التاريخ السوري

في ذكرى الثورة السورية: “سبارتاكوس” السوري!

ثورة سبارتاكوس انتهت عسكريًا ورمزيًا في لحظة واحدة. هُزم الجسد، وانتهت معه الحركة. أما في الحالة السورية، فالأمر أكثر تعقيدًا: حتى في أشد لحظات القمع، لم تختفِ الفكرة.

محمد علاء الدين عبد المولى- العربي القديم

الثورات عبر التاريخ تفيدنا بأنها أكثر من مجرد وقائع تاريخية تُروى، فهي إلى ذلك أيضًا مرايا حادة الصفاء تعكس هشاشة الإنسان حين يطلب الحرية، وقسوتَه حين يُحرم منها. وقد تبدو المقارنة واردة بين ثورة سبارتاكوسSpartacus  في روما القديمة، والثورة السورية Syrian Revolution، لمحاولة استخراج المعنى من قلب المأساة، لا لمجرد التذكّر، ولكن للفهم كذلك.

في الوعي التاريخي، كثيرًا ما ارتبطت روما بصورة القوة الباطشة التي تتغذى على الهيمنة، حيث يصبح العنف وسيلة تأسيس وسياسة كبت لا مجرد أداة دفاع. وعلى النقيض من إرث الإغريق الذي مجّد الفلسفة والجدل والسؤال عن المعنى، بدت روما وكأنها تميل إلى الحسم بالسيف حين يعجز العقل أو يُستبعد. هذه الصورة، حتى وإن كانت جزئية تاريخيًا، تتيح استعارة دلالية قاسية عند النظر إلى سلوك نظام التوحش الأسديّ، الذي حوّل العنف من أداة سياسية بيد الدولة، إلى لغة أولى وأخيرة في إدارة قضايا ليس العنف أحد أشكال إدارتها.

والمقصود هنا بالعنف أكثر من مجرد القسوة، إنه نمطً يكاد يكون في مثاله السوريّ، فريدًا من التوحش الذي لا يسنده أفق فكري واضح، ولا استراتيجية تتجاوز لحظة القمع نفسها. فكما أن روما في لحظات معينة كانت تسحق خصومها لتثبيت الهيبة أكثر مما تبني نظامًا مستقرًا طويل الأمد، يظهر هذا النمط حين يُمارس القتل بوصفه غاية قائمة بذاتها، لا وسيلة ضمن رؤية سياسية متماسكة. في هذه النقطة تحديدًا، تتقاطع الدلالتان: شهوة الدم لا كخطة، بل كبديل عن الخطة؛ والعنف كحالة إدمان سلطوي يخشى الفراغ إن توقف عن القتل. هنا يفقد العنف حتى منطقه الأداتي، ويتحول إلى تعبير عن عجز عميق عجز عن التفكير، عن التخيّل، وعن إنتاج مستقبل لا يُبنى على الركام.

غير أن الوقوف عند تشابه العنف، مهما كان صادمًا، لا يكفي لفهم ما حدث. فالقوة حين تتحول إلى نمط دائم من الإخضاع، لا تنتج الخوف فقط، بل تخلق في الوقت ذاته شروط التمرد الكامن. لهذا فالمقارنة بين روما والنظام السوري هي مدخلٌ ممكن لفهم كيف تنشأ الثورات نفسها. ففي قلب روما لم يكن العبيد الذين التفوا حول سبارتاكوسSpartacus  يتحركون بدافع المغامرة، بل نتيجة تراكم طويل من الإذلال وانعدام الأفق؛ حيث تُسلب الحياة معناها، فلا يبقى للإنسان ما يخسره. وعلى نحو موازٍ، لم تنفجر ثورة سورية من فراغ بكل الأحوال، لقد انبثقت وخرجت من أطراف المجتمع من المهمشين والفقراء والذين انسحبت منهم أدوات الحياة الكريمة، الذين وجدوا أنفسهم خارج كل معادلة اقتصادية أو سياسية، محاصرين بالعنف ومجردين من الكرامة.

هنا تتبدل زاوية النظر: تصبح الثورة نتيجة شبه حتمية حين يبلغ القمع حدًا يُفقد الحياة قابليتها للاحتمال. فحين يُغلق النظام كل طرق الإصلاح، ويُختزل الإنسان إلى مجرد أداة أو رقم، يصبح التمرد مهما بدا يائسًا أو غير متكافئ شكلًا من أشكال استعادة المعنى، قبل أن يكون مشروعًا للتغيير.

سبارتاكوس لم يكن سياسيًا، ولا صاحب مشروع دولة. كان إنسانًا رفض أن يُعامل كأداة للترفيه الدموي. من هذا الرفض انطلقت ثورته، لا بوصفها خطة، بل كصرخة. وهنا يكمن التشابه العميق مع البدايات السورية: لم يكن الشارع يطالب بنظام بديل بقدر ما كان يرفض الإهانة. الكرامة سبقت السياسة في الحالتين، وربما لهذا السبب اكتسبت كلتاهما تلك القوة الرمزية الهائلة.

لكن هذه القوة نفسها تحمل بذور ضعفها. في حالة سبارتاكوس، تحولت الثورة بسرعة إلى تجمع غير متجانس: عبيد، مقاتلون، هاربون، وغاضبون بلا رؤية موحدة. الانتصارات الأولى كانت مفاجئة، لكنها لم تكن مستدامة. لم يكن هناك اتفاق على الهدف: هل هو الهروب؟ الانتقام؟ أم إسقاط روما نفسها؟ هذا التردد الاستراتيجي، مقترنًا بانقسامات داخلية، جعل الثورة تفقد اتجاهها تدريجيًا حتى وقعت في المواجهة الحاسمة التي أنهتها.

الصورة ليست بعيدة تمامًا عن التجربة السورية. فمع تصاعد العنف، ظهرت قوى متعددة، لكل منها رؤيتها وأجندتها. تراجع الصوت الأول—صوت الكرامة—أمام صخب السلاح والتدخلات. لم تعد المشكلة فقط في النظام الذي يمارس القمع، بل في تآكل وحدة الفاعلين المعارضين. وهنا يظهر درس سبارتاكوس بوضوح قاسٍ: العدو الخارجي لا يحتاج إلى قوة مطلقة إذا كان خصمه منقسمًا.

ومع ذلك، هناك اختلاف جوهري لا يمكن تجاهله.

ثورة سبارتاكوس انتهت عسكريًا ورمزيًا في لحظة واحدة. هُزم الجسد، وانتهت معه الحركة. أما في الحالة السورية، فالأمر أكثر تعقيدًا: حتى في أشد لحظات القمع، لم تختفِ الفكرة. بقيت الحرية كاحتمال، كذاكرة، كإصرار عنيد على أن ما حدث لم يكن خطأً، بل ضرورة. وهذا يفتح بابًا لفهم مختلف للهزيمة والانتصار. المرء يحار حقا من أين كان أولئك الشباب يستمدون عناصر الأمل على الرغم من غياب أي مؤشر للانتصار؟

ليست الهزيمة دائمًا سقوطًا عسكريًا، كما أنها ليست فقط خسارة الأرض أو السلطة. الهزيمة الحقيقية هي فقدان المعنى. وبهذا المعنى، يمكن لثورة أن تُهزم في الميدان وتنتصر في الوعي، كما يمكن لها أن تنتصر سياسيًا وتخسر نفسها أخلاقيًا.

هنا تحديدًا تصبح المقارنة مع سبارتاكوس أكثر من مجرد استعارة. إنها تحذير. فالرومانسية الثورية، التي ترى في كل تمرد بطولة خالصة، تتجاهل سؤالًا قاتلًا: ماذا بعد؟ سبارتاكوس لم يكن يملك جوابًا، ولذلك بقيت ثورته محصورة في لحظة الانفجار. أما الثورات الحديثة ومنها النموذج السوري، فلا تملك رفاهية هذا الفراغ. إسقاط النظام ليس نهاية الطريق، بل بدايته الأكثر تعقيدًا.

لا تكمن أهمية سبارتاكوس في كونه بطلًا، على العكس، تكمن تلك الأهمية في كونه تجربة ناقصة. إنه يعلّمنا أن الشجاعة وحدها لا تكفي، وأن الغضب مهما كان مشروعًا يحتاج إلى شكل. بدون رؤية، يتحول التمرد إلى طاقة مهدورة. وبدون وحدة، يتحول إلى صراع داخلي يستهلك نفسه.

لكن في المقابل، تطرح التجربة السورية سؤالًا أعمق، وربما أكثر إيلامًا: كيف يمكن لثورة أن تحافظ على معناها الأخلاقي وسط العنف، دون أن تتحول إلى نسخة أخرى مما ثارت عليه؟ هذا السؤال لم يكن مطروحًا أمام سبارتاكوس، لكنه اليوم في قلب أي تفكير جدي في الثورات.

في النهاية، لا تمنحنا المقارنة إجابات جاهزة، بل تضعنا أمام مفارقة حادة: الثورات تبدأ غالبًا من لحظة نقاء أخلاقي، لكنها تُختبر في قدرتها على التحول إلى مشروع تاريخي. بين هذين الحدّين، تتقرر مصائر الشعوب.

سبارتاكوس يذكرنا لماذا تفشل الثورات. وسورية تذكرنا أن الفشل ليس نهاية القصة. وبين الاثنين، يبقى السؤال مفتوحًا: كيف يمكن للإنسان أن يثور دون أن يضيع، وأن ينتصر دون أن يفقد نفسه؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى