هذه الاستثمارات الكبيرة لمن تتوجه وهذا البطيخ لماذا فقد حلاوته؟
لم يستطيع النظام الذي أسقط الحكم الأسدي محاسبة اللصوص من الأثرياء الجدد من محدثي النعمة وإعادة ما سرقوه للميزانية العامة للدولة

صبري عيسى – العربي القديم
كل يوم اقرأ عن استثمارات كبيرة ومتعددة، ويتم تداول ارقام فلكية عن حجم ارقام بمليارات الدولارات، وطبعا هذه الاستثمارات ليست موجهة لأكثر السوريين من أصحاب الدخل المهدود، وأغلبها ان لم يكن جميعها استثمارات عقارية ومدن سكنية، ويبدو ان أسعار هذه المشاريع لن تكون في متناول اغلب السوريين، واي اطلاع على أسعار الاكتتاب على هذه المساكن بالدولار الملعون يحول أحلام السوريين للحصول على مسكن في اضيق الحدود من سابع المستحيلات
استثمار في أموال مسروقة!
والمفارقة ان الاكتتاب على مساكن بعض هذه المشاريع لقي اقبالا سريعا نفذت بموجبه اعداد المساكن المطروحة للبيع، وهذا يتناقض مع عجز محدودي الدخل على الاكتتاب أو الحصول على بيت في دمشق وأريافها!
والسؤال، كيف تم ذلك ومن أين هبطت الأموال على من اكتتب على شراء هذه المساكن؟
ليست الإجابة صعبة، لأن لصوص وشبيحة النظام السابق خرجوا من تحت الأرض ليستثمروا الأموال التي سرقوها وتحولت إلى استثمارات عقارية ومشاريع نهب في الشارع السوري، ولم يستطيع النظام الذي أسقط الحكم الاسدي محاسبة اللصوص من الأثرياء الجدد من محدثي النعمة وإعادة ما سرقوه للميزانية العامة للدولة !
اذن لمن تتوجه هذه الاستثمارات في الوقت التي لم تعلن فيه الحكومة عن أي خطة وبرنامج لإعادة إعمار المدن التي دمرها نظام الاجرام الاسدي، وهذا يعني استحالة عودة المهجرين الى بيوتهم ومدنهم !
ومن المستحيل بقاء الحال على ما هو عليه مع ارتفاع معاناة السوريين من الغلاء والعجز عن دفع فواتير الكهرباء!
الاستثمارات التي يعلن عنها كل يوم وسط همروجة حكومية وسط هتاف وتصفيق احباب الحكومة الذين يهاجمون بقذارة كل من يعترض وينتقد سياساتها، هي استثمارات تحول احلام السوريين الى كوابيس !

مشروع (أبيات هيلز) الستثماري العقاري الباذخ في ضاحية قدسيا والذي بيعت منه أكثر من ألف شقة في أول اكتتاب (العربي القديم)
النتيجة ليست استثمار ينقل البلد إلى حالة من الكفاية ويرفع من مستوى معيشة السوريين، والتفسير الأقرب هي عملية بيع للبلد تترافق مع ارتفاع مستويات الغلاء الفاحش الذي يتم برعاية الحكومة المؤقتة او الأبدية (لا فرق) وتأتي خصخصة الكهرباء وارتفاع أسعارها كعنوان السياسة الاقتصادية التي يكرس النظام الجديد كل جهوده لتثبيتها كنظام اقتصادي يجعل من استمرار الحيا ة أمرا في غاية الصعوبة !
هل فقدنا حاسة التذوق؟
يبدو أن المرار استوطن في حلقي وفقدت حاسة التذوق، وهذا ينطبق على كل مشترياتي هذا الشهر، حيث رميت ثلاث بطيخات في الحاوية منذ أول الشهر. صحيح انني غُششت باللون الأحمر للبطيخ لكنها كانت خالية من الحلاوة، وبشكل مقنن اشتريت وبقليل من الحذر بعض فواكه الموسم حتى اعوض خسارتي لحلاوة البطيخة، ووجدت ان الخوخ والاجاص والعنب خالية من الحلاوة أكثر من البطيخة !
أنا محتار في التفسير، وهل أن إصابتي بفقدان حاسة التذوق هي السبب لعدم إحساسي بطعم الحلاوة في كل ما لأتناوله من فواكه، أم أن مرارة الايام التي نعيشها منذ أيام النظام الساقط واستمرارها بعد سقوطه هي السبب !
يبدو ان معاناتنا في حيا تنا اليومية منذ اغتصاب البعث للسلطة عام 1963ولاحقا الاسدين عام 1970 تكمل المشهد البائس لحياة السوريين خلال اكثر من ستة عقود، وانا لا ادين البعث والاسدين فقط لما وصلت إليه أحوال البلاد والعباد، بل أدين حالة الخوف والتخاذل الذي سيطر على حياتنا وأدخل ألسنتنا داخل أفواهنا، وفرض علينا الصمت خلال تعامل السلطة الوحشي مع كل السوريين !
صمت السوريين بسبب الخوف خلال حكم البعث والأسدين اكثر من ستة عقود تحول إلى نوع من الخنوع والإذلال حول حياة الجميع إلى جحيم آثارُه وسَمتْ حياتهم، وشردت نصف السوريين ودمرت بيوتهم، وشوهت ذاكرة أجيال تمت زراعة فكرة عبادة الأسد ووريثه المعتوه في عقولهم !
التخلص من آثار الإجرام الاسدي خلال أكثر من ستة عقود يحتاج الى سنوات طويلة لإعادة بناء العقل الجمعي من جديد على قيم الحرية والأمان والكرامة، وهذا لن يتحقق إلا بوجود حكومة وطنية قوية تمتلك الخبرة والنزاهة، وانتخابات حرة تفرز برلماناً يمثل كافة السوريين، ويؤسس نظام حياة يعيد الأمل لحياة كل السوريين!

