الرأي العام

طهران ومن ورائها بكين: التوازن بالقوة!

تبدو خسائر الولايات المتحدة في هذه الحرب مكاسب مضاعفة لدى الصين، وكذلك بنك أهدافها - الذي لم يتحقق منه سوى القليل

مصطفى عبد الوهاب العيسى – العربي القديم

تمكنت إيران من تجاوز الشهر الأول من الحرب بما ينسجم مع حساباتها ومتجاوزة لرهانات الكثير من السياسيين والعسكريين، وعلى خلاف غالبية التوقعات، أضحت تمسك بزمام المبادرة وتفرض إيقاع هذا النزاع الذي تورطت فيه الولايات المتحدة الأمريكية على نحو يُذكِّرنا بتجارب سابقة، ولأن عامل الوقت في عصرنا وأيامنا لا يسمح بانتظار إعادة صياغة مشاهد النصر والبطولة في هوليوود، فقد بادر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تولي هذه المهمة مكرراً إعلان انتصار وهمي عشرات المرات.

توالت الضربات على إيران، وتزايدت العقوبات الاقتصادية عليها، وتضاعفت عاماً بعد عام على مدى عقود، وواصلت إيران تطوير برامجها الصاروخية والنووية، إلى جانب تحديث خططها الاقتصادية داخلياً وخارجياً، والأهم من ذلك ما أولته من اهتمام بالغ بالقوة الناعمة وتعزيز الثقافة الإيرانية لتحصد اليوم ثمار هذا العمل الدؤوب في صلابة نظامها الحاكم.

أقدمت الولايات المتحدة وإسرائيل مراراً على اغتيال قيادات من الصفين الأول والثاني، بل وحتى الثالث، ودون أن يترك ذلك أثراً يُذكر في طبيعة هذا النظام أو استمرارية أدائه، ولم تفلح تلك المحاولات – على كثرتها – في إسقاطه حتى الآن.

وقد تفاجأ حتى المتخصصون في الشأن الإيراني – ممن درسوا إيران عن كثب ولسنوات طويلة – بحجم قدراتها وتماسك بنيتها السياسية والعسكرية.

على الرغم من نفي كلٍّ من روسيا والصين تقديم أي شكل من أشكال الدعم غير المعلن والسري، فإن المؤشرات باتت توحي بوضوح إلى وقوفهما إلى جانب إيران بشكل كلِّي، وهذا ما يجب استيعابه عند قراءة تحولات الحرب وانعكاساتها على المنطقة.

قد لا تمثل طهران أو منطقة الشرق الأوسط الأهمية ذاتها التي تمثلها بكين بالنسبة إلى واشنطن، غير أن هذه المنطقة تبدو فصلاً رئيساً في سياق التنافس المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين، وهو تنافس باتت تميل فيه الكفة أحياناً لصالح الصين.

تايوان، تبدو اليوم أقرب إلى الصين مما كانت عليه في السابق، وضمن مسارات تبدو سلمية، وفي هذا السياق فإن ما يُروَّج له من “سلام بالقوة” كما يطرحه دونالد ترامب ويتحدث عنه ليس سوى توازن دولي سيُفرض بالقوة، وقد كشفت هذه الحرب عن ملامحه بوضوح.

أسهمت الهند وأوروبا في تمهيد الأرضية لتحولات نوعية في العلاقات الاقتصادية الدولية قبل نحو ثلاثة أشهر، وهو الأمر الذي يجعل احتمال حدوث طفرة في العلاقات السياسية بين بكين وواشنطن غير مستبعد.

أياً كانت الزاوية التي نقرأ من خلالها مستقبل العلاقات الدولية في المنطقة – واقعية أم ليبرالية – فإن الحرب مرشحة للتوقف قريباً، ودون أن تنزلق بعد ذلك إلى علاقات عدائية مباشرة، وغالباً سيسود المشهد نمط جديد من العلاقات التنافسية، وأستبعد أن يرتقي إلى مستوى العلاقات التعاونية في القريب العاجل.

ولا يزال اللقاء المرتقب بين دونالد ترامب والقيادة الصينية قائماً في منتصف أيار المقبل، وعلى ضوء نتائجه يمكن استشراف والتكهن بمسارات العلاقات الدولية مستقبلاً، وانعكاساتها على المشهد في الشرق الأوسط سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.

وفي موازاة ذلك، تبدو خسائر الولايات المتحدة في هذه الحرب مكاسب مضاعفة لدى الصين، وكذلك بنك أهدافها – الذي لم يتحقق منه سوى القليل – يكشف عن تراجعها واضطرارها إلى العودة نحو مفاوضات كبرى مع الصين وغيرها سعياً إلى حفظ ماء الوجه بعد حرب خاسرة.

ما أقدمت عليه الولايات المتحدة في فنزويلا، وما تلاه من ممارسات كانت انتهاكاً للقانون الدولي، وفضلاً عن تقليلها من شأن حلفائها في حلف شمال الأطلسي، وتجاهلها لقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، لم يكن سوى محاولات فاشلة لاستعراض القوة والهيمنة على النظام الدولي، وهنا بدت الحرب على إيران بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، ومُعلنة للولايات المتحدة أولاً وللعالم ثانياً أن التوازن الدولي فُرض على الغرب بالقوة، شاء من شاء وأبى من أبى.

قبل عامين، كتبت مقالاً مختصراً بعنوان: “إيران تعمل.. فهل نقرأ؟!” بعد دراسة استمرت لأسابيع للتجربة الإيرانية بموضوعية وفي محاولة لفهم كيف بنت دولة قوية تفرض كلمتها.

واليوم، يبدو أننا ما زلنا عاجزين عن قراءة الدروس بعين الواقع وبعيداً عن العواطف، ومحاصرين بين مُطبِّلٍ موالٍ يُهلل لإنجازاتها، ومعارضٍ شامتٍ يسخر من قوتها، وكلا الفريقين، ومن خلفهما بعض دولنا العربية، لم يستفد بعد من هذه التجربة، ولم يتعلم كيف تكون الدولة صانعة لقرارها، وفارضة لمكانتها إقليمياً ودولياً، وطامحة بالمزيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى