عيد الغدير بين التاريخ والدلالة ومتطلبات الوحدة الوطنية
لا تقتصر دلالات عيد الغدير على الجانب الديني فحسب، بل تمتد أحياناً إلى أبعاد سياسية وهوياتية، خاصة في المجتمعات التي تشهد تنوعاً مذهبياً أو تعاني من إرث الصراعات الطائفية.

د. زياد الغزالي – العربي القديم
يُعد عيد الغدير من المناسبات الدينية التي تحتل مكانة خاصة لدى المسلمين الشيعة، بينما ينظر إليه كثير من المسلمين السنة بوصفه حادثة تاريخية مهمة دون أن يحمل الدلالات العقدية والسياسية نفسها.
ويعود أصل المناسبة إلى ما يُعرف بواقعة “غدير خم”، التي وقعت في السنة العاشرة للهجرة، أثناء عودة النبي محمد صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع، حيث خاطب المسلمين في موضع بين مكة والمدينة يعرف بغدير خم. وتتمحور الخلافات التاريخية حول تفسير الحديث المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «من كنت مولاه فعلي مولاه». فبينما يرى الشيعة أن هذا الإعلان يمثل نصا” على ولاية الإمام علي بن أبي طالب وخلافته بعد النبي، يذهب جمهور أهل السنة إلى أن الحديث يؤكد مكانة علي وفضله ومحبته بين المسلمين، دون أن يتضمن تعيينا” سياسيا” أو دينيا” للخلافة. ومن هنا نشأ أحد أبرز الخلافات التاريخية في الفكر الإسلامي.
وعلى امتداد قرون من التاريخ الاسلامي، تحولت واقعة الغدير من حدث تاريخي إلى رمز ديني وعقائدي لدى الشيعة، وأصبحت مناسبة للاحتفال وإحياء الشعائر المرتبطة بها. وفي المقابل، لم يتحول هذا الحدث إلى عيد ديني لدى غالبية المسلمين السنة، الأمر الذي جعل المناسبة تحمل في الوعي الإسلامي دلالات مذهبية واضحة.
في السياق المعاصر، لا تقتصر دلالات عيد الغدير على الجانب الديني فحسب، بل تمتد أحياناً إلى أبعاد سياسية وهوياتية، خاصة في المجتمعات التي تشهد تنوعاً مذهبياً أو تعاني من إرث الصراعات الطائفية. لذلك فإن طريقة إحياء المناسبة والخطاب المرافق لها قد تسهم إما في تعزيز التفاهم والاحترام المتبادل، أو في إعادة استحضار الانقسامات التاريخية وإسقاطها على الواقع الراهن.
وفي الحالة السورية، تبرز أهمية التعامل مع هذه المسألة بحساسية وطنية عالية. فبعد سنوات من الحرب والانقسام، تبدو الأولوية لترسيخ قيم المواطنة والسلم الأهلي وإعادة بناء الثقة بين مختلف مكونات المجتمع. ومن هذا المنطلق، فإن احترام حق المواطنين في ممارسة معتقداتهم وشعائرهم الدينية يجب أن يترافق مع الحرص على تجنب أي خطاب أو ممارسة قد تُفهم على أنها استفزاز للآخرين أو انتقاص من رموزهم ومعتقداتهم.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود اختلافات دينية أو مذهبية، فهي جزء من تاريخ المنطقة وتنوعها الثقافي، وإنما في القدرة على إدارة هذا التنوع ضمن إطار وطني جامع. فالدولة الحديثة لا تنحاز إلى تأويل ديني أو مذهبي بعينه، بل تضمن حرية الجميع وتحمي حقوقهم على قدم المساواة.
ولذلك فإن النقاش حول عيد الغدير لا ينبغي أن يقتصر على الجدل التاريخي حول دلالات الواقعة، بل يجب أن يمتد إلى كيفية بناء فضاء عام يتسع لجميع السوريين، ويجعل من احترام التنوع والتعايش المشترك قاعدة للاستقرار والتنمية. فالوحدة الوطنية لا تتحقق بإلغاء الاختلافات، وإنما بتحويلها من عوامل انقسام إلى عناصر غنى وتكامل ضمن مشروع وطني جامع.

