الرأي العام

مذبحة التضامن: من يملك الحق في إخفاء أدلة الإبادة؟

صرخة نائلة العباسي تفضح المستور

نوار الماغوط – العربي القديم

‎شغل الشارع السوري والدولي في الأيام الماضية، تفاصيل جديدة كشفها الفيلم الوثائقي الاستقصائي “الاسم الحركي آنا”، والذي ظهرت فيه الباحثة السورية أنصار شحود لأول مرة علناً لتكشف كواليس الإيقاع بمنفذ “مجزرة التضامن” أمجد يوسف عبر اختراق رقمي استمر لسنوات. ومع تصاعد النقاش حول البطولة الاستقصائية من جهة، وغضب أهالي الضحايا من جهة أخرى، يبدو أنه من الضروري تقديم قراءة موضوعية ومنضبطة قانونياً تفكك هذه القضية المعقدة التي تختلط فيها مأساة مئات الضحايا بمقاطع مصورة ظلّت محجوبة لسنوات.

القصة الكاملة بدأت من داخل أروقة جيش النظام السوري، عندما غامر مجند سوري شاب بحياته وسحب سبعة وعشرين مقطعاً مصوراً من حاسوب عسكري ليوثق مجازر مروعة نُفذت عام ألفين وثلاثة عشر، ونجح في تهريبها إلى خارج سوريا عبر شبكة ناشطين معقدة، حتى وصلت المواد الخام إلى يد فريق بحثي في معهد “نيرود” لدراسات الحرب والمحرقة والإبادة الجماعية في هولندا، بقيادة البروفيسور أوغور أوميت أونغور وأنصار شحود، حيث بدأت عملية اختراق رقمي أنشأت فيها شحود حساباً وهمياً باسم “آنا” لتقمص شخصية فتاة معجبة بالنظام السوري، واستدرجت عبره المنفذ أمجد يوسف وتحدثت معه لعامين كاسبة ثقته حتى انتزعت منه اعترافات مصورة ومسجلة أقر فيها بهويته وبأفعاله بدافع الانتقام.

‎من الناحية القانونية الصرفة، تُصنف الأفعال المرتكبة في حي التضامن متمثلة في مقطع مصور أظهر عمليات إعدام جماعية لمدنيين عزّل يُساقون وعيونهم معصوبة إلى حفرة الموت ليتم إطلاق النار عليهم ثم إحراق جثثهم، ضمن الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وفقاً لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. والمواد المصورة المسرّبة هي أدلة جنائية مباشرة وفورية تثبت وقوع الجرم وتحدد هوية الفاعل بشكل قاطع، وهنا يبرز الخلل القانوني الحاد في سلوك الفريق الأكاديمي، فالجامعات والمعاهد البحثية ليست جهات إنفاذ قانون، ولا تملك صفة  تمنحها الحق في حيازة أدلة جرائم إبادة جماعية بشكل حصري وتأخير تسليمها للجهات القضائية، وتنص القوانين الجنائية المحلية في معظم دول الاتحاد الأوروبي على أن علم أي شخص بجريمة قتل مستمرة أو وقوع مجزرة، وحيازته لأدلة مادية قاطعة دون تسليمها فوراً للسلطات، يضعه تحت طائلة المساءلة بتهمة عدم التبليغ عن جناية أو عرقلة سير العدالة. وبينما كان الفريق يحتفظ بالفيديوهات لسنوات لغايات الصياغة الأكاديمية والإنتاج الوثائقي المشوق، كانت محاكم دول أوروبية تنظر بنشاط في جرائم الحرب السورية تحت مبدأ الولاية القضائية العالمية، وتأخير تقديم هذه الأدلة للمدعين العامين يُفسَّر قانونياً بأنه تفويت لفرص حقيقية ومبكرة لتحقيق العدالة والقبض على متورطين آخرين قد يكونون فروا إلى أوروبا.

‎إن الفارق الصارم بين حدود العمل الأكاديمي والعمل القضائي الجنائي يوضح التجاوز الإجرائي الذي حدث، فالباحث الأكاديمي لا يملك صفة قانونية وأبحاثه تقع في إطار الحريات العلمية وحرية التعبير، بينما يملك المدعي العام وحده ولاية قضائية كاملة لإنفاذ القانون وإقامة الدعوى وحماية الأدلة من التلاعب لمشروعية المحاكمة الجنائية والردع العام، وتُعد الصدمة الفاجعة التي عبّرت عنها عائلة الدكتورة المعتقلة رانيا العباسي، عندما كشفت شقيقتها نائلة العباسي وشقيقها حسان عن تواصلهم المباشر سابقاً مع أنصار شحود، وإرسال صور أطفال شقيقتهم الستة إليها ليتأكدوا إن كانوا ضمن ضحايا الحفرة، إلا أن الباحثة أنكرت تماماً وجودهم، ليتفاجؤوا مع صدور الوثائقي بأن الأطفال تمت تصفيتهم في تلك المقاطع المحجوبة لسنوات. ومنظور القانون الدولي لحقوق الإنسان يمنح عائلات المفقودين الحق في معرفة الحقيقة كحق غير قابل للتصرف، وقيام جهة بحثية بحجب حقيقة مقتل أطفال عن ذويهم لسنوات يُرتب مسؤولية مدنية وأخلاقية جسيمة بتهمة التسبب المتعمد بالأذى النفسي الحاد عبر استمرار حالة الاختفاء القسري نفسياً وقانونياً للأهالي دون مبرر قضائي، وانتهاك مبدأ عدم الإضرار وهو المبدأ الحاكم للعمل الحقوقي والاستقصائي في مناطق النزاع، والذي يقضي بتقديم سلامة الضحايا ومشاعر ذويهم على أي مكسب أكاديمي أو عقود بث حصري، وهو ما يفتح الباب أمام عائلات الضحايا لرفع دعاوى مدنية في المحاكم الأوروبية ضد الباحثين والمعهد والمؤسسات الإعلامية المموّلة كالتلفزيون السويدي الحكومي، بتهمة سوء الائتمان على مواد جنائية حساسة تخص ضحايا إبادة جماعية

‎. إن الجهد الاستقصائي في تحديد هوية أمجد يوسف يخدم العدالة التاريخية بلا شك، لكن السقوط الأخلاقي والقانوني يكمن في إدارة هذه الأدلة واحتكارها وتحويلها إلى مادة تلفزيونية للتشويق، فالعدالة الدولية والموقف القانوني والإنساني السليم يقتضي اليوم إخضَاع كل من تداول وحجب هذه الأدلة للمساءلة، فالحقيقة ملك للضحايا أولاً، وأي تأخير في إعلانها هو مشاركة متجددة في الجريمة واستمرار في قتل الضحية مرتين.

……………………………

‎تنويه من هيئة التحرير: حُذفت فقرة من المقال بطلب من الكاتب لارتباطها بفرضيّة تقنية وقانونية تحتاج مراجعة مستقلة، لتجنب فتح مسار قضائي جانبي قد يؤثر على جوهر القضية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى