الرأي العام

ظاهرة الشيخ الهجري… مؤامرة أم هزيمة لحركة التنوير؟

ظاهرة الشيخ الهجري هي ثيوقراطية طائفية، أولمت لنضجها نار مؤامرة صدت ريح الفكر، وهي نتاج خبث مصلحي بين جهتين او أكثر

إيمان أبو عساف – العربي القديم

كيف تفسر ظاهرة المطالبة بالانفصال؟

هل الأمر متعلق بهزيمة وعي خطط لها مسبقا من قبل قوة ما، أو قوى متعددة لها أدواتها التي تم إعدادها بصورة ممنهجة؟

هذا افتراضنا الأول الذي لن نجعله مبرراً فالأدوات متورطة ضمن شروط العرض والقبول. ومرة أخرى يلح علينا سؤال أين ذهب جهد المثقف؟ بل جهود الحركة التنويرية العربية برمتها؟ 

هل استنزف وقتها السجال حول التراث إذا كان يشكل كل النظرية المعرفية أو بعضها، أو أن القطيعة بداية لنهضة معاصرة وراهنة؟

وفي عملية التتبع لمسار حركة التنوير تظهر دائما الوقفة المطولة حول النص اي نص هل هو فوق النقد او هل نقده يعيد توليد تأويلات قابلة لتكون تأسيس لليقظة ؟ ثم يظهر أمر يبدو حميدا لو أنه كان يلتزم حدود النقد الحر الذي تنتجه حالة وعي متجاوزة

لكن سنرى ونسمع دائما عملية صراع وإثبات حضور ونكران وأخذ المفكر أو المثقف ببعض مفاهيمه القابلة للنقد ، ودعني – على سبيل المثال-  أتناول هنا الفيلسوف أحمد برقاوي  فيلسوف الأنا وأنطولوجيا الذات، وتأكيده  الواعي على أن النظرية المعرفية أو ما يسمى “ابستمولوجي” تؤخذ من حركة الواقع. وفي لقاء مع المفكر الجزائري كريم جدي أعاد التأكيد بجرأة ما معناه أنه علينا أخذ الراهنية بعين الاعتبار في قضايا متعلقة بقضية النهضة العربية

وذكرت ذلك لأنه متاح للجمهور ان يسمعه دون تكبد عناء البحث، وإذا كنا نريد الاستزادة والتعمق فما علينا إلا أن نقتفي اثر هذا المفكر والفيلسوف وخاصة أنه مازال بيننا.

وما يضاف إلى هذه الشخصية هو متابعته اليومية لأحداث الثورة السورية وظهور فكره الإنساني والاخلاقي وهو الذي أعلن اكثر من مرة انه كانطي فيما يخص القيم… ولكن أين المؤسسات التي ترجمت فكره ونشرته ليصبح جماهيريا 

كان جهده خاصا في هذا المجال ومازال مستمرا بهذا المسار.. وهناك نماذج أخرى أكثر شبابا ناضلت واضافت وظهرت إعلاميا وتواصلت جماهيريا مثل خلدون النبواني الفيلسوف السياسى،  الذي يملك مشروعا فلسفيا ممكن أن يشكل أسس لنهضة ما في هذا المكان الذي فاض بمحن الاستبداد والقهر

وتابعت هذا الفيلسوف الذي كان دائما يصف ظاهرة الدعوة للانفصال  كما يجدر وصفها… هناك أمثلة لا حصر لها وانما هنا المجال لا يتسع للشرح، ويأتي ذكرهما كمؤثرين كانا بحالة حضور وتماهي مع الشعب… أين ذهب جهدهما؟ هل كانت برامج القوى المتداخلة أكثر ذكاء في عزل الفكر وجعله بذورا مخزنة لا تنبت في أرض جدباء قاحلة، هل قصر الفكر بخلق حوامله الاجتماعية ومؤسساته وأدواته ؟

سيقول قائل انها المحنة التي حاقت بالسوريين وجعلتهم بلا زاد في الوعي والفكر. ولكن كان دائما التاريخ العام للشعوب فيه صراعات طويلة ودامية وكان الفكر يأخذ دوره ويكون غالبا له حصته في خلق الرؤى  والأهداف  وكانت انتصاراته تظهر في قيامة البلاد المنهكة  وهي اكثر استعدادا لمتابعة الطريق

وهذا يعني أن المثقف والمفكر في بلادنا بقي في قاعة الدرس وفي السجال البيني،  وفي إصدار كتبه كتسجيل وحفظ حقوق التفوق الفكري  ولم يتوفر حاضنة… رغم أن البلاد رغم بلاءها بالأسدية، كانت بلاد تعج بالأسماء اللامعة والانتماءات المتقدمة  في القيمة والوعي هذه البلاد هي بلاد طيب تزييني وبلاد نزار قباني وجورج طرابيشي والياس مرقص وانطون مقدسي وغيرهم كثر.

عين الرقابة حاولت خنق أصواتهم وعزل فكرهم ووصمهم .. وما كان علينا الا أن نرى انهيار كلي للفكر

قصر فيه المفكرون عن خلق أدواتهم، وفي الطرف الموازي كان هناك سعي دؤوب من السلطة لشيطنة من يفكر وفي الحدود الدنيا عزلت  بين الفكر والشعب في هذه اللحظة  التاريخية الحرجة تغذت النزعات  التي تم استيرادها من قوى متداخلة  ..  وغذت على ضوء فوضى ودماء مسفوحة ومؤامرة ظهور غير متوقع  لشخصيات ليس دورها السياسة ولا قيادة الجماهيرـ ظاهرة حواملها اقتصاد ريعي حكومات لا وطنية  وغياب كلي لحضور فكري واعي

ظاهرة الشيخ الهجري هي ثيوقراطية طائفية، أولمت لنضجها نار مؤامرة صدت ريح الفكر، وهي نتاج خبث مصلحي بين جهتين او أكثر، بحيث قتلت ما اتفق عليه من أرواح بريئة، ثم بدأ التباكي والتلطي بمظلومية تزيد من عملية الإفقار الكلي والاعتقاد أن ما حصل ليس إلا حالة متأصلة والنية إنهاء الوجود الأقلوي

والامر لا ينطبق على بقعة جغرافية معينة وحسب، فحالة الهزيمة الحضارية تتبدى واضحة في انفلات تربوي وقيمي وغياب لاحترام العلم والكفاءة، واختراع شخصيات وإيهام الجمهور بأنها مؤتمنة على مصيرها وحمايتها 

قد يقول منتقد لمقالي ولماذا هذه المقدمة عن التنوير وأزمته …

الأمر أكثر من وجهة نظر هو إشارة موجزة وبسيطة الى أن كشفا يتبناه الفكر والثقافة قد حجب بقصد أو غير قصد.  كان خلف هذا الحجب الطبقة النخبوية او القوى المتداخلة…. وحوامل واهنة بثقل الطائفة والدين والمذهب 

إذ أسهمت عوامل خارجية ومحلية في تغذية هذه الظاهرة اولا لا حكومات وطنية بعد اعلان الاستقلال وكان اقتصادها اقتصاد ريعي ولم يؤسس مطلقا لقيام دولة كاملة الاركان تؤمن بالنهضة والفكر

أما على المستوى الاقليمي فقد لعبت كل قوة في وقتها وزمانها على تجفيف الحالة الفكرية وتأجيج كل حالات الانقسام والطائفية حتى بلغت العشائرية

ولم يلعب المثقف دورا في غاية الأهمية كان مطلوبا منه بسبب العزلة النخبوية المعروفة بالبرج العاجل وقيام الدولة المستبدة اصلا بزيادة هذه العزلة

وعدم قدرة النخب على أن تخلق مؤسسات جامعة لتصلهم بالجمهورـ فالإنسان السوري ترك بحالة عراء كلي أمام هجمة مركبة غذت ظاهرة الالتفاف حول الشيخ الهجري وأمثاله.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى