فنون وآداب

تأملات في الإعلام السوري المعاصر: إعلام ما بعد الصراع من التجييش إلى التماسك

جمهور يئس، منصات تكافئ الصراخ، مؤسسات هشة، وتمويل مشروط. لكن يبقى عنصر لا تستطيع هذه البيئة مصادرته إن أحكمت قبضتك عليه: قرارك اليومي فيما تروي وكيف تروي.

مرعي الرمضان – العربي القديم

الجزء الثاني من: تأملات في الإعلام السوري المعاصر

“إذا كانت الصحافة قديماً هي مرآة الجهد البشري، فإن صحافة المستقبل هي الميزان الأخلاقي الذي سيحكم علاقة الإنسان بالآلة في سبيل استعادة السلم التائه.”

في دمشق، يجلس رجل أمام شاشته كل صباح. يتنقل بين القنوات والمواقع والصفحات، ثم يُغلق كل شيء ويقول بهدوء: “ما فيها صح.” لم يقلها يأساً، بل بنبرة من وصل إلى قناعة وتصالح معها. وهذا الرجل ليس استثناءً – إنه النمط الذي تكرّر حتى صار تعريفاً للمشهد الإعلامي السوري. حين يتحول انعدام الثقة من موقف نقدي إلى حالة معيشة يومية، فإننا لا نواجه أزمة مصداقية عابرة، بل انهيار العقد الأصيل بين الصحافة والمجتمع: “أنا أروي، وأنت تصدّق لأنك تعرف أنني لا أكذب عليك.”

في الجزء الأول كان السؤال: ماذا حدث؟ اليوم، في آذار 2026، السؤال الأشد إلحاحاً: كيف نُعيد بناء هذا العقد؟ كيف نتحول من إعلام كان يُجنّد إلى إعلام يُماسك؟

الوهم المريح: الإعلام البديل ليس مقدساً بالضرورة

ثمة سردية شائعة مريحة تقول إن الإعلام البديل – لمجرد كونه خارج سيطرة السلطة – هو بالضرورة أكثر حرية وأقرب إلى الحقيقة. هذه السردية تمنحنا بطولة سهلة: نحن الأخيار في مواجهة آلة الدعاية. لكن التجربة السورية أثبتت أن هذا الافتراض، في أحسن أحواله، هو تبسيطي، وفي أسوأها، خطير.

جزء معتبر من الإعلام البديل الذي وُلد أثناء الصراع لم يكسر منطق الأدلجة – بل استبدل محتواها. استبدل خطاب السلطة بخطاب مضاد يحمل البنية ذاتها: عدو واضح، حقيقة لا تقبل الشك، وجمهور يُطلب منه أن يختار لا أن يفكر. والنتيجة أن المواطن العادي – الذي يملك ذكاءً حياتياً كافياً لاكتشاف التوجيه – وجد نفسه أمام لافتتين مختلفتين لمتجر واحد، فأغلق الشاشة وقال: “ما فيها صح.”

المشكلة ليست في “الموقف” – فمن حق كل إعلام أن يكون له موقف – بل في المنطق الذي يحكم العلاقة مع الجمهور. الانتقال المطلوب ليس من موقف إلى موقف آخر، بل من إعلام يُعرّف نفسه بالخصومة إلى إعلام يُعرّف نفسه بالمسؤولية.

حين لا يرى الناس أنفسهم في الخبر

أعمل ضمن مؤسسة تُعنى بالعمل الإنساني وبناء السلام. ما يلفتني يومياً ليس غياب الأخبار، بل غياب نوع محدد منها: القصة الإنسانية التي لا تخدم أجندة أحد.

امرأة عادت إلى ريف دير الزور بعد سنوات من النزوح، وجدت الجدران سوداء والحديقة يباباً، وبدأت – بيدها وبمساعدة جارتها – تعيد الحياة. مجموعة شباب أعادوا تأهيل مكتبة كانت مستودع ذخيرة فأصبحت مكاناً للقراءة. طفل جلس لأول مرة في فصل دراسي منظم بعد سنوات من التعليم المتقطع في مخيمات الشتات.

هذه القصص موجودة وحقيقية ومؤثرة، لكنها مهمّشة لأنها لا تُغذّي خطاباً ولا تُثير الغضب الذي تكافئه الخوارزميات. غيابها هو ما يجعل المواطن يشعر أن الإعلام يتحدث إليه لا عنه. هنا يكمن مفتاح إعادة الثقة: ليس في بيانات أدق أو مواثيق أكثر صياغة، بل في أن يرى الناس أنفسهم داخل الرواية – بكل تعقيدهم وتناقضاتهم وأفراحهم الصغيرة.

أنسنة الخبر ليست ترفاً صحفياً، بل شرط وجودي لأي إعلام يريد أن يُسمع في سوريا اليوم. وهذا بالضبط ما يستطيع إعلام المجتمع المدني تقديمه، إن آمن بأن قصصه تستحق أن تُروى: حضور ميداني حقيقي، وعلاقة ثقة بناها العمل اليومي لا الكلام، وقصص لم يسمعها أحد بعد. إعلام يتحدث عن الناس لا إليهم – والفارق الصغير في حرف الجر يصنع الفارق الكبير في العلاقة.

الذاكرة التي نحتاجها

حين نتذكر “جراب الكردي” و”فتى الشرق” و”السمير” – تلك المنابر التي عبّرت عن تنوع حقيقي قبل أن تُطوى بالأيديولوجيا – لا نستدعي الماضي للبكاء عليه، بل لنؤكد أن التعددية أصيلة في الصحافة السورية، وأن ما جرى كان اختطافاً لا طبيعة.

إعادة أرشفة هذا الإرث رقمياً – عبر تحويل الصفحات المبعثرة إلى قواعد بيانات حيّة قابلة للبحث والتفاعل – هي استعادة لهذا الأصل، لا مجرد توثيق. لكن الطريق يطرح أسئلة لا ينبغي الالتفاف عليها: من يموّل؟ من يضمن الحياد؟ ومن يحمي الأرشيف من التوظيف السياسي لاحقاً؟ إن بناء الذاكرة الصحفية الوطنية مشروع سيادي ثقافي طويل الأمد، لا يحتمل السذاجة ولا التسرع.

الآلة التي لا تختار

الذكاء الاصطناعي ليس بطلاً ولا شيطاناً – بل هو مرآة تُكبّر ما نضعه أمامها. في الحالة السورية، يبرز بُعدان محددان:

  • الأول: فيديو مفبرك واحد قادر – في مرحلة الهشاشة الراهنة – على إشعال فتنة مناطقية قبل أن يلحق به التكذيب. تقنيات كشف التزييف العميق (Deepfake Detection) باتت متاحة وقابلة للتوطين في أي غرفة أخبار تملك الإرادة. من لا يستخدمها اليوم يتحمل مسؤولية أخلاقية حقيقية.
  • الثاني: المنصات الرقمية مُصمَّمة هندسياً لتعظيم التفاعل، والتفاعل الأكثر ربحاً هو الغضب. منشور يحرّض أو يُشيطن يحصد تفاعلاً يفوق بأضعاف ما يحصده منشور يروي قصة إنسانية هادئة. الخوارزمية لا تكذب – لكنها تكافئ الكراهية. هذا توثيق أكاديمي متراكم – لا نظرية مؤامرة. والصحفي الذي ينشر دون وعي بهذه الآلية لا يخدم الحقيقة، بل يخدم الخوارزمية.

إن وضعنا أمامها إطاراً أخلاقياً واضحاً، ضاعفت قدرتنا على التحقق والتوثيق. وإن تركناها بلا ضوابط، ضاعفت قدرة التضليل بكفاءة لم يبلغها الكذب يوماً بأدواته القديمة.

خطوة فبراير – بين الأمل والتحفظات

في 15 فبراير 2026 أُطلقت في دمشق “مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام” بمشاركة نحو ألف صحفي على مدى أشهر من الحوار. ما يستحق التوقف هو مسار ولادتها: مدونة صاغها الصحفيون أنفسهم، تختلف جوهرياً عن لوائح تُملَى من فوق.

أبرز بنودها الشفافية الرقمية: الالتزام الصريح بالإفصاح عن أي محتوى أُنتج أو عُدّل بمساعدة الذكاء الاصطناعي. جملة تقنية تبدو باردة، لكن ما تحتها دافئ: “لن نخدعك بشأن كيف صُنع ما تقرأه.” في بلد عاش عقوداً من إعلام لم يُفصح حتى عن توجهاته السياسية، هذا تحول في العلاقة.

ومع ذلك، رافق الإطلاق تحفظات جدية: رابطة الصحفيين السوريين رفضت المدونة بشكل صريح، معتبرة إصدارها من وزارة الإعلام وصاية حكومية وخرقاً لمبدأ التنظيم الذاتي. كما أثار عدد من الإعلاميين المستقلين تساؤلات حول غياب النص الكامل عن التداول العام في البداية، وعدم الكشف عن معايير اختيار المشاركين في الصياغة. هذه الملاحظات لا تُلغي قيمة الخطوة – بل تُكملها. المدونة التي لا تُناقش لا تختلف في روحها عن اللائحة المفروضة. بقاء الحوار مفتوحاً حولها هو الضمانة الحقيقية لأن تبقى أداة للمهنة لا عليها. وجود معيار مكتوب – رغم كل شيء – يُغيّر ميزان المساءلة: الصحفي يملك مرجعاً يحتج به، والجمهور يملك معياراً يحكم به.

إلى الصحفي الذي لم يُغلق شاشته بعد

أكتب هذا لا من موقع اليقين، بل من إدراك التعقيد ورفض الاستسلام له. البيئة قاسية: جمهور يئس، منصات تكافئ الصراخ، مؤسسات هشة، وتمويل مشروط. لكن يبقى عنصر لا تستطيع هذه البيئة مصادرته إن أحكمت قبضتك عليه: قرارك اليومي فيما تروي وكيف تروي.

القصة التي لا يعرفها أحد غيرك، والصوت الذي لم يُسمع، والمشهد الصغير الذي إن رويته بأمانة – دون أجندة ودون خوف – قد يُعيد إنساناً واحداً إلى الثقة. وفي هذا المناخ، إعادة إنسان واحد إلى الثقة ليست إنجازاً صغيراً.

الإعلام لا يُنقذه ميثاق وحده، ولا تقنية وحدها، ولا مقالة مهما بلغت جودتها. يُنقذه صحفي يقرر كل صباح – أمام الشاشة ذاتها التي يُغلقها الرجل يأساً – أن يفتحها وأن يكتب.

هل ستكون التكنولوجيا جسراً لإعادة بناء الثقة، أم أداةً لتوسيع الانقسام؟ الجواب لن يُكتب في المقالات – بل في الممارسة اليومية لكل من يحمل قلماً أو لوحة مفاتيحي في هذا البلد.

دمشق – آذار 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى