فنون وآداب

نصوص أدبية || إيما

إيما يقظة، تحكي، دائماً تحكي، أحياناً أحسبها راديو

قصة قصيرة: خير الدين عبيد – العربي القديم

إيما.. أوَّلُ طفلةٍ تصعد حافلةَ نقلِ الأطفال التي أقودُها من البيوت البعيدة عن المدينة إلى المدرسة.

إيما.. عمرُها سبعُ سنوات، حلوة.. كربوجة، تحكي معَ نفسها، معي، ومع يان.

يان، في مثلِ سنّها، يصعد بعدَها، حاملاً حقيبتَهُ على ظهره النحيل، كأنه عصا فلاح مربوطةٌ بها زوَّادة الغداء.

يان.. لا يصعدُ من باب الحافلة إلا بعد أن يلفَّ حولها، فإنْ صعد مبتسماً، تكون إيما جالسةً في المقعد قبلَ الأخير، مقعدها.

يصعد. يقول لي: صباح الخير، يمشي، ينظر في وجه إيما.. ويبتسم، تراهُ دون أن تلتفت، فتبتسم، ثمَّ يجلس.

أراقبهما من خلال المرآة، إيما تنتعل حذاءً رياضياً جديداً، له أضواء، تستدير نصفَ استدارة، تدعس على أرض السّيّارة، تشتعل الأضواء.. وتزمّر، يبتسم يان، لا تراه، تدعس مرةً ثانية، تشتعل الأضواء.. وتزمّر، فيقول يان: حلو.

إجابتُه المقتضبة تُسعدها، تقول: اشتريتُه البارحةَ، أنا وأمي، رحنا إلى سوق نوردهورن، دخلنا أربعَ محلات، أمي أعجبَها حذاءٌ آخر، أنا أعجبني هذا.

سكتت منتظرةً ردَّهُ، يان نادر الكلام، يكتفي بسماعها.

_ أأعجبك؟

_ حلو.

يصعد الأطفال.. تعيد إيما القصةَ لكل طفل يصعد، بينما يكتفي يان بنظرةٍ إلى الحذاء بداية كل قصة.

نصل إلى المدرسة، يتسابقُ الجميع للنزول، إيما هادئة، بطيئة، لاتزال تجلس.

بصعوبة يضع يان حقيبتَهُ على ظهره، عندما يُدخل يده في الحمَّالة اليمنى، يميل يميناً حتى يكاد يقع، والحمَّالة اليسرى.. ذات الأمر.

يقفُ جانبَ إيما، لم يبقَ غيرُها، يسألها: أأحمل حقيبتَكِ؟

لا تجيب، تتركها وتنزل باسمة، يحملها.. يلحقها، مستمتعاً بأضواءِ الحذاء.. وألحانِه.

كلَّ يوم موقفٌ جديد، يجلسُ التلاميذ في مقاعدهم في السادسة صباحاً، بقايا النوم ما تزال في عينَيْ يان، إيما يقظة، تحكي، دائماً تحكي، أحياناً أحسبها راديو، لقد باشرت الحكي قبلَ صعوده، حيَّاها بابتسامة وجلس، أسند رأسَهُ على زجاج السيارة، ربما من شدّةِ النعاس، أو.. طالما الدنيا ظلام، يمكنه رؤيةُ وجهها من انعكاس الزجاج.

تتوقف إيما عن الحكي، تأخذ نَفَسَاً، يسود الصمت لدقيقة، تناديه:

_ يان

_ يا «نعم بالألمانية».

وتروح تسرد حكاية جديدة.

إيما.. اليوم، حقيقة، منشرحة، لا تسكت، وكلَّ دقيقتين تناديه، وهو يجيبها بالكلمة ذاتها: يا.

وتحكي، وتناديه، ويجيب بانزعاج:

_ ياااااا.

تسكت. تزعل.. وتنام.

لم أرَ طفلاً ينامُ بسرعة إيما، دقيقة واحدة فقط بين الحيويّة والنّشاط، وبين أن تغطَّ في نوم عميق.

عند النزول، تمسكُ حقيبتَها بسرعة، وتبدأ برفعها على ظهرها.

يترك يان حقيبته، ويمسك حقيبةَ إيما.

إيما تغضب، تتشبث بحقيبتها، من غير أن تنظر في وجهه.

أُمسِكُ أوراقاً، متشاغلاً، كي لا يشعرا أنني أنتظرهما.

يقول: أنا أحملها.

تقول: لماذا؟

يسكت، يحمل كلُّ واحدٍ حقيبتَهُ، ويمشيان.

كلَّ يوم يحمل حقيبتَها، يسيران بجانب بعضهما، هي تحكي، وهو يترنَّح.

اليوم تمشي أمامه، مستشعرةً خطواتِه، ويمشي خلفَها.. تماماً، كأنه يطبع قدمَهُ مكانَ قدمها.

هذا ليس أول موقف مزعج ليان، البارحة.. بعد أن حكت أكثرَ من نصف ساعة، سكتتْ.

كان يان يُصغي.. كعادته، وعندما سكتت اغتنمَ الفرصة وحكى، نادراً ما كان يحكي، قال:

_ قولي لأمك أن تسمحَ لك بزيارتي نهاية الأسبوع، سنركبُ على الحصان، أنا كلَّ يوم أركبُ على الحصان، إذا كنتِ تخافين، اِلعبي مع القطة.

كان يحكي كفارس منتصر، وقال:

_ إيما، اليوم سنلعبُ معاً، في حقيبتي لعبة جديدة.

لم تجب إيما، نامت.

زفر يان كفارسٍ مهزوم.

البارحة ليلاً أبلغتني الشركة أنَّ إيما انتقلتْ إلى مدينة أخرى، ولم تعد تلميذةً عندنا، ولا راكبة أيضاً.

صباحاً مسحتُ المرآة قبل أن أشغّلَ السّيّارة.

مررتُ على بيت يان، خرج، دار حولَ السّيّارة، لم يلمح إيما.

وقفَ.. بحلقَ، دائماً تجلس في ذات المقعد، والمقعد فارغ.

دخل، كلُّ المقاعد فارغة، مطَّ رأسَه يميناً وشمالاً ليتأكَّدَ، لم يجد أحداً.

سألني: أينَ إيما؟

صراحةً فكرتُ منذ ليلة البارحة في جواب، واعتزمتُ ألا أصدمه، فأجبتُه:

_ مريضة.

جلس.. وانطلقنا.

من خلال المرآة لمحتُه يميل نحو المقعد الذي أمامه، مقعد إيما، يُمسكه بكلتا يديه، ويمط رأسَهُ عساه يراها جالسة.

يسألني: يمكن أن تُشفى بعد ساعة، وتُحضرها أمها إلى المدرسة؟

أجيبه: يمكن.

أسندَ رأسَهُ إلى الزّجاج، ينظر علَّهُ يرى وجهها منعكساً، فلا يلمح أحداً.

يسألني: رأسها يوجعها؟

أجيبه: ربما.

نظرَ إلى الأرض، مكان حذاء إيما، فتذكَّر الأضواء وسمع ألحانَها، وابتسم.

نَصِل، نزل الأطفال، يان.. لا يضع حقيبتَهُ على ظهره، أول مرة لا يضعها.

وقفَ لثوانٍ قربَ مقعدها، حملَ حقيبتَهُ بيده، كأنها حقيبتُها، ومشى.

وصل إليّ، تشاغلتُ، نظر في عيني مباشرة، سألني:

_ هل إيما مريضة؟

أشحتُ، وقلت:

_ لا أعرف.

نزلَ، مشى مثلَ كهل، جارَّاً حقيبتَهُ خلفه، والبلاط الخشن ينهشُ قماشَها، حتى تمزقت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى