهمية الحساب الأخروي. ننتظره، وينتظره كل أولئك الذي دفعوا ثمنا لحرية بلادهم من طاغية عدَّ نفسه إِلهًا يتحكَّم في مصائرنا، وأخبرنا أنَّه باقٍ للأبد!
السويد/ 09/2026
[1][1]يوم الحساب، رواية، حداد، فواز، رياض الريس للكتب والنشر: بيروت، لندن، 2021
[1] ISBN 978- 9953- 21- 735- 2

