حوار الاعتصامات والحاكم غير المعني بالاتهامات
أشعر أن الحاكم المتحكم غير معنيّ بالاتهامات (غرور من لا يهتزّ عرشه) ويتجنب مسؤوليته عن أن يكون قاضياً عادلاً بين الناس

مصعب الجندي – العربي القديم
الحوار الصعب بين الاعتصامات دراميّ للغاية، وما يزال سطحياً مبتوراً، غامضاً، لأن المتحاورون يتواجهون كأشباح، ولم يذهب أي طرف باتجاه العمق رغم خطورته إن استمرّ بحاله التي رأيناها في أكثر من اعتصام شهدته دمشق في الأشهر الماضية. هذا يجعلني أشعر أن الحاكم المتحكم غير معنيّ بالاتهامات (غرور من لا يهتزّ عرشه) ويتجنب مسؤوليته عن أن يكون قاضياً عادلاً بين الناس، وإن كانوا ضبابيّو الملامح، لم يبلوروا خطاباً متماسكاً، مادام الطبيعي أن الخطايا غالباً تبدأ عنده وكأن مملكته ليست من هذا العالم ومصدرها ليس الأرض.
في كل أمة، ومن بين كل ناس، هناك بعض الذين ليست وظيفتهم أن يحكموا، أي أن يتعاطوا السياسة، أمرهم فقط أن يشهدوا بالحق، بقناعة مطلقة بأن ذاك الحق ليس يقيناً أبدياً ولن يكون. وثمة بعض آخرون صنفوا أنفسهم بالمؤمنين وبنوا لها برجاً وصعدوا إليه مستكبرين فتبلبلت ألسنتهم ومعناها: أن أصبح لكل إنسان من ناسهم معانٍ تختلف عن الإنسانية وكأنها لغات من لغة واحدة بأحرف شوهاء. وكلا البعضين (لا غضاضة أن تكون الساحة مفتوحة لسواهم) وأتباعهم والملحقين بهم، فقد كانت حكمة خالقهم والجميع، أن لكل إنسان قلب يتشابه مع قلوب أخرى بالنبض وما يحتويه من روح، لكن من حكموا بالحق كيقين أبدي ومن جعلوا أنفسهم “مؤمنون في أبراج”، كلاهما ومن شابههما دوناً عن الجميع، سيجعلون من قلوب أناسهم أوكار أفاعي تتمزّق اقتتالاً فيما بينها وكلٍ منها قد يصنع مزارعاً وممالك ومسالك، وتسقطت الأنا من أن تصير “نحن”، وتغدو رسائل الحق عندها مجرد تقديس للذات، بعيدة عن وضوح وتطور وسائل التخاطب ولا تقبل التغيير والتطور الكامل للتكوين البشري، وتكتفي باستعارة مصطلحات (كما أرادها الخالق) وتدويرها لتصبح مُطلقات لا نسبيات فيها، لتجعل مملكتها ليست من هذا العالم أو مكونة منه لتستمتع بذكائها. إنه السقوط عن الشهادة بالحق كمطلق، والعدالة كنسبية له والقانون الواضح كناظم للإثنين.
أتصور الزمن المُقبل: أنه ثمرة زمنٍ هوى، ثمرةٌ فجة مُرهِقة، تتحول إلى سأمٍ وضيق، وجهد مبعثر بكل لحظاتها، حتى تنتصب على ذروتها وتتقيأ ذاتها.
أما ذاك الزمن الذي هوى: فما زال يترسب في حياتنا ذرات رملٍ صفراء سامة، تتناسق حتى تنفجر حصاة مُثقلة بغبار أيامنا انفجارا أبله بلا معنى.
سامحوني ببعض جنوني، حتى أنا قد لا أفهم على حالي، لكن يقيني: أنه في البدء كانت الثورة وهي البدء بالنطق والبصيرة بمعرفة ما بين أيدينا وأمامنا وخلفنا، واليمين واليسار.
…………………………………………….
* بعض الجمل مُقتبسة من الإنجيل.