العربي الآن

فرحة النصر والخوف من المجهول: حين تصبح العودة أصعب من الرحيل

حكاية السوري الذي انتظر سنوات طويلة لحظة العودة، وحين أصبحت العودة ممكنة، اكتشف أن السنوات التي قضاها بعيدًا لم تمرّ من دون أن تغيّره.

منى شلهوب- العربي القديم

كل السوريين الذين هاجروا هربوا من الحرب وبطش النظام المخلوع.

لم يكن أصعب ما عشناه نحن السوريين هو سنوات الحرب، بل تلك اللحظة التي انتظرناها طويلًا، ثم جاءت ولم نعرف كيف نستقبلها.

فرحنا. لم نفرح من قبل كما فرحنا، لأن سوريا تحررت من الظلم، من الدكتاتور، من النظام، من إيران، من حزب الله. حتى الذين هاجروا في حقائبهم وفي صور وطننا، وفي ذاكرتنا كل يوم، ماذا سنفعل الآن؟ الوطن الذي حلمنا به عاد إلينا. كنا نتمنى من سوريا حتى تكون من أجمل البلدان. هل سنعود إليها أم سنبقى هنا؟ هل أصبحنا غرباء في البلد الذي هربنا منه مجبرين؟

الفرح ليس أن تعيش بعيداً عن وطنك، بل أن يصبح قرار العودة أصعب من قرار الرحيل.

إذا عُدنا فمن سنكون؟ سنكون عائدون أم مهاجرون؟

هل سنبدأ من جديد أم سنخسر ما بنيناه؟

أحياناً نشعر أن المنفى لم يعد مكاناً غريباً، بل أصبح جزءاً داخل الإنسان. يستطيع أن يسافر آلاف الكيلومترات للعودة، لكن لا يستطيع أن يعود للشخص نفسه الذي غادر.

لقد دفعنا ثمن النجاة، والآن ندفع ثمن العودة .حتى جاء النصر لنكتشف أن للانتصارات وجهٌ آخر لا نتحدث عنه . ليس خوفنا من المجهول لأننا لا نحب وطننا، لكننا نخشى أن نفقد ما بنيناه هنا.

نريد أن نضع هذه الحرب في الماضي،  لنها تبقى معلّقة بين مفتاح بيت قديم لم يعد يُعرف إن كان بابه ما زال موجوداً، وبين مفتاح شقة في المنفى لا نشعر بأنه وطن.

ومن أصعب أنواع الغربة هي تلك التي تبدأ عندما يصبح الوطن قريبًا منك من جديد، ولا تعرف إن كان عليك أن تعود إليه أم لا.

وهنا تبدأ حكاية أخرى.

حكاية السوري الذي انتظر سنوات طويلة لحظة العودة، وحين أصبحت العودة ممكنة، اكتشف أن السنوات التي قضاها بعيدًا لم تمرّ من دون أن تغيّره. فمنهم من أصبح لديه عمل لا يستطيع التخلي عنه، ومنهم من كبر أطفاله في بلاد جديدة لا يعرفون عن سوريا إلا ما سمعوه من أهلهم، ومنهم من بدأ من الصفر وبنى حياة احتاجت سنوات طويلة حتى تستقر.

وفي الجهة الأخرى هناك وطن يناديه. بيت قديم، وأهل وأصدقاء، وشوارع يعرفها حتى لو تغيرت ملامحها. ويصبح السؤال مؤلماً :هل العودة تعني أن نبدأ من الصفر مرة أخرى؟ نحن الذين بدأنا من الصفر عندما خرجنا، هل نملك القوة لنفعل ذلك مرة ثانية؟

ربما كان الرحيل يوماً قراراً فرضته علينا الحرب، أما العودة اليوم فهي قرار علينا أن نتخذه بأنفسنا. وهذا ما يجعلها أصعب.

لسنوات عدّة كنا نحلم بأن يأتي اليوم الذي نستطيع فيه أن نقول: انتهت الحرب، نستطيع العودة. لكننا لم نفكر يوماً ماذا سيحدث لنا عندما يأتي ذلك اليوم فعلًا. لم نفكر بأن أطفالنا سيكبرون، وأن حياتنا ستتغير، وأن المكان الذي سميناه في البداية «غربة» سيصبح، بعد سنوات، جزءاً من حياتنا. فهل العودة إلى الوطن تعني العودة إلى البيت؟ أم أن البيت لم يعد مكاناً واحداً؟

ربما لا يملك السوري المهاجر جواباً حتى الآن… فبين فرحة النصر والخوف من المجهول، نقف اليوم أمام بابين: خلف أحدهما: الوطن الذي اشتقنا إليه طويلاً، وخلف الآخر: الحياة التي بنيناها بصعوبة في الغربة.

ولا أحد يستطيع أن يقرر بدلاً منّا أيُّ الباب علينا أن نفتح.

ربما تكون الحرب قد انتهت بالنسبة إلى الوطن، لكن داخل كثير من السوريين ما زالت هناك معركة أخرى:

معركة الاختيار بين العودة والبقاء.

فأيّهما أصعب: أن تغادر وطنك وأنت مجبر، أم أن يصبح بإمكانك العودة إليه ولا تعرف إن كنت قادراً على ذلك

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى