الحدث السوري بعيون مصرية: بين السياسة وذاكرة الشراكة التاريخية
أي خطاب إعلامي يقوم على الشحن أو التخويف لا يصطدم فقط بالسياسة، بل يصطدم أيضاً بذاكرة مشتركة عمرها عقود من التعاون والتضحيات

د. زياد الغزالي – العربي القديم
بدا الإعلام المصري منقسماً حول الحدث السوري بعد عام 2013، بين قراءة سياسية تحاول فهم التحولات الإقليمية، وخطاب تعبوي يحمّل سوريا ــ أو السوريين أحياناً ــ أوزار أزمات الداخل المصري. ومع كل تطور سوري جديد، يعود قسم من الإعلام المصري إلى استحضار خطاب الخوف والفوضى، وكأن ما يجري في دمشق تهديد مباشر للقاهرة، لا حدثاً عربياً معقداً يحتاج إلى قراءة هادئة ومتوازنة.
لم يعد واضحاً أن الإعلام المصري يتعامل مع الملف السوري بوصفه ملفاً عربياً يرتبط بعلاقات تاريخية عميقة بين الشعبين، بل أصبح في كثير من الأحيان جزءاً من معارك السياسة الإقليمية، خاصة في سياق التنافس الحاد مع تركيا. فكل تقارب تركي ــ سوري، أو أي تحول ميداني لا ينسجم مع الرؤية المصرية، يتحول لدى بعض المنصات الإعلامية إلى مادة للتخوين أو التخويف أو التحريض. الأخطر من ذلك أن بعض الإجراءات الأمنية والإعلامية داخل مصر تجاه السوريين تركت انطباعاً قاسياً. فمنع الاحتفال بذكرى التحرير أو المناسبات الوطنية السورية لم يُقرأ فقط كإجراء أمني، بل كرسالة سياسية سلبية تجاه جالية عاشت لسنوات داخل المجتمع المصري دون صدامات تُذكر، وأسهمت اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً في الحياة اليومية المصرية.
لكن ما يغيب عن هذا الخطاب المتوتر، أن العلاقة بين مصر وسوريا لم تكن يوماً علاقة مصالح عابرة فقط، بل علاقة شراكة في الهمّ والمصير والتاريخ السياسي. فالبلدان خاضا معا” أهم الحروب العربية الحديثة، وامتزج الدم السوري والمصري معاً في معارك كبرى شكّلت الوعي القومي العربي. من حرب 1948، إلى العدوان الثلاثي عام 1956، وصولاً إلى حرب تشرين/أكتوبر 1973، كانت القاهرة ودمشق تتحركان ضمن تصور واحد لمعنى الأمن القومي العربي، حتى وإن اختلفت السياسات لاحقاً. ولم تكن تلك الشراكة عسكرية فقط. ففي الوعي الشعبي المصري، بقيت سوريا جزءاً من صورة المشرق العربي الثقافية والحضارية، كما احتفظ السوريون بصورة مصر باعتبارها قلب العالم العربي الثقافي والسياسي. لذلك فإن أي خطاب إعلامي يقوم على الشحن أو التخويف لا يصطدم فقط بالسياسة، بل يصطدم أيضاً بذاكرة مشتركة عمرها عقود من التعاون والتضحيات. ومهما بلغت حدة الخلافات السياسية أو تبدلت التحالفات الإقليمية، يبقى ما بين الشعبين السوري والمصري أكبر من أن تعكره السياسة أو تفسده الحملات الإعلامية العابرة.
اليوم، لم تعد القاهرة تمتلك أدوات التأثير الإقليمي ذاتها التي تمتلكها قوى أخرى كتركيا والسعودية ودول الخليج العربي. لذلك يبدو الخطاب الإعلامي المصري أحيانا وكأنه محاولة لتعويض تراجع الحضور السياسي عبر التصعيد الكلامي أو المبالغة في تصوير المخاطر والتهويل من التحولات الإقليمية. غير أن هذا الضجيج الإعلامي، مهما ارتفع، لا يصنع نفوذاً حقيقياً ولا يعوض غياب أدوات التأثير الفعلية اقتصادياً وسياسياً ودبلوماسياً. بل إن هذا الخطاب قد يتحول إلى عبء إضافي حين يدفع بالعلاقات الشعبية التاريخية بين السوريين والمصريين نحو التوتر، رغم أن ما يجمع الشعبين من ذاكرة مشتركة وروابط ثقافية وإنسانية أعمق بكثير من أن تفسده حملات إعلامية عابرة أو حسابات سياسية مؤقتة. كما أن استمرار هذا المناخ العدائي قد يؤدي إلى خسارة الشركات المصرية فرص اقتصادية مهمة في مرحلة إعادة إعمار سوريا الجديدة، وهي مرحلة ستفتح مجالات واسعة للاستثمار والتجارة وإعادة بناء البنية التحتية والأسواق والخدمات. فالدول التي تبني جسور الثقة السياسية والشعبية اليوم، ستكون الأقدر غدا على حجز موقع داخل المشهد الاقتصادي السوري المقبل، بينما قد تجد الدول المنخرطة في خطاب التصعيد نفسها خارج معادلات التأثير والمصالح.
في النهاية، قد تختلف الحكومات وتتبدل الحسابات السياسية، لكن العلاقات الحقيقية بين الشعبين لا تُقاس بلحظة توتر عابرة، وما بين سوريا ومصر يشبه نهراً قديماً لا تغيّر مجراه العواصف. وما بين دمشق والقاهرة حكايات أقوى من الخلافات. وجوه عبرت الحدود دون أن تشعر بالغربة، وأغانٍ وحروب ودموع وانتصارات وانكسارات كتبت ذاكرة مشتركة لا تمحوها السنين.

