الرأي العام

استبداد الإنهاك: كيف تعلّمت السلطة أن تحكم بالإرهاق بدلاً من الرعب؟

الناس لا يُتركون لينهاروا بالكامل، لأن الانهيار الشامل يشكل خطراً حقيقياً على استقرار أي منظومة، لكنهم أيضاً لا يصلون إلى استقرار حقيقي، لأن الاستقرار يمنح الإنسان وقتاً حاسماً للتفكير

مرعي الرمضان العربي القديم

لم تعد السلطة الحديثة بحاجة إلى إخافة الإنسان كما في السابق. السجون ما تزال موجودة، والرقابة لم تختفِ، لكن الشكل الأكثر كفاءة من السيطرة أصبح أقل ضجيجاً بكثير. لقد تعلّمت السلطة درساً أعمق: ليس ضرورياً أن تمنع الإنسان من الكلام، يكفي أن تجعله متعباً أكثر من أن يفعل شيئاً بكلامه.

هنا يظهر «استبداد الإنهاك» — وهو إطار تفسيري أقدمه هنا كمفهوم جديد — ليس بوصفه استعارة عن التعب الجماعي، ولا وصفاً عابراً للأزمات الاقتصادية، بل باعتباره محاولة لفهم تحوّل جذري في طبيعة السلطة المعاصرة.

فالاستبداد التقليدي كان يستهدف الجسد مباشرة: يمنع، يعاقب، يراقب، ويسجن. أما استبداد الإنهاك، فيستهدف شيئاً أكثر عمقاً وخطورة: القدرة الداخلية للإنسان على امتلاك الزمن، والحفاظ على المعنى، وتحويل الحياة إلى مشروع يتجاوز البقاء.

الإنسان المُنهك لا يفقد حريته دفعة واحدة، بل يفقد تدريجياً قدرته على استخدامها. وهذا هو التحول الأخطر في عصرنا: السلطة لم تعد تحتاج إلى إسكات الإنسان، يكفيها أن تحتل يومه بالكامل.

من القمع إلى إدارة الطاقة البشرية

في الماضي، كانت السلطة تخشى فئات ونماذج محددة تشكل تهديداً مباشراً لسطوتها، ومنها:

  • الإنسان الغاضب.
  • العمل النقابي المُنظّم.
  • المثقف المشاكس.
  • الجماهير المحتشدة في الفضاء العام.

أما اليوم، فالمشكلة لم تعد في وجود الغضب، بل في وجود فائض طاقة يسمح بتنظيمه وتحويله إلى فعل جماعي. السلطة الحديثة لا تخشى الإنسان الغاضب بقدر ما تخشى الإنسان الذي ما يزال يملك وقتاً للتفكير، أو مساحة داخلية تسمح له بالتأمل، أو قدرة ذهنية لمساءلة العالم من حوله. ولهذا لم يعد التحكم بالمجتمع يمر فقط عبر الأمن والقانون والقمع المباشر، بل عبر إدارة تفاصيل الحياة اليومية نفسها:

  • تنظيم العمل والإنتاجية.
  • استهلاك الوقت المتاح.
  • تراكم الديون والالتزامات.
  • تذبذب الأسعار والقدرة الشرائية.
  • تشتيت الانتباه والإيقاع الداخلي للحياة.

لقد انتقلت السيطرة من الجسد إلى إدارة الطاقة البشرية. وهنا يحاول مفهوم «استبداد الإنهاك» أن يفسر ما لم تعد المفاهيم التقليدية كافية لتفسيره. فالاستبداد الكلاسيكي يشرح الخوف، والنيوليبرالية تشرح هيمنة السوق، والاغتراب يفسر انفصال الإنسان عن عمله؛ لكن ماذا عن اللحظة التي أصبحت فيها المنظومة قادرة على السيطرة دون حاجة دائمة إلى الرعب المباشر، من خلال استنزاف الزمن والانتباه والقدرة على تخيل مستقبل مختلف؟ هذه هي المنطقة الدقيقة التي يعمل فيها استبداد الإنهاك.

رفع الدعم… هندسة القلق اليومي

رفع الدعم ليس مجرد إجراء مالي مجرد، بل هو تقنية ممنهجة لإعادة تشكيل الحياة النفسية اليومية. فحين يصبح سعر الخبز أو الوقود أو الكهرباء متذبذباً باستمرار، لا يفقد الإنسان جزءاً من دخله المادي فحسب، بل يفقد القدرة على التنبؤ والتوقع الحياتي.

بناءً على ذلك، يتحول كل يوم جديد إلى سلسلة معقدة من المفاوضات الصغيرة والمعارك اليومية مع البقاء:

  • هل أؤجل شراء الدواء الضروري؟
  • هل أدفع الفاتورة الحالية أم أنتظر طويلاً؟
  • هل يكفي الراتب المتبقي حتى نهاية الشهر؟
  • ماذا لو حدث أي طارئ صحي أو عائلي؟

هذه الحسابات المتكررة ليست تفصيلاً معيشياً عابراً، بل هي استنزاف متواصل للانتباه والطاقة الذهنية. وهنا تعمل آلية يمكن تسميتها بـ «الهشاشة المُدارة»:

الناس لا يُتركون لينهاروا بالكامل، لأن الانهيار الشامل يشكل خطراً حقيقياً على استقرار أي منظومة، لكنهم أيضاً لا يصلون إلى استقرار حقيقي، لأن الاستقرار يمنح الإنسان وقتاً حاسماً للتفكير، والتخطيط، والتنظيم، والحلم.

يُترك المجتمع معلقاً في منطقة وسطى رمادية تتسم بـ:

  1. نجاة ممكنة بالحد الأدنى.
  2. قلق دائم يغذي الأيام.
  3. استنزاف مستمر لا يتوقف.

وهكذا يتحول الاقتصاد من أداة إنتاج وتنمية إلى تقنية متطورة لإدارة القلق. المنظومة لا تحتاج إلى تجويع الجميع، يكفي فقط أن تمنعهم من الوصول إلى مرحلة الطمأنينة.

هشاشة العمل… حين يصبح المستقبل امتيازاً طبقياً

العقود المؤقتة، والأجور المتآكلة، والعمل غير المستقر، لا تنتج الفقر المادي فقط، إنها تنتج إنساناً قصير الأمد. فالشخص الذي لا يعرف إن كان سيحتفظ بعمله بعد أشهر قليلة، لا يمكنه بناء تصور بعيد للمستقبل، بل يحاول فقط عبور الشهر الحالي بأقل قدر ممكن من الخسائر الشخصية.

وهنا تنتقل السيطرة الفاعلة من الجسد إلى الزمن نفسه. لم تعد المنظومة بحاجة إلى مصادرة الحرية بالكامل؛ يكفي أن تحتل تفاصيل اليوم كله عبر:

  • ساعات العمل الطويلة والمجهدة.
  • التنقل اليومي المرهق والمكلف.
  • الاستجابة المستمرة لمتطلبات العمل خارج أوقاته.
  • الإشعارات الرقمية التي لا تتوقف.
  • القلق المتراكم الذي يستهلك ما تبقى من المجال النفسي.

الزمن — الذي يعد أثمن مورد إنساني على الإطلاق — يتحول إلى شيء يُستهلك بالكامل قبل أن يبدأ الإنسان بالتفكير بما بعده. وحين يتحول البقاء إلى وظيفة يومية شاقة، يصبح المستقبل امتيازاً طبقياً حركياً يملكه فقط مما يزال يملك وقتاً وصحة غير مُستنزَفين بالكامل.

هنا تبدأ السياسة بالموت والتحلل بهدوء؛ ليس لأن الناس فقدوا آراءهم ومواقفهم، بل لأنهم فقدوا القدرة الذهنية والعاطفية اللازمة لتحويل هذه الآراء إلى فعل جماعي مؤثر.

الديون… استعمار المستقبل

الديون ليست مجرد علاقة مالية أو التزام بنكي عابر، إنها أحد أكثر أشكال السيطرة الحديثة عمقاً وتأثيراً، لأنها لا تستعمر الحاضر المعاش فقط، بل تستعمر المستقبل نفسه.

الإنسان المديون لا يعيش أيامه القادمة بوصفها مساحة مفتوحة للأمل والتغيير، بل بوصفها التزامات مؤجلة وأقساطاً حتمية يجب سدادها في مواعيدها، فكل راتب قادم يصل مثقلاً مسبقاً بالاقتطاعات. وهكذا يتحول المستقبل من وعدٍ بالحياة والازدهار إلى جدول طويل وممل من القلق المؤجل.

يتحول الإنسان نتيجة لذلك إلى مدير أزمة شخصية بدوام كامل؛ لا يفكر كيف يبني حياة حقيقية، بل كيف يمنع حياته الحالية من الانهيار التام. وهنا تظهر إحدى أخطر خصائص استبداد الإنهاك: أنه لا يمنع الحلم بشكل مباشر أو فج، بل يجعل الحلم يبدو ترفاً غير واقعي ومثيراً للسخرية. الإنسان المُنهك لا يتخلى عن أحلامه لأنه لم يعد يؤمن بها، بل لأنه أصبح متعباً أكثر من أن يملك الطاقة لملاحقتها وتحقيقها.

انهيار الطبقة الوسطى… تفكيك طبقة المستقبل

أخطر ما ينتجه استبداد الإنهاك ليس الفقر وحده، بل تفكيك الطبقة الوسطى بوصفها الحامل التاريخي لفكرة المستقبل.

تاريخياً، لم تكن الطبقة الوسطى مجرد شريحة تعبر عن دخل متوسط، بل كانت تمثل «طبقة الزمن المستقر» التي تتميز بـ:

  • امتلاك هامش مريح للتخطيط المستقبلي.
  • وجود فائض من الوقت للتطوير الذاتي والمجتمعي.
  • القدرة على الادخار والاستثمار في الأبناء.
  • إمكانية تخيل حياة أفضل للأجيال القادمة.

ومن داخل هذه الطبقة تحديداً تبلورت وازدهرت المؤسسات الحيوية للمجتمعات: الجامعات، النقابات، الصحافة الحرة، الثقافة النقدية، والحياة السياسية الحديثة.

أما اليوم، فهذه الطبقة تُعاد صياغتها قسراً لتتحول إلى طبقة تعمل باستمرار، وتخاف باستمرار، وتدفع باستمرار، لكنها لا تصل أبداً إلى بر الاستقرار. أصبحت طبقة تحمل شهادات عليا وتخصصات مرموقة، لكنها تعيش بالكامل بعقلية النجاة اليومية الصرفة.

وحين تنهار الطبقة الوسطى، لا ينهار الاقتصاد كأرقام فقط، بل ينهار الخيال الاجتماعي نفسه. يتحول المجتمع من كيان حي يمتلك تصوراً جماعياً للمستقبل، إلى مجموعة من الأفراد المنعزلين الذين يستهلكون كل طاقتهم البيولوجية والذهنية لعبور الحاضر فقط. وهنا يحقق استبداد الإنهاك انتصاره الحقيقي: ليس حين يُسكت الناس بالقوة، بل حين يجعلهم مشغولين جداً بحياتهم اليومية إلى الحد الذي يفقدون فيه القدرة على تخيل حياة مختلفة.

من المواطن إلى كائن إدارة أزمات

النتيجة النهائية لهذه المنظومة الشاملة ليست فقط إنتاج مجتمعات أكثر فقراً، بل مجتمعات أقل قدرة على العيش الكامل والواعي. يتحول الإنسان تدريجياً من «مواطن» فاعل يملك حقوقاً ورؤية، إلى «كائن يدير أزماته اليومية».

الإيجار، الأقساط، العمل، العلاج، النقل، التعليم، الأسعار، الاستجابة المستمرة للمتغيرات الفجائية؛ تتحول الحياة كلها إلى سلسلة طويلة ومرهقة من إطفاء الحرائق الصغيرة. ومع مرور الوقت، لا يتآكل الدخل المالي المحدود فقط، بل يتآكل شيء أعمق وأكثر حيوية في النفس البشرية:

  • الرغبة والشغف.
  • القدرة على التركيز والانتباه.
  • القدرة على الحب والتواصل الإنساني العميق.
  • بناء الصداقات الحقيقية.
  • التأمل والخيال الإبداعي نفسه.

أخطر ما يفعله استبداد الإنهاك أنه لا يسرق من الإنسان رفاهيته المادية فقط، بل يسرق منه المساحة الداخلية والسكينة التي تجعل الحياة قابلة لأن تُعاش بوصفها شيئاً أكثر من مجرد بقاء بيولوجي. وهنا تكمن عبقريته القاسية والمحكمة: إنه لا يحتاج إلى أن يحب الناس السلطة، ولا حتى أن يصدقوا سردياتها؛ يكفي تماماً أن يصبحوا متعبين أكثر من أن يملكوا القدرة على تغيير أي شيء.

خاتمة

ربما لم تعد المشكلة الكبرى في عصرنا الحالي أن الإنسان فقد حريته بشكل علني؛ ربما المشكلة الأعمق والأكثر تعقيداً أنه أصبح متعباً ومستنزفاً أكثر من أن يلاحظ كيف يفقدها ببطء.

استبداد الإنهاك لا يسحق الإنسان بضربة واحدة خاطفة، بل يستنزفه قطرة قطرة:

  • يستهلك وقته المتاح.
  • يحتل انتباهه ويوجهه.
  • يبدد طاقته الحيوية.
  • يفكك علاقته العضوية بالمستقبل.

يحدث كل ذلك حتى تتحول الحياة كلها في نهاية المطاف إلى مشروع نجاة طويل الأمد. في النهاية، لا يبقى الإنسان مكبلاً بالسلاسل الحديدية التقليدية، بل يصبح مكبلاً تماماً بالإرهاق الذاتي.

ولهذا السبب تحديداً، لم يعد السؤال الحقيقي والجوهري المطروح اليوم هو: «كم من الحرية يملك الإنسان المعاصر؟» بل أصبح السؤال المصيري: «كم من الطاقة والوقت والمعنى ما يزال يملك هذا الإنسان ليتمكن فعلياً من استخدام هذه الحرية؟»

لأن أخطر أشكال السيطرة والتحكم ليست تلك التي تمنع الإنسان من المقاومة بشكل مباشر، بل تلك التي تجعله متعباً ومنهكاً أكثر من أن يتخيل مجرد تخيل أن حياة أخرى مغايرة ما تزال ممكنة.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى