الرأي العام

هل يصلح خالد زعرور ما أفسده حمزة المصطفى

لن يصلح د. خالد الزعرور ما أفسده د. حمزة المصطفى، إذا كان سيبقى على نهج السلف غير الصالح نفسه، وإذا لم يعترف أن هناك مشكلات عميقة في ذلك النهج أدت إلى إقالته.

محمد منصور- العربي القديم

أعجبني ما كتبه الزميل الصحفي فؤاد عبد العزيز على صفحته على الفيسبوك قبل أيام، عن الإعلام في عهد وزير الإعلام المقال حمزة المصطفى، فقد جاء في العمق، خارج سياق المجاملات السخيفة واللامسؤولة التي أسديت للوزير المصعوق بخبر إقالته، وخارج لغة التحفظ من شركائه في الإنجازات المتواضعة السوية التي شهدها عهده والتي ضخمها بسطاء في المهنة من الشبان الصغار، أو الطارئين على المناصب الذين ينبهرون بأي شيء!  

لقد كان الزميل فؤاد عبد العزيز موضوعياً وشجاعاً في لمس مواطن الخلل بأمانة، لأن لغة المجاملات التي رأيناها هي خيانة للأمانة المهنية والوطنية، ومما قاله الزميل عبد العزيز في منشوره:

“لست في وارد انتقاد وزير الإعلام السابق في شخصه واسمه، ولكن في موقعه والأثر الذي تركه في المشهد الإعلامي على مدى أكثر من عام من توليه منصبه، والذي بحسب ظني بأنه خط طريقا مربكا لمن تولى بعده، وفوت على نفسه وعلى غيره فرصة تاريخية لا يمكن تداركها أو حتى إصلاحها. مهمة وزير الإعلام إطفاء الحرائق وليس إشعالها أو تجاهلها، وخصوصا في وضع بلد مثل سوريا.. فليس صحيحا على سبيل المثال أن يتجاهل موقعا مثل زمان الوصل لديه ملايين المتابعين وقد لعب دورا كبيرا على مدى سنوات الثورة الأربعة عشر، وكان له السبق في فضح وحشية النظام، بدءا من صور قيصر وانتهاء بفضح كل ممارساته وفساده، ومرورا بنشره لأسماء ملايين المطلوبين لمخابرات النظام.. ألا يستحق مثل هذا الموقع الشكر والتكريم، بدل استجلاب التوكترية وتكريمهم..؟!”

منشور الزميل الصحفي فؤاد عبد العزيز: حمزة المصطفى فوّت فرصة تاريخية لا يمكن تداركها

نعم لقد خط حمزة المصطفى طريقاً مربكاً لمن تولى بعده، ليس مربكاً بحجم النجاح الذي بلغه بالتأكيد، ولا بحجم الفشل المريع كذلك… بل في طبيعة المشكلات التي أوجدها في بيئة إعلامية كانت تتشكل حديثاً بمرونة وحرية بعد عقود من الاستبداد… ومن هذه المشكلات حالة التجاهل التي كان يتبعها المصطفى لإطفاء الحرائق التي تندلع بسبب سلوكه وأخطائه المهنية. كان حمزة المصطفى يتعمد تجاهل المشكلات مع الصحفيين المعروفين، وأصحاب الرأي المخضرمين، ويهرب من مواجهتهم أو معالجة شكواهم، في الوقت الذي يبادر للرد على ناشط شاب، مظهراً له شيئا من التواضع والدماثة وما تيسير له من الكلام المعسول، الأمر الذي يدفع بهذا الناشط الغر، ليكتب البوستات الممتنة متحدثا عن تواضع معالي الوزير.

إن تجاهل المشكلات العميقة مع زملاء المهنة، الذي كان يتم بوحي من طبيعة شخصية الوزير المُقال المتصلبة والمتعجرفة، التي ترتدي عندي الضرورة رداء التواضع الكاذب والتظلّم الرخيص، لم يفد حمزة المصطفى في شيء، ولم يفد الإعلام الذي اؤتمن عليه في مرحلة تاريخية كانت مفعمة بالآمال في شيء… فقد استمرت هذه المشكلات بالتراكم، وهو يحاول إخفاءها مرة بالتمسح بالمؤثرين وبعض الناشطين الذين ارتضوا أن يهاجموا زملاء مخضرمين لهم، ليس بينهم أي خصومة إرضاء لشخص السيد الوزير وأوامر معاونيه، وأخرى بالتباهي بإنجازات سخيفة وتضخميها، والإيعاز لموظفي المؤسسات الإعلامية بمديح مؤسساتهم ومدرائهم بلا ذرة خجل أو حياء. ناهيك عن تضخيم الأرقام وغياب الدقة في إيرادها وهي مشكلة طالما واجهت السيد الوزير المقال ووضعته في مواقف محرجة مراراً.

لو كنت محل الوزير الجديد، لكان أول قرار أصدرته هو منع الصحفيين العاملين في كل مؤسسات القطاع العام الإعلامية من مديح مؤسساتهم ومدرائهم والإشادة بإنجازاتهم. فما معنى أن يظهر إعلامي في الإخبارية مثلا، ليكتب على صفحته أنه يفخر أن الإخبارية أصبحت المصدر الأول للخبر… من قال له إنها المصدر الأول للخبر وعلى ماذا استند في مديح مكان عمله ووضعه في أعلى سلم المتابعة؟! ثم ما معنى أن يكتب مدير قسم المراسلين في صحيفة، أن وصول جريدة (الثورة السورية) إلى مطار دمشق الدولي، دليل ثقة القراء بنا؟! هل وردت طلبات من إدارة المطار تفيد أن المسافرين والعابرين يطالبون بوجود جريدة الثورة في المطار لأنهم لا يثقون إلا بها؟ أم أن المسألة تقنية بحتة لها علاقة بتوسع شبكة توزيع الصحفية في غياب أي إحصاءات رسمية عن أرقام النسخ الموزعة والمبيعات والمرتجعات!  حسنا إذا كان الموظفون المساهمون في صناعة المنتج الإعلامي يمدحون منتجهم بهذا الشكل… ماذا تركتم للآخرين كي يقولوا عنكم؟! ثم هل تعتقدون أن أي طالب بحث في كلية إعلام، ينجز رسالة أو حلقة بحث عن الإخبارية السورية أو جريدة الثورة سيأخذ تصريحات موظفيها في مديح مؤسساتهم كدليل على جودتها ومهنتيها… أو سيقيم لها أي اعتبار، سوى على أنها مؤشر على لا مهنية هؤلاء؟!  

ثمة الكثير من الأمراض التي أشاعها وشجع عليها حمزة المصطفى وبطانته في الوسط الإعلامي، تحتاج لعلاج، ولنهج جديد وشجاع يرى الأخطاء ويعترف بها قبل أن يعالجها… أما إذا كان لا يدرك أنها أخطاء جسيمة ومعيبة، فبالتأكيد لن يراها ولن يعالجها… وسيمشي على خطى سلفه السيء الصيت والأداء.

من أواخر الفيديوهات الترويجية التي نشرها حمزة المصطفى قبل إقالته المباغتة، فيديو استجدائي صور في مكتبه، يظهر فيه بطريقة محزنة وهو يحمل عدد من صحيفة (الثورة)، ويفتح شاشة التلفزيون على الإخبارية ويستجدي الناس لمتابعة “إعلامهم الوطني” متذرعا أن الإعلاميين السوريين يعملون في ظروف صعبة ويحتاجون لتشجيعكم واحتضانكم. كان هذا الفيديو من أردأ ما شاهدت لمعالي الوزير المقال لأن فيه إساءة لمنصب الوزير الذي يتحول لمروّج، بدل أن يكون مخطط وراسم أسس ومنهجية ما للعمل الإعلامي الجديد. وقبل أيام شاهدت الوزير الجديد د. خالد زعرور وهو يسير على خطى سلفه ليظهر في فيديو وهو يروج لملحق (ليالي المونديال) الذي أصدرته جريدة (الثورة السورية) لمناسبة مونديال كأس العالم 2026

لا أدري من ورط معالي الوزير بهذا الظهور السخيف… فهل وظيفة وزير الإعلام أن يظهر ليروج لمنتج موسمي تصدره إحدى المؤسسات التابعة لوزارته. من الذي انحط بمنصب الوزير ليغدو ناشطا ومروّجا ومسوقاً بدل أن يكون مشرفاً ومنظماً ومحفزا لروح إعلامية جديدة.

هل وظيفة وزير الإعلام أن يظهر في فيديو ترويجي ليسوق لملحق رياضي؟!

اختتم حمزة المصطفى عهده بجولات مكوكية على المحافظات للقاء الإعلاميين والناشطين فيها محاولا تدعيم حظوظ بقائه المنهارة، (مع تجنب المغضوب عليهم والمنتقدين لأداء وزارته أو المعادين صراحة لمشروع عزمي بشارة) لم يتمخض عن هذه الجولات سوى كم من الفيديوهات الترويجية الاستعراضية التي تحبل بوعود لم تنفذ، ومبالغات لم يعرها أحد أي اهتمام. اليوم يسير الوزير الجديد د. خالد زعرور على خطى سلفه المُقال في هذا الاستعراض، وإنتاج فيديوهات ترويجية عن هذه اللقاءات. فيجتمع مع الإعلاميين في دمشق وريفها، وفي حلب دون أن تنتج هذه الاجتماعات شيئاً.

حين علمت بالدعوة للصحفيين العاملين في دمشق سألت بعض الزملاء المقيمين في دمشق، من الصحفيين الذين كانوا ينتقدون سوء إدارة وشللية حمزة المصطفى إن كانت قد تمت دعوتهم إلى الاجتماع… فنفوا جميعهم أن يكونوا قد دعوا. قال لي أحد الإعلاميين الزملاء: “مازالت القائمة السوداء هي… هي. ومدير العلاقات العامة في وزارة الإعلام الذي كان ينفذ تعليمات حمزة المصطفى في إقصاء فلان، وإبعاد فلان… مازال يتصرف هو ومساعدوه بناء على نفس القائمة كما أعتقد. لأنه لو تغير شيء لرأيت أسماء أخرى تدعى”.

لن يصلح د. خالد الزعرور ما أفسد د. حمزة المصطفى، إذا كان سيبقى على نهج السلف غير الصالح نفسه، وإذا لم يعترف أن هناك مشكلات عميقة في ذلك النهج أدت إلى إقالته. ولن يصلح إذا أبقى على المعاونين الذين أتى بهم المصطفى بكل صفاقة ودون أي سابق خبرة من مواقع هامشية في تلفزيون سوريا حصلوا عليها بالتملق والاستزلام… لن يصلح د. زعرور شيئا إذا لم يعرف ويعترف أن الرئيس أحمد الشرع لم يقل حمزة المصطفى لأنه كان ناجحاً ومجتهداً بل لأنه أثبت فشله، وأثبت عدم أهليته للمنصب. لن يصلح إذا لم يؤمن بالمشاركة وبأن هناك جيلا من الصحفيين المخضرمين يجب أن يكونوا جزءا من المشهد، كي لا يشب الشباب العاملون اليوم، في مستنقع الجهل المغلف بالمدائح البلهاء، التي جعلتهم لا يجرؤون على مواجهة حمزة المصطفى حين وضع لجريدة (الثورة السورية) بنفسه شعار: “فاصلة الحق، رافعة العمران” فلم يقل له أحد بأن هذا الشعار سخيف ولا معنى له، ولا يصدر إلا عن شخص لا خبرة له في المهنة ولا موهبة، وأنك تشوه المولود الجديد بشعار يجر علينا الانتقادات والسخرية، وهذا ما حدث بالفعل بعد صدور الجريدة بشعارها الموصوف الذي انتقده كل الزملاء الإعلاميين الذين كتبوا عن إعادة إطلاقها.

إنني متفق مع الزميل فؤاد عبد العزيز، الذي استشهدت بما كتبه في بداية هذا المقال، بأن إصلاح ما أفسده حمزة المصطفى ليس سهلا، لكنني لا أراه مستحيلا. وسواء استجاب د. خالد زعرور لضرورات الإصلاح، أم استطاع معاونو حمزة المصطفى أو من بقي منهم في الوزارة أن يقنعوه أن “الدنيا ربيع والجو بديع.. قفلي على كل المواضيع” كما كانت تقول سعاد حسني في لحظة فرفشة وانبساط غنائية، فإننا سنتابع معركتنا لأن الإعلام الوطني قضيتنا. وقضيتنا لا تنتهي باقتلاع حمزة المصطفى، ومجيئ من يأتي بعده… بل ستبقى فصولها متوالية ما توالى الخلل. سنوثقها بالوقائع وننشرها في كتب، ونتركها برسم من سيقوّم مرحلة ما بعد التحرير… فيشيد بمن بنى وأصلح وأخلص البناء، ويلعن من فوت على السوريين فرصتهم التاريخية لصناعة إعلام معافى يمثلهم، إما بسبب جهله ومحدودية إمكاناته، أو بسبب ضعف شخصيته وارتهانه للمنصب ومغرياته وبطانة سلفه المُقال!

محمد منصور

رئيس تحرير العربي القديم، صحفي وناقد من أبناء مدينة دمشق، يعمل في الصحافة منذ عام 1990 وله عشرون كتاباً مطبوعاً في النقد الأدبي والفني والتاريخ السوري وعشرات الأفلام الوثائقية والبرامج التلفزيونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى