الرأي العام

الهدم كعقيدة: في إدارة الخراب بوصفه أداة تأسيس

السلطة التي تؤسس شرعيتها على إدارة الانهيار تظل أسيرة له. إذ أن الافراط في التفكيك قد يفضي إلى تآكل القدرة ذاتها على الضبط

فارس العلي – العربي القديم

ليس كل نظام جديد يولد وفي نيته الاعمار، ولا كل انتقال سياسي يضمر شغفا بإعادة الترميم. ثمة أنماط من السلطة لا ترى في الخراب اثرا جانبيا لزلزال تاريخي، بل تعتبره مادة اولية لصياغة هندسة سياسية مختلفة. في هذا التصور، لا يكون تفكك الدولة نتيجة عرضية لفشل سابق، بل يعاد تأويله كشرط تأسيسي لنظام لاحق يتقصد ادارة الانهيار، لا تجاوزه.

تتأسس هذه الرؤية على افتراض صريح: الدولة المتماسكة ذاكرة مؤسسية، والذاكرة معيار، والمعيار إمكانية مساءلة. لذلك حين يرغب نظام ناشئ في تثبيت سلطته خارج أطر الشرعية التقليدية، قد يجد في تفكيك البنى القائمة وسيلة لتعليق المعايير نفسها. فالمؤسسة المستقرة تنتج قواعد، والقواعد تنشئ توقعات، والتوقعات تقيد الفعل السياسي. اما في فضاء مشظى، فإن القاعدة تصبح استثناء مؤجلا، وتغدو الضبابية أداة حكم.

الهدم هنا ليس فعلا عشوائيا، بل ممارسة مقننة تدار بعقل بارد. تفرغ المؤسسات من مضمونها الوظيفي دون أن تلغى شكليا، فيتحول الهيكل إلى قشرة رمزية بلا روح تنظيمية. يستبدل مبدأ الكفاءة بمنطق الولاء، وتعاد هندسة الحقول البيروقراطية بحيث تنتج هشاشة دائمة. هذه الهشاشة ليست فوضى خالصة، بل فوضى منظمة تبقي الجميع في حالة احتياج دائم الى مركز يوزع الامتيازات ويحتكر تعريف الاستقرار.

في هذا السياق، يغدو الانهيار موردا سياسيا. فحين تتآكل الثقة الافقية بين الافراد، وتضعف الروابط المؤسسية، تتعاظم الحاجة الى مرجعية عمودية تقدم بوصفها الضامن الوحيد لعدم السقوط الكامل. هكذا يعاد تعريف الاستقرار لا باعتباره ثمرة نظام قانوني راسخ، بل باعتباره منة تمنح وتسحب. ومن ثم يتحول الخوف من الفراغ الى اداة تعبئة، ويصبح استمرار الاضطراب مبررا لاستمرار القبضة.

إن تعمد الهدم لا يعني إعلان العداء الصريح لفكرة الدولة، بل إعادة صياغتها بوصفها جهازا إداريا للسيطرة لا إطارا تعاقديا للمواطنة. تفرغ المفاهيم الكبرى كالمؤسسية والشفافية والعدالة من مضمونها الاجرائي، وتختزل في شعارات فضفاضة لا تترجم الى اليات قابلة للقياس. وبهذا يستبدل منطق البناء التراكمي بمنطق القطيعة المستمرة؛ كل مرحلة تقدم بوصفها بداية جديدة كي لا تتكون ذاكرة قابلة للمحاسبة.

ومن الناحية البنيوية، ينتج هذا النمط من الحكم طبقة وسيطة تعيش على اقتصاد الخراب. فالهشاشة تولد شبكات غير رسمية لسد الفراغات، وهذه الشبكات تصبح بدورها جزءا من معمار السلطة. كلما طال امد التفكك، ترسخت مصالح ترتبط باستدامته، فيتحول الاصلاح الحقيقي الى تهديد لتوازنات قائمة. بذلك يعاد تدوير الازمة كآلية استقرار مقلوب: بقاء النظام مشروط ببقاء العطب.

غير أن هذا الخيار يحمل مفارقة بنيوية. فالسلطة التي تؤسس شرعيتها على إدارة الانهيار تظل أسيرة له. إذ أن الافراط في التفكيك قد يفضي إلى تآكل القدرة ذاتها على الضبط، وتتحول الفوضى المدارة الى فوضى منفلتة. ومع ذلك يراهن هذا النمط من الانظمة على حساب دقيق: ابقاء مستوى الخراب دون عتبة الانفجار، مع ضمان ان لا تتكون بدائل مؤسسية قادرة على احتوائه.

ان قراءة الهدم كعقيدة لا تعني تمجيده ولا اختزاله في نزعة عبثية، بل فهم منطقه الداخلي. فهو في بعض التجارب استراتيجية واعية لإعادة توزيع القوة، وتعليق المعايير، وتأسيس نمط من الحكم يقوم على ادارة النقص لا معالجته. وفي هذا الافق لا يكون السؤال: كيف نعيد بناء الدولة؟ بل: كيف نبقيها في حالة تشكل دائم بحيث لا تستقر على صورة تقيد من يتصدرها؟

هنا تتبدى قسوة الفكرة: ان يتحول الخراب من مرحلة انتقالية الى بنية دائمة، ومن أثر للفشل إلى أداة للهيمنة. إنها سياسة الفراغ المدار، حيث يستثمر التفكك بوصفه رأس مال رمزيا وماديا، ويعاد تعريف الدولة لا كجسد يرمم، بل كساحة يعاد تشكيلها كلما اقتضت مصلحة السلطة ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى