العربي الآن

فيضان الفرات يفرض زيارة الشرعلدير الزور

فيضان الفرات يفرض زيارة الشرع لدير الزور

ياسر الظاهر- العربي القديم

جاءت زيارة السيد الرئيس أحمد الشرع إلى دير الزور في وقت تعيش فيه المحافظة واحدة من أصعب أزماتها، بعد ارتفاع منسوب مياه نهر الفرات وإغراق مساحات زراعية واسعة، إضافة إلى تضرر عدد من البيوت والمنازل القريبة من ضفاف النهر، وقد أعادت هذه الكارثة إلى الواجهة حجم المعاناة الخدمية والإنسانية التي عاشتها المنطقة لسنوات طويلة، في ظل شعور دائم لدى الأهالي بأن محافظتهم كانت بعيدة عن الاهتمام الحقيقي للدولة.

لكن ما لفت الانتباه في هذه الزيارة لم يكن الجانب البروتوكولي أو الإعلامي، بل طبيعتها الميدانية، ومحاولة الاقتراب المباشر من الناس والاستماع إلى شكاواهم ومطالبهم، فقد بدا واضحاً أن الهدف من الزيارة هو الاطلاع على حجم الأضرار عن قرب، ومتابعة ما تحتاجه المناطق المتضررة، مع وعود بمعالجة بعض القضايا العاجلة التي لا تحتاج إلى تعقيدات إدارية طويلة بقدر حاجتها إلى قرار ومتابعة جادة.

ويرى كثيرون أن الزيارة حملت أكثر من رسالة في توقيتها ودلالاتها، فهي من جهة تعكس رغبة الدولة السورية في تأكيد حضورها واستقرارها في الشرق السوري بعد سنوات طويلة من الفوضى والانقسام، ومن جهة أخرى تبدو رسالة طمأنة لأهالي دير الزور بأن مدينتهم ليست مجرد منطقة نفط أو قمح أو قطن، بل جزء أساسي من الهوية السورية بكل ما تمثله من ثقل اجتماعي وثقافي وتاريخي.

فدير الزور لطالما شعرت بأنها تقدم الكثير للدولة، بينما لا تنال ما يكفي من الاهتمام التنموي والخدمي، ورغم ما تمتلكه المحافظة من ثروات وموارد، بقيت لسنوات تعاني ضعف البنية التحتية وغياب المشاريع الحقيقية، حتى جاءت الحرب لتضاعف حجم الخراب والمعاناة.

من هنا، تبدو زيارة الرئيس أحمد الشرع محاولة لتقديم صورة مختلفة عن العلاقة بين الدولة والمجتمع، تقوم على الحضور الميداني وتحمل المسؤولية، لا الاكتفاء بالخطابات أو الظهور الرسمي. فوجود رئيس الدولة بين الأهالي في لحظة أزمة وكارثة طبيعية يحمل بحد ذاته رسالة معنوية مهمة، مفادها أن المسؤولية لا تكون من خلف المكاتب فقط، بل بالنزول إلى الأرض والاستماع المباشر للناس.

وتزداد دلالة هذه الزيارة عند استحضار زيارة الساقط الفار

 بشار الأسد إلى دير الزور عام 2007، والتي كانت آنذاك أول زيارة رئاسية للمحافظة منذ أكثر من أربعين عاماً من حكم حزب البعث. يومها جرى تقديم الزيارة بوصفها حدثاً استثنائياً، لكن كثيرين رأوا أنها بقيت ضمن الإطار الإعلامي أكثر من انعكاسها على الواقع الفعلي للمحافظة، التي استمرت معاناتها من التهميش والإهمال.

لقد اعتادت السلطة السابقة، في نظر كثير من السوريين، على التعامل مع المحافظات البعيدة عن المركز بوصفها أطرافاً تُستدعى عند الحاجة السياسية أو الإعلامية، بينما بقيت المشكلات الحقيقية للسكان تتراكم عاماً بعد عام، ولهذا يحاول كثير من الناس اليوم قراءة زيارة الشرع من زاوية مختلفة، باعتبارها محاولة لإظهار نهج جديد يقوم على المتابعة الميدانية والسعي لمعالجة الأزمات المتراكمة، سواء كانت خدمية أو معيشية أو أمنية.

وربما لا يمكن الحكم على أي زيارة من خلال رمزية اللحظة وحدها، فالأهالي ينتظرون ما هو أبعد من التصريحات والصور، وينظرون إلى ما يمكن أن يتحقق فعلياً على الأرض. لكن المؤكد أن حضور الدولة بين الناس وقت الأزمات يبقى أكثر تأثيراً من الغياب، وأن دير الزور التي دفعت أثماناً كبيرة خلال العقود الماضية، تريد اليوم أن تشعر بأنها جزء حقيقي من الاهتمام الوطني، لا مجرد محافظة تُذكر عند الحاجة فقط.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى