الرأي العام

إيران المهزومة.. هل تذهب إلى الفوضى

حالات الهروب من الجيش في الداخل والخارج، وهروب جنود السفينة الحربية في سيرلانكا يوضح أن انهيار المنظومة العسكرية قد بدأ

أسامة المصري – العربي القديم

 أحد الأسباب التي تحول دون اتخاذ أمريكا قرار إسقاط النظام الإيراني، هو اليوم التالي، وتداعيات السقوط على الداخل الإيراني والإقليمي، بينما الضربات الموجعة لنظام الملالي واستئصال رأسه جعلت الحرس الثوري أكثر تشددا، إن كان باتجاه مواصلة الحرب حتى النهاية، أو باختيار بن المرشد القتيل مجتبى خامنئي مرشدا جديدا لكنه غائبا، وقد لا يظهر مع تعهد الأمريكان والإسرائيليين بقتله أيضا.

 يشير مسار الأحداث أن الحرب على إيران لن تنتهي قبل هزيمتها عسكريا، ومقتل رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني وقائد الباسيج غلام رضى سليماني، أيضا يؤكد أن إسرائيل تريد إحداث فجوة كبيرة في القيادة الايرانية، فلاريجاني هو الشخصية الأهم في النظام الإيراني بعد علي خامنئي، وحتى قبل اغتيال لاريجاني، هناك تقارير إعلامية إيرانية أشارت إلى أن اتخاذ القرارات العسكرية بات ارتجاليا، بسبب اتساع الاختراقات الاستخباراتية وبشكل خاص الاتصالات، وكل وحدة عسكرية تتصرف بمفردها مع انتشار الحرس الثوري على كامل الأراضي الإيرانية.

الحرب الأمريكية الإسرائيلية تهدف إلى إنهاء ثلاثة ملفات: النووي والصاروخي والميليشيات، ورغم أن مصير المخزون من اليورانيوم المخصب لم يتضح بعد، إلا أن الهجوم العنيف على البنى العسكرية، واضح أنه لن يتوقف إلا بإنهاء المخزون الصاروخي الذي يمتلكه النظام، فتجريد النظام من قوته الصاروخية وبرنامجه النووي يأتيان بالدرجة الأولى قبل  تحييد الميليشيات، وإسرائيل عمليا بدأت حملتها للقضاء على حزب الله وهو الذراع الأقوى، بينما الحوثي الذي نأى بنفسه عن الصراع، يعلم أن سقوط النظام الإيراني يعني اقتراب نهايته كقوة عسكرية ضاربة، أما ميليشيات العراق فهي تتلقى الضربات المتتالية يوميا، ومع ذلك فإن وجود هذه الميليشيات يرتبط بوجود نظام الملالي، وسيكون العراق أكثر تأثرا بسقوط النظام الإيراني أو إضعافه أو حدوث فوضى في الداخل الإيراني، وهناك أخطار جدية على العراق الذي يتنافس قادته العاجزون على مواقع المسؤولية، وهم بمعظمهم مرتبطون بالنظام الايراني.

يبدو حتى الآن أن اسقاط النظام عسكريا عبر الضربات الجوية مستبعد، مع الأخذ بعين الاعتبار أن بعض الدول الإقليمية لا تريد إسقاط هذا النظام، ورغم التردد الأمريكي في بداية الحرب، لكن مع النتائج المبهرة التي تحققت على أرض المعركة يبدو أن رئيس دونالد ترامب لم يعد يستبعد هذا الاحتمال، بينما إسرائيل هي التي تعبر بصراحة عن رغبتها بإسقاطه، فإسقاط النظام سيفتح الباب على حروب وفوضى في داخل إيران وقد تمتد إلى خارجها، وإسرائيل تحبذ نشر الفوضى، خاصة إذا كانت بعيدة عن أراضيها، أما تركيا وهي إحدى الدول المعنية بشكل مباشر بما يحدث في إيران، فقد كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أول من عبر عن رفضه إسقاط النظام، وصدرت عدة تصريحات من الجانب التركي تحذر من ذلك، فيما دول إقليمية أخرى لا تعارض إسقاطه لكنها لا تعبر عن ذلك وهي معظم دول الخليج، وقد ترحب كلا من افغانستان وباكستان بذلك، لكن جميع هذه الدول تخشى تداعيات السقوط والفوضى التي غالبا ستحدث.

لم يخف الرئيس ترامب رغبته في دعم جماعات مسلحة تقاتل النظام الإيراني، بينما إسرائيل تقدم الدعم الكامل للعديد من الجهات وحتى من داخل المؤسسات العسكرية والأمنية الإيرانية، وهذا ما تشير له حجم الاختراقات الإسرائيلية للنظام وعلى مستويات عالية، وبدا جليا مدى الاختراقات مع انطلاق العمليات العسكرية ومقتل المرشد، وفي الأسبوع الثالث من الحرب بات واضحا أن الرئيس ترامب بدأ بالتحرك لملاقاة كل الاحتمالات بما فيها سقوط النظام، أو حدوث فوضى مع ضعف النظام، فهو يعتبر حماية مضيق هرمز مسألة استراتيجية، وأكد في آخر تصريحاته أن أمريكا ستتصرف منفردة بإعادة فتح المضيق وتأمين سلامته، واستقدام الرئيس ترامب، لأكثر من خمسة آلاف من مشاة البحرية إلى الشرق الأوسط يعني أن القرار اتخذ ويبقى توقيت التنفيذ.

