الرأي العام

خطاب الوزيرة هند قبوات : يبني الدولة أم يزرع الانقسام؟

الكلمة حين تصدر من موقع مسؤولية، يُفترض أن تكون جسراً لا خنجراً.

مرهف مينو- العربي القديم

في وقت أحوج ما تكون فيه سوريا إلى خطاب جامع يرمّم ما تبقى من نسيجها الاجتماعي الممزق، تخرج تصريحات الوزيرة هند قبوات لتثير جدلاً واسعاً، ليس بسبب مضمونها الظاهري فحسب، بل لما تحمله بين سطورها من نزعة إقصائية مغلّفة بلغة ناعمة قد تبدو للمتصفح العادي بريئة، لكن في جوهرها تعيد إنتاج الانقسام وتعمّق الشرخ المجتمعي.

لقد جاء في منشور الوزيرة قبوات نقاط عدة تستدعي وقفة تحليلية متأنية، لما لها من تداعيات خطيرة على مفهوم المواطنة والعيش المشترك في سوريا.

 فقولها إن “المسيحيين في سوريا هم سكانها الأصليون”، وإن بدا تاريخياً، يحمل في طياته إيحاءً خطيراً بأن فئة بعينها هي المالك الأصيل للأرض، وأن البقية مجرد طارئين أو ضيوف عابرين.

تزوير فجّ لتاريخ بلاد الشام العريق، الذي تشكل عبر تفاعلات حضارية ودينية وقومية متعددة، ولا يمكن اختزاله في سردية أحادية تقصي الآخرين. فسوريا للجميع، وكل من ولد وعاش فيها هو ابن أصيل لهذه الأرض.

يتجلى الإقصاء أيضاً في الحديث عن “الحفاظ على الدين” بوصفه إنجازاً خاصاً لفئة معينة، مما يحمل دلالة ضمنية خطيرة توحي بتفوق ديني أو أخلاقي.  

هذا انزلاق لا يليق بخطاب صادر عن موقع مسؤولية، فالحفاظ على المعتقد هو شأن شخصي وإنجاز روحي لا يمنح صاحبه أفضلية على الآخرين ، ولا يجوز استخدامه كأداة للتفاضل أو الإقصاء.

كما أن استدعاء (مقاومة المستعمر) بهذه الطريقة، يحوّل الذاكرة الوطنية إلى مادة انتقائية تُستخدم لتكريس سردية أحادية تخدم أجندة معينة.

منشورة الوزيرة هند قبوات، الذي أثار جدلا ساخناً حول مفاهيم وطنية عدة (المصدر: الصفحة الشخصية على فيسبوك)

التاريخ السوري حافل بالمقاومة التي شاركت فيها جميع أطياف المجتمع، ولا يمكن اختزالها في فئة واحدة .

تزوير الذاكرة الوطنية لا يليق بوزيرة يفترض بها أن تكون حارسة للتاريخ لا مزورة له .

الأخطر يتجلى في الإيحاء بأن فئة دون غيرها تمثل الثقافة والعلم، كما في قولها “آمنوا أن الثقافة والعلم يبنيان البلاد… استقبلت مدارسنا… فتحت مستشفياتنا أبوابها للجميع”، وكأن بقية السوريين خارج هذا الإطار .  هذا ليس فخراً، بل تعالٍ مبطن يعمّق الفجوة بدل أن يردمها.

فالعلم والثقافة قيم إنسانية عالمية، ساهم في بنائها وتطويرها جميع السوريين على اختلاف انتماءاتهم، ولا يمكن لأحد احتكارها.

فيما يتعلق بالثورة، فإن إشارتها إلى أن “من وقفوا معها لم يستخدموا أسمائهم المستعارة، ناضلوا ووقفوا مع المظلومين بدون خوف، والباقي فضل الصمت ولم يحمل السلاح للقتل”، تمثل طعناً مباشراً بمئات آلاف السوريين الذين اضطروا للتخفي لحماية أنفسهم وعائلاتهم من بطش نظام الأسد ومخابراته. الشجاعة لا تُقاس بالظهور العلني، بل بما دُفع من أثمان باهظة، كما أن توصيف من حمل السلاح بأنه (حامل للقتل) ليست زلة لسان، بل إدانة جماعية تختزل واقعاً معقداً، وتغفل أن كثيرين دُفعوا إلى المواجهة بعد إغلاق كل السبل أمامهم.

تجاهل الأسباب هو تزوير للنتائج، لا قراءة لها. وهو حكم منحدر أخلاقياً يتجاهل واقعاً معقداً دفع كثيرين للدفاع عن أنفسهم عندما أغلقت كل الطرق.

ويستمر الخطاب الإقصائي في الحديث عن “مبادئنا الحب، واحترام التنوع، هي أخلاقنا… مناطقنا ليست أماكن للمشروبات والكحول، بل هي قلب دمشق وتاريخها المشرق، ومكان للعيش المشترك”. إن الحديث عن “الأخلاق” و”نمط الحياة” بهذه الصيغة، يكرّس ادعاء تفوق أخلاقي واضح، وكأن هناك شعباً أكثر رقياً من آخر.

هذا الخطاب لا يبني دولة، بل يعيد إنتاج الانقسام. فالكلمة حين تصدر من موقع مسؤولية، يُفترض أن تكون جسراً لا خنجراً. سوريا ليست حكراً على أحد، ولا تُكتب بلغة “نحن فقط” ومن يحاول تعريفها بهذه الطريقة، لا يحميها بل يفتح الباب أمام مزيد من التشظي والانقسام.

نحن لسنا ضيوفاً في هذا البلد، ولا هامشاً فيه، ولن نقبل أن يُعاد تعريفنا بهذه الطريقة التي تهدف إلى إقصاء جزء من النسيج السوري الأصيل. إن قوة دولتنا تكمن في تنوعها، وأي صوت راديكالي أو متطرف، سواء كان صريحاً أو مغلفاً بلغة ناعمة، سيكون سبباً في ضعفها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى