أسرار محاولة اغتيال حافظ الأسد بعد مجزرة تل الزعتر: من خطط لها وكيف تم إيقافها؟
في آب/ أغسطس 1976 ارتكب نظام حافظ الأسد مجزرة تل الزعتر الرهيبة بحق اللاجئين الفلسطينيين في شرق بيروت، بعد حصار مطبق دام 52 يوماً، انتهى بمذبحة حصدت أرواح أكثر من ألفي مدني من أبناء المخيم. شكلت مجزرة تل الزعتر أولى جرائم نظام حافظ الأسد الكبرى، فكتب في هجائه عشرات القصائد والمقالات عربيا. وفي هذا الملف يكشف الكاتب والباحث سعد فنصة أسرار محاولة اغتيال لحافظ الأسد كانت تحضر لها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1977 انتقاماً لشهداء تل الزعتر. "العربي القديم"

ملف كتبه للعربي القديم: سعد فنصة
لقاء القاهرة – خريف يروي 2004
في خريف عام 2004، وعلى ضفاف النيل الساحر في القاهرة، لم يكن المشهد يوحي بأكثر من استراحةٍ عابرة عقب انتهائي من اجتماعات المؤتمر الإقليمي للدول الأعضاء، ممثلاً فيه سوريا في مقر المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.
وتعمدتُ هذه المرة تجنب الاتصال بالسفارة السورية، فلم أكن أريد أي شبهة رقابةٍ على حركتي في اللقاء الخاص الذي خططتُ له منذ وقتٍ طويل، واحتفظتُ بأهم حوادثه التاريخية بشيفراتٍ مُلغزةٍ على الورق تحسباً لوقوعها في أيدي من تعرفونهم جيداً حين عودتي إلى دمشق.
نعم، هكذا كنا نعمل في سوريا البعث الوراثي كي لا نُساق إلى أقبية المخابرات فقط لأننا نُدوِّن… أو نحاول تدوين التاريخ المُغفل الحقيقي.
انتهزتُ فرصة اختتام الاجتماعات، التي تتنافى مع الجانب المغاير لمهامي خلال زياراتي السابقة لأم الحواضر العربية… القاهرة. وبالرغم من أن مهمتي الوظيفية كانت عائدةً إدارياً وتقنياً إلى وزارة الثقافة السورية، إلا أنني كنت أحمل جواز سفرٍ بمهنتي الأصيلة وهي… الصحافة.
طلبتُ رقماً هاتفياً لطالما حفظته في ذاكرتي دون جرأة تدوينه، من إحدى كبائن الهاتف العامة، ليرنّ الهاتف على الطرف المقابل ويأتيني الصوت العميق المتهدج المنتظر: إنه العميل “أشرف”.
مواجهة دموية خفية
جلسنا في أحد المقاهي المطلة على النيل النابض بالأنوار الملونة على صفحة مساءات القاهرة، واخترنا ركناً منعزلاً ومتباعداً عن الأعين والآذان، وأمام كأسين من عصير الليمون المصري بمذاقه الحامض المحلى الفريد، ورغم صغر حجمه إلا أن عصارته الوفيرة جعلت مذاقه حاضراً في ذاكرتي إلى اليوم، ومعه بدأت تتدفق على الطاولة أخطر أسرار العمليات الاستخباراتية المكتومة في تاريخ المنطقة.
كانت الشكوك والتحفز يملآن الأجواء؛ إذ لم يسمح لي العميل بالتصوير، ورفض بشكلٍ قاطع استخدام آلة التسجيل، لكنه وافق على الحديث مدفوعاً بصلاتٍ تاريخية، فقد كان يعرف والدي بشير فنصة، ويعلم ثقل اسمه كرئيس تحريرٍ لأشهر الصحف الدمشقية في مرحلتي ما قبل الاستقلال السوري وبعده، إلى حين تأميم الصحافة ومسخ الصحفيين خلال عهد الوحدة مع مصر، إلى عهد البعث وإلغاء الصحافة السورية برمتها، أو تحويلها إلى بلاغاتٍ رسميةٍ من هرم السلطة إلى القاعدة الشعبية.
خلف تلك النظرات الحذرة والصوت الخفيض، فتح لي العميل “أشرف” الصندوق الأسود لصراع الإرادات بين الفصائل الفلسطينية والنظام السوري في سبعينيات القرن الماضي، ليزيح الستار عن تفاصيل الخطة السرية والانتحارية التي وضعها العقل المدبر “وديع حداد” لاغتيال الرئيس “حافظ الأسد”؛ وهي المحاولة التي وُلدت من رحم الغضب رداً على تقييد عمل الجبهة، وانتقاماً للدماء المهدورة في مجزرة “تل الزعتر”، وأودت بوديع حداد مسموماً في أحد المشافي الألمانية.
في هذا التحقيق، نعيد بناء تفاصيل تلك المواجهة الدموية الخفية من واقع هذه الشهادة الحصرية الممتدة بين حصار البنادق في الماضي وجلسات خريف القاهرة. وأمامي كمٌ هائلٌ من وثائق ومدونات قليلٌ منها ينفي خروج هذه العملية عن التخطيط الورقي والغرف المغلقة… ولكن شهادة عميل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والمكلف بالإشراف التام على تنفيذ الاغتيال “أشرف” كانت مغايرةً تماماً.
من هو العميل أشرف؟
ضابطٌ ودبلوماسيٌ سوريٌ عراقيٌ دمشقي الأصل، كان أصغر مقاتلي حرب فلسطين الأولى عام 1948 في معارك جيش الإنقاذ العربي التي قادها المجاهد فوزي القاوقجي. بعد إقالته من الجيش، انتدبته حكومة ما بعد الوحدة كدبلوماسيٍ وقائمٍ بالأعمال لفترةٍ قصيرةٍ في إحدى الدول العربية، ولكنه ما لبث أن غادر منصبه وانخرط في العملين العسكري والسياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين منذ تأسيسها في العام 1968، وبقي يعمل في الظلال حتى وفاته في العام 2006، وكان مُصراً أن يبقى اسمه وتاريخه مُغفلاً حتى بعد رحيله… وظل حذراً في كل كلمةٍ يرويها.

العميل أشرف متحدثا إلى سعد فنصة في لقاء القاهرة 2004 (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)
شهادة العميل “أشرف”
بيروت، شتاء 1977
نظر إليَّ وديع حداد مستفسراً، وقبل أن يُتم سؤاله قاطعته:
هل هو أمرٌ للتنفيذ، أم تسألني رأيي؟
أجاب بنبرةٍ حاسمةٍ لا تقبل التأويل: بل هو طلبٌ وأمر. نعم… سنغتال حافظ أسد.
شعرتُ فجأةً بنوعٍ من الراحة لم أكن أتوقعها. كان الطبيب السابق والثائر وديع حداد، على ما عُرف عنه من صلابةٍ فولاذية، يمتلك قلب طفل. كان حسه الأمني عالياً جداً في كل عملياته التي هز بها أركان العالم الغربي وإسرائيل. وكان هاجس تسريب معلومات هذه العملية حاضراً في ذهنه بقوة، لذلك لم تخرج أدق تفاصيلها إلى العلن حتى يومنا هذا، تاريخ لقائنا في القاهرة عام 2004.
مراقبة خطوط سير حافظ أسد
كانت مهمتي واضحةً أمامي، ولم نُطِل الحديث حولها: مراقبة خطوط سير حافظ أسد، ورصد آليات تغييرها في كل مرة. وفي هذه المتابعة، كلفتُ ضابط مسرحٍ من الجيش السوري لمراقبة الطرق التي يسلكها الأسد من ساحة الأمويين، مروراً بمحاذاة مبنى الجمارك، إلى قصر المهاجرين وحتى منزله القريب… وأحياناً كان يطرأ تغييرٌ على خط السير المعتاد في تنقلاته.
أصر وديع على أن تتم عملية الاغتيال بقواذف الرشاشات الثقيلة، بشكلٍ مباشرٍ وقريب. ويبدو أن وديع لم يكن مطلعاً على نوعية سيارات الأسد المصفحة والمضادة للرصاص، والتي بدأ باستخدامها لأول مرة عام 1971 وكانت من طراز مرسيدس، ثم انتقل بعدها إلى سيارات الكاديلاك الأمريكية الفارهة، المصفحة والمقاومة للرصاص.
ويتابع أشرف قائلاً: “لكني رفضتُ ذلك، وكان اقتراحي أن تتم العملية بتفجير شحنةٍ ناسفةٍ كاملةٍ في نقطةٍ محددةٍ ومحكمةٍ على الهدف”.
كان الاجتماع التحضيري لخطة العملية في حي المصيطبة، القريب من كراكون الدروز في بيروت. وبناءً على تحليل الاستطلاعات، أُعدت شاحنة من شاحنات الجبهة في منطقة مرتفعات قوسايا البعيدة عن الأعين في البقاع الأوسط، وهي منطقة كانت تسيطر عليها قوات الجبهة الشعبية خلال الحرب اللبنانية.
تم إعداد أوراق التسجيل خلال عشرة أيام، وحُمّلت الشاحنة بألفٍ وخمسمائة كيلوغرام من المتفجرات، وُضعت فوقها حقائب سفرٍ وخيامٌ للتمويه. وعند نقطة الحدود اللبنانية في “المصنع” كانت ثلاثون ألف ليرة، ومثلها على الحدود السورية في جديدة يابوس، كفيلةً بأن تُمرِّر ما هو أكثر من شحنة متفجرة، وقد أُخفيت بعنايةٍ وحذرٍ بالغين.
وعند سؤالي: لِمَ لمْ تُمرَّر شاحنةٌ كبيرةٌ محملةٌ بمثل هذا الحجم من المتفجرات عبر طرق التهريب المعتادة؟
أجاب محدثي قائلاً: “كانت قوات الردع العربية والجيش السوري قد نشرت حواجز ومراكز تفتيش عسكرية، وأقامت منطقةً عازلةً تفصل الحدود، امتدت لأكثر من ثمانية كيلومترات… لقد كان من المؤكد أنه سيتم الإيقاع بنا وتفتيش الشاحنة… لذلك كان الأسهل والأسلم هو الدخول عبر المنافذ الرسمية بالوسائل المعتادة التي يعرفها الشعبان الشقيقان طوال عقودٍ من الرشاوى المشتركة”.
لم تكن الشاحنة لتُلفت الأنظار، ووصلت بسلامٍ إلى دمشق، ومن ثم إلى مخيم اليرموك، بجانب منزلٍ لشخصٍ يُدعى سمير كويفي، فلسطينيٍ مقيمٍ في بعلبك، استُؤجر خصيصاً لهذه المهمة.
تُركت الشاحنة بانتظار اللحظة الحاسمة في حراسةٍ بعيدةٍ حتى لا تُلفت الأنظار، بينما كنتُ مسؤولاً على مدار الساعة عن تفقدها يومياً بسيارتي المازدا اليابانية. وفي اليوم السابع على وصولها، فوجئتُ بأنني لم أجدها في مكانها!
سافرتُ من فوري إلى بيروت وسألتُ وديع: هل صُودرت الشاحنة أو تم كشفها؟ أجاب باقتضابٍ صادم: “لم تُصادر… بل أعادها جورج!!”
قلت: “من الذي أعلم جورج بالعملية؟”
أجاب: “زكي هيللو”.
وعُدتُ إلى دمشق حانقاً، وفي رأسي عشرات الأسئلة التي لم أحظَ بإجابةٍ واضحةٍ عنها في حينه.
الرواية الإسرائيلية الرسمية:
العميل “Sadness” ومحاولة اغتيال حافظ اسد ومن ثم تصفية وديع حداد .
حسب ما أورده رونين بيرغمان في كتابه انهض واقتل أولاً”
إحباط اغتيال حافظ أسد – 1977
الموساد وعميله الملقب بـ الحزين
“Sadness” زرع في الدائرة الضيقة لوديع حداد بين بغداد وبيروت.
عندما خطط حداد لاغتيال حافظ الأسد
عام 1977، سرب “سادنس” الحزين التفاصيل للموساد، فقام الموساد بدوره بتسريبها لدمشق عبر قناة وسيطة لإحباط العملية وإنقاذ الأسد، بهدف الحفاظ على عميله وتثبيته كمصدر لا غنى عنه.
تصفية وديع حداد – 1978
بعد اختطاف طائرة لوفتهانزا إلى مقديشو، أمر مناحيم بيغن بتصفية حداد.
في 10 يناير 1978 ببغداد، استبدل “سادنس” معجون أسنان حداد بأنبوب مماثل مُسمم بمادة بيولوجية بطيئة المفعول طورها مختبر إسرائيلي سري – وهناك رواية موازية تتحدث عن شوكولاتة بلجيكية مسمومة.
تدهورت صحة حداد بنزيف حاد، نُقل إلى مستشفى شاريته في برلين الشرقية، وتوفي في 28 مارس 1978.
دور مونيكا هاس
مونيكا هاس (الاسم الحركي “آمال”) زوجة زكي هيللو (أبو علي) اليد اليمنى لحداد،
خلاصة رواية الموساد
عميل مزروع أحبط اغتيال الأسد ليحافظ على غطائه، ثم سمم وديع حداد، بمساعدة لوجستية من زوجة أحد مساعديه.
بعد أكثر من عشرين عاما على لقاء القاهرة، لم أكن اتخيل ان احد شهود هذه القضية حي يرزق، وعندما كنت اتحدث مع رئيس تحرير موقع “فينكس” الصديق “أبي حسن” الشهر الماضي (سبتمبر 2026 ) سألته عن الراحل “عدنان بدر الحلو” والذي دون شهادته في كتابه (تدمير سوريا -الغازي والمستعمر الجديد) صدر عن دار نون عام 2014 ..
فوجئت عندما قال لي انه كان في صحبة الاستاذ عدنان بدر يوم أمس .. وأنه يزرق بالحياة ولا زال نشطاً.
وبعد اتصال هاتفي طويل روى لي الاستاذ عدنان بدر الحلو شهادته في قضية محاولة اغتيال حافظ الاسد كما اطلع عليها في حينه :
في العام 1977 كان في منزل السيد أكرم الحوراني في العاصمة العراقية بغداد
كما رواها في لقاءات موثقة، وهي الشهادة التي تُمثل الرواية المضادة لرواية الموساد والعميل “سادنس”:
شهادة عدنان بدر الحلو
الرفض القاطع في منزل أكرم الحوراني – بغداد 1977
السياق والخلفية:
يروي عدنان بدر الحلو – أحد كوادر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين المقربين من وديع حداد – أن فكرة اغتيال حافظ أسد لم تكن وليدة 1977 فقط، بل كانت مطروحة منذ دخول الجيش السوري إلى لبنان عام 1976 واصطدامه بالقوى الفلسطينية والوطنية. وكان وديع حداد يرى في الأسد “خطراً استراتيجياً على الثورة الفلسطينية بعد أن أغلق الحدود واعتقل العشرات من كوادرنا”.
الاجتماع الحاسم في منزل أكرم الحوراني – بغداد:
يقول الحلو: في صيف 1977، دُعيتُ إلى اجتماع سري للغاية في منزل أكرم الحوراني في منطقة المنصور ببغداد. الحوراني – مؤسس الحزب العربي الاشتراكي وأحد آباء البعث التاريخيين المنشق عن أسد والمقيم في المنفى العراقي – كان بيته ملتقى للمعارضة السورية والفلسطينية.
الحاضرون حسب شهادته كانوا:
أكرم الحوراني (صاحب المنزل والمضيف)
وديع حداد (صاحب فكرة الاغتيال)
عدنان بدر الحلو (الشاهد)
ضابط عراقي رفيع من المخابرات العراقية – لم يسمه الحلو – كان يمثل صلة الوصل
شخصية فلسطينية ثانية من المجال الخارجي
تفاصيل الرفض القاطع:
يروي الحلو بالنص: “عرض وديع الخطة بشكلها النهائي: تفجير موكب الأسد بين ساحة الأمويين وقصر المهاجرين بواسطة شاحنة مفخخة بـ 1500 كغ. كنتُ أستمع وقلبي يعتصر. وعندما انتهى، نظر إليَّ أكرم الحوراني وقال: ما رأيك يا عدنان؟”
> “قلتُ بلا تردد: هذه مغامرة انتحارية ستدمر القضية الفلسطينية. اغتيال أسد في دمشق لن يسقط النظام، بل سيُسقطنا نحن. وسيحل محله شقيقه رفعت الاسد فورا.
سوريا ليست لبنان، والنظام هناك سيلصقها بنا وببغداد وسيشن حملة إبادة ضد مخيماتنا في سوريا ولبنان. والأهم، سيُعطي الأسد شرعية لتصفية كل معارض.”
هنا – يضيف الحلو – تدخل أكرم الحوراني بغضبٍ شديد وضرب بيده على الطاولة وقال لوديع:
“يا وديع، أنت ثائر كبير ولكني أقولها لك بصراحة: هذه العملية ليست ثورية، هذه جريمة سياسية. أنا أعرف تركيبة النظام في دمشق أكثر منك. أنت ستقتل شخصاً، لكنك ستصنع منه شهيداً وتُخلِّد نظامه لخمسين سنة قادمة. أنا أرفضها رفضاً قاطعاً، وأحذرك من تنفيذها من بغداد. العراق لن يتحمل تبعاتها.”
القرار النهائي وانقسام الموقف:
يؤكد الحلو أن الاجتماع انتهى برفضٍ قاطع من الحوراني ومنه شخصياً، وتحفظٍ عراقي.
ويختم شهادته برواية مهمة تربطها بشهادة العميل أشرف التي جمعتها أنت في القاهرة:
“خرجتُ وأنا أظن أن الموضوع أُغلق. وديع هز رأسه ولم يعلق. لكن بعد أسابيع، علمتُ أنه أعاد تفعيل الخطة عبر بيروت والبقاع بعيداً عن بغداد، عبر شحنته الشهيرة إلى اليرموك. وهنا جاء الرفض الثاني والأخير، لكن هذه المرة من الحكيم جورج حبش نفسه في بيروت، الذي أوقف الشاحنة وأعادها قبل التنفيذ بساعات، لنفس الأسباب التي طرحناها في بيت الحوراني: أن اغتيال حاكم عربي – مهما اختلفنا معه – ليس من خط الجبهة وسيحرقنا إقليمياً.”
رفضان تاريخيان
محاولة اغتيال 1977 مرت برفضين تاريخيين:
رفض سياسي – بغدادي: في منزل أكرم الحوراني ببغداد (يمثله الحوراني والحلو).
رفض تنظيمي – بيروتي: من القيادة المركزية للجبهة الشعبية ممثلة بجورج حبش في الساعات الأخيرة.
ولهذا السبب – حسب الحلو – فإن رواية الموساد عن أن عميله “سادنس” هومن أحبط العملية لصالح الأسد، هي رواية “مُضخمة ومُستغلة لخلاف داخلي فلسطيني – سوري كان قد حسم بالرفض أصلاً قبل أي “تسريب”بحسب معرفته .
وثائق ال KGB جهاز الاستخبارات السوفييتي السابق:
لا توجد في أرشيفات ووثائق الـ KGB المسرّبة (مثل “أرشيف ميتروخين” الشهير أو وثائق “بوكوفسكي”) أي إشارة إلى خطة قادها وديع حداد لاغتيال الرئيس السوري حافظ الأسد عام 1977، ومع ذلك، فإن الربط بين هذه الأسماء يعود إلى خلافات سياسية وتنظيمية حادة شهدتها تلك الفترة، ويمكن تفصيل حقيقة ما ورد في الوثائق السوفيتية والشهادات التاريخية كالتالي:
1. ما تكشفه وثائق الـ KGB عن وديع حداد تكشف الوثائق المسرّبة من الأرشيف السوفيتي (خاصة التقارير التي رفعها رئيس الـ KGB يوري أندريبوف إلى ليونيد بريجنيف عام 1969/1970) ما يلي:
2. تجنيد حداد كعميل: تم تجنيد وديع حداد من قِبل المخابرات السوفيتية تحت الاسم الحركي “قومي” (Nationalist).
3. الدعم والتوجيه: زوّد السوفييت حداد بالمال والأسلحة المتطورة. وكانت العلاقة تهدف إلى منح موسكو نوعاً من التوجيه غير المباشر لعمليات الجبهة الشعبية الخارجية.
4. خطوط حمراء: كان السوفييت يحرصون على عدم انجرار حداد إلى عمليات تضر بمصالحهم السياسية، لا سيما مع الأنظمة العربية الحليفة لموسكو (مثل النظام السوري بقيادة حافظ الأسد).
5. حقيقة محاولة الاغتيال المنسوبة في البيئة السياسية لعام 1977، كان هناك توتر شديد بين المقاومة الفلسطينية والنظام السوري بسبب التدخل العسكري السوري في لبنان (1976) ومحاصرة القوات الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية.
6. طرح الفكرة سياسياً: تشير بعض الشهادات التاريخية (مثل مذكرات سياسيين عرب) إلى أن وديع حداد كان يناقش أحياناً فكرة “تصفية” قيادات عربية يراها خائنة أو معرقلة للمقاومة. وعلى سبيل المثال، ذكرت بعض المصادر التاريخية أن حداد طرح فكرة اغتيال حافظ الأسد في جلسة مغلقة مع السياسي السوري المعارض أكرم الحوراني، غير أن الحوراني رفض المبدأ تماماً.
7. موقف جورج حبش: لم يكن جورج حبش بحاجة “لإيقاف عملية اغتيال حافظ الاسد” والذي سوف تسبقه بذلك السلطة السرية لجهاز الاستخبارات السوفييتي” لمنع مثل هذه المحاولة، قبل بدئها عند اعلامها بذلك بوسائط جواسيسها المبثوثين في المنظمات الفلسطينية،
8. كان الخلاف الجذري بين جورج حبش وبين وديع حداد حول جدوى العمليات الخارجية واستقلال القرار الفلسطيني أدى بالفعل إلى تجميد عضوية حداد ثم فصله رسمياً من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1976 (بعد عملية عنتيبي).
9. نهاية وديع حداد (1977 – 1978) في النصف الثاني من عام 1977، بدأت الحالة الصحية لوديع حداد تتدهور بشكل متسارع أثناء وجوده في بغداد. ونُقل لاحقاً إلى ألمانيا الشرقية (حليفة السوفييت) حيث توفي في مارس 1978. كشفت شهادات استخبارية إسرائيلية لاحقاً أن الموساد نجح في اغتياله ببطء عبر دمج سم بيولوجي في شوكولاتة بلجيكية كان يفضلها.
الخلاصة:
الوثائق السوفيتية المتاحة تركز بالكامل على التعاون الاستخباري والتسليحي بين الـ KGB ووديع حداد لمواجهة إسرائيل والمصالح الغربية.
وجاءت حادثة اغتيال زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي كمال جنبلاط في السادس عشر من شهر مارس عام 1977 (التي اتهمت المخابرات الجوية السورية بتدبيرها) لتؤجج الصراع أكثر مع القيادات الوطنية اللبنانية حول دور حافظ الاسد في لبنان وقد نسخ العميل بوكوفسكي وثائق سرية للغاية من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي عام 1992.
هذه الوثائق أكدت أن السوفييت كانوا على علم تام بحجم التهديد الذي يواجهه جنبلاط، وتضمنت المراسلات الداخلية تقييمات استخباراتية سوفيتية لما بعد الاغتيال تشير إلى تنامي النفوذ السوري وسحق الحركة الوطنية، دون أن تفصح الأوراق المتاحة للعلن عن “أوامر سوفيتية” أو كشف تفصيلي مباشر لآلية التنفيذ الجنائي، حيث بقيت الملفات التنفيذية الأكثر حساسية للعمليات الخارجية حبيسة الخزائن المغلقة في موسكو الى اليوم.
ختاما
لهذا التحقيق الطويل والذي استمر سنوات، نافت عن عقدين وبالعودة الى شهادة العميل أشرف والتي ارويها للمرة الاولى أقول:
في عمليات “المجال الخارجي” السرية التي كان يقودها وديع حداد، كان العميل السوري ذو الاسم الحركي “أشرف” كادراً مجنداً بالكامل لصالح شبكة حداد. مكّنه موقعه وخلفيته السورية من التحرك بحريةٍ كاملةٍ داخل العاصمة دمشق دون إثارة أي شبهةٍ أمنية.
تولى أشرف رصد تحركات الرئيس حافظ أسد، وتحديد الثغرات الأمنية في خط سير موكبه، ووضع المخطط اللوجستي للهجوم، إضافةً إلى تجهيز الملاذات الآمنة ونقل السلاح.
ولأن الجبهة الشعبية كانت مخترقةً تنظيمياً وسياسياً لصالح القيادة الرسمية، تسربت التقارير حول تحركات أشرف، ووصلت سريعاً إلى الأمين العام جورج حبش، فكشفت له أن وديع حداد يوشك على تفجير الأوضاع باستهداف رأس النظام السوري، خصوصاً بعد مجزرة تل الزعتر.
وبناءً على أوامر صارمة أصدرها حبش بإلغاء العملية فوراً، جُمّد دور أشرف وسُحب الغطاء التنظيمي والمالي عنه، وأُجبرت الخلايا المرتبطة به على التراجع والانسحاب، فَوُئدت المحاولة قبل أن تخرج إلى حيز التنفيذ الميداني. واحتراماً لرغبة العميل “أشرف”، سأُبقي شخصيته طي الكتمان.
أعتقد أنه يحمل أسماءً متعددة، لا تهم أحدا إلا أجهزة الاستخبارات ولا أستطيع حتى اليوم الجزم بأيها هو اسمه الحقيقي. ولا أعرف تاريخ ومكان ميلاده، ولا حتى مكان وفاته… هل هو في دمشق أم بغداد أم سواهما؟ ولا أعرف إن كانت له زوجةٌ وأولاد.
ببساطة، لأنني لا أعرف عن هذا الرجل الكثير. ولأن الحقيقة الكاملة في قضايا الاغتيالات السرية تظل عصيةً على الاكتمال، مهما ادعيتُ أنا خلاف ذلك، أو ادعى آخرون.