تفيد بعض المصادر الإيرانية أن هناك تململ داخل قوات الجيش الإيراني والذي يتجاوز تعداده 400 الف جندي، وأن الحرس الثوري يمنع الخدمات عن الجيش كالطعام والذخائر في هذه الحرب، كما تم تسجيل حالات فرار في صفوف الحرس من وحداتهم العسكرية، فيما هاجمت قبل عدة أيام جماعات مسلحة نقاطاً عسكرية للنظام في طهران، وذكرت المصادر أن حالات الهروب من الجيش في الداخل والخارج وهروب جنود السفينة الحربية في سيرلانكا يوضح أن انهيار المنظومة العسكرية قد بدأ خاصة أن عشرات الآلاف من عناصر الجيش المجندين هم من الأقليات القومية، كما تحدثت تقارير إعلامية إيرانية عن حالات هروب جماعي للجنود من الثكنات كما افادت التقارير عن فشل الحرس الثوري في تعبئة قوات الاحتياط، وبدلا من التوجه إلى المراكز العسكرية فقد فر المستدعون وتواروا عن الأنظار، وبحسب موقع ايران انترناشيونال المعارض فإن بعضهم دفع بعائلاتهم إلى المناطق الحدودية لمغادرة البلاد.

ومع التدمير الشامل لمقدرات النظام العسكرية والاقتصادية التي تتواصل ليل نهار  منذ أكثر من أسبوعين، فقد أشارت التقارير إلى أن العديد من الجماعات المسلحة في مناطق متفرقة من إيران بدأت بشن الهجمات على الحرس الثوري و قوات الباسيج، بالتزامن مع استهداف طائرات مسيرة للعديد من مواقع التفتيش العسكرية داخل المدن وعلى أطرافها، وافيد عن عمليات في الاهواز ومناطق أخرى، ومن المحتمل أن تتصاعد هذه العمليات في المناطق ذات التنوع القومي، إن كان في مناطق الأكراد، أو العرب أو الأذريين الذين يأتون بالدرجة الثانية عدديا بعد الفرس، إذ يقدر عددهم بنحو 21 مليونا، فيما يقدر عدد الفرس بـ 54 مليونا، بينما يقدر عدد الأكراد بحوالي 9 مليون، ولدى هذه الشعوب، وشعوب أخرى بمن فيهم الفرس قوى سياسية وعسكرية معارضة للنظام وستعمل على أسقاطه إن لم نقل ستعمل على الانفصال وبشكل خاص القوميات الثلاث الأذريين الذين تربطهم علاقات مع أقربائهم في اذربيجان المحاذية لمناطق تواجدهم، والأكراد الذين يحاذون المناطق الكردية في العراق وتركيا، بالإضافة إلى العرب والبلوش، والقوميات الثلاث الأخيرة لديها قوى سياسية وجماعات عسكرية مسلحة تنتظر اللحظة المناسبة للانقضاض على قوات الحرس الثوري ورموز السلطة، وعلى الرغم من أن معظم القوميات لا تطالب بالانفصال حاليا، إلا أنهم يعانون من القمع والتهميش والتمييز والافقار، والسيطرة المطلقة للسلطة الدينية والتي بمعظمها فارسية.

 هزيمة النظام عسكريا بات مؤكدا، فالحرب لن تتوقف دون ذلك، والنتيجة ستكون هزيمة عسكرية ساحقة واقتصاد مدمر، وما أن تضع الحرب أوزارها حتى سيصبح عاجزا عن استمرار الوفاء بالتزاماته لأفراد قواته العسكرية والأمنية كما حدث مع نظام الأسد وسيصبح النظام جاهزا للتفكك من الداخل، خاصة اذا علمنا أن الخلافات بدأت دخل النظام بين مؤسساته الدينية والعسكرية والسياسية بعد مقتل علي خامنئي، وإصرار الحرس الثوري على توريث ابنه الذي لا يتحلى بالإمكانيات ليكون قائدا عاما للبلاد، كما تشير التقارير الإعلامية إلى أن المؤسسة الدينية غير راضية عن خامنئي الابن، وأن هناك تململًا دخل هذه المؤسسة، وإذا تناغم هذا التململ مع ما يحدث داخل الجيش والقطاعات العسكرية فربما نشهد تطورات خطيرة، وعلى الأرجح لن تقتصر على إيران بل ستمتد إلى العراق.

 ومع انتهاء الحرب سنشهد مرحلة جديدة في تاريخ إيران مفتوحة على جميع الاحتمالات، والفوضى هي الأخطر مع مساحة جغرافية كبيرة تزيد عن المليون ونصف كيلومتر متر مربع، وعدد سكان يصل إلى مئة مليون نسمة بات معظمهم تحت خط الفقر، يعانون من التدخلات الخارجية بدءا بالأمريكية والإسرائيلية كقوى عسكرية فاعلة تتحكم بمعظم تداعيات هزيمة النظام، إضافة إلى تركيا وأفغانستان وأذربيجان ودول الخليج والأكراد الطامحين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